الإنسان محور الخلق وأهم مخلوقات الله
كما أسلفنا في دروسنا السابقة، فإن الغاية من خلق هذا الكون الفسيح، إنما هي التمهيد لحضور الإنسان، حيث سُخِّرت الكائنات قاطبةً لخدمته وتلبية احتياجاته. وبعبارة أخرى، الإنسان هو محور الخلق، بل هو غاية الخلق في هذا العالم وما فيه. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من هو الإنسان ولماذا هو تحديداً محور هذا الكون العظيم؟ ما الذي يميزه عن سائر المخلوقات؟
قبل الخوض في تفاصيل هذا المفهوم، لا بد من تحديد معنى “المركزية”. فالمركزية تعني أن يكون الشيء أساسًا وقاعدة لغيره. وعندما نقول إن الإنسان هو محور الخلق، فإننا نعني أن الإنسان هو الأساس الذي قامت عليه جميع المخلوقات والعوالم في الوجود.كما هو معلوم، فإن عمليات إنتاج وبناء لكل شيء تتأسس على محورٍ رئيسيٍّ محدَّد، وتُنسَّق جميع مراحلها تبعًا لهذا المحور. فالمحور الأساسي في بناء المستشفى هو المريض، إذ يُشيَّد المستشفى من أجله وبهدف علاجه. وبناءً على ذلك، يجب على القائمين على الإنشاء والإدارة مراعاة جميع احتياجات المريض في مختلف الجوانب، بدءًا من أقسام الطوارئ والرقود، ووصولًا إلى وحدات العناية المركزة للحالات الحرجة، وغرف العمليات، والصيدليات، وتوفير الكوادر الطبية المتخصصة من أطباء وممرضين، وتجهيز المستشفى بالمعدات الطبية اللازمة، بالإضافة إلى الأقسام الإدارية، والمطابخ، ودورات المياه، وغيرها من المرافق والتجهيزات التي يحتاجها المريض خلال فترة إقامته في المستشفى.
وبالمثل، تتمحور المؤسسة التعليمية حول طلابها، فالهدف من إنشاء المدرسة هو تنمية الأبعاد الذهنية والجسدية والشخصية المتنوعة للطلاب، ويتعين على منشئ المدرسة أن يراعي هذه الأبعاد جميعها وأن يضع خططًا لتنميتها؛ لذا، عندما نقول إن الإنسان هو محور خلق الكون، فإننا نعني أن الله، بوصفه الخالق والمبدع للعالم، قد خلق الكون برمته، من عالم المادة إلى الملكوت والجبروت،[1] من أجل الإنسان وبلوغه الهدف النهائي من خلقه؛ ففي الواقع، جميع العوالم والموجودات هي توابع لوجود الإنسان وتعمل في خدمة تكامله وتطوره.
بعد أن استوعبنا مفهوم مركزية الإنسان في الكون، فلنعد إلى السؤال الذي طرحناه في البداية؛ وهو: ما الذي يجعل الإنسان محور الخلق؟ وما الميزة الفريدة التي اختصه الله بها عن سائر المخلوقات، فاستحق أن يُخلق كل شيء لأجله؟

الإنسان: مظهر الأسماء والصفات الإلهية
يكمن جوهر تفوق الإنسان على سائر المخلوقات في مكانته الفريدة ضمن منظومة الخلق. إذ يحظى الإنسان بمقام الخلافة الإلهية، وهو مقام سامٍ لم يُمنح لأي مخلوق آخر، حتى الملائكة. الخليفة هو من ينوب عن شخص آخر، ويُمنح سلطة الحكم بإذنه وليس شرط الخلافة إلا التشابه. لا يمكن لشخص أن يكون خليفة أو نائبًا عن آخر ما لم يتطابق معه في جميع الجوانب؛ وإلا، فإن مقام الخلافة لن يكون كاملًا. وبالتالي، لا يستحق الإنسان لقب “خليفة الله” إلا إذا تجلت فيه جميع أسماء الله وصفاته، وأصبح شبيهًا به في كل شيء.
من البديهي أن بلوغ هذه المنزلة الرفيعة يستلزم جهدًا جهيدًا وسعيًا حثيثًا، ولا يجرؤ كل إنسان على سلوك هذا الدرب؛ ومن ثم يمكن اعتبار مقام الخلافة الإلهية مقامًا كامنًا، لا متحققًا. بعبارة أخرى، لا يرتقي جميع البشر إلى مقام خليفة الله، بل يقتبس كل امرئ من هذه الخلافة بقدر ما يتخلق بالأخلاق الإلهية.
يكمن جوهر القضية في أن أسماء الله وصفاته ليست متحققة بالفعل في الإنسان، وأن تحويلها إلى واقع ملموس، أي بلوغ مقام الخلافة الإلهية، يتطلب من الإنسان خوض غمار عالم المادة، وما يكتنفه من تناقضات وصراعات.
لقد خلق الله الإنسان حرًا، ليشق طريقه في هذه الدنيا بإرادته الحرة، متخذًا مسار التشبه بصفات إلهية، واكتساب أسماءه الحسنى. ومن جانب آخر، فإن الخالق الحكيم قد هيأ للإنسان كل ما يحتاجه في هذا المسار على أكمل وجه، جاعلًا كل شيء متناغمًا مع البنية الرياضية لوجوده، ليعينه على المضي نحو غاية خلقه. أي أن الإنسان هو محور الخلق برمته، وتربطه علاقة وجودية بجميع المخلوقات في هذا الكون. فليس في هذا العالم، سواء في عالم المادة أو عالم الغيب والملكوت، شيء لم يتم تنسيقه مع الإنسان، أو لم يتم خلقه لأجله وبما يتناسب مع غاية خلقه. وفيما يلي، سنستعرض بإيجاز، وعلى سبيل المثال، علاقة الإنسان بعالم المادة، والملائكة، والشيطان.
العلاقة بين الإنسان والعالم المادي
الإنسان هو محور خلق العالم المادي. ولقد صمم الله بنيتنا الوجودية، نحن البشر، بطريقة تجعلنا في حاجة إلى جسم مادي، وإلى بيئة مليئة بالتضاد والتعارض، من أجل بلوغ هدف الخلق وتلقي الأسماء الإلهية. وذلك لكي ننمو من خلال مواجهة تحديات هذه البيئة، وتتهيأ لنا الظروف لتلقي الأسماء الإلهية.
إنّ العالم المادي هو البيئة الوحيدة التي تتيح للإنسان فرصة التطور والنماء الروحي. لذا، اقتضت حكمة الخالق أن يُهبط أرواحنا من عوالم الجبروت والملكوت إلى هذا العالم الدنيوي، لتتجسد في أجساد وتخوض تجارب متناقضة، كالصحة والمرض، والجمال والقبح، والضعف والقوة، والثراء والفقر، وغيرها، بهدف الوصول إلى الكمال وتفجير الطاقات الكامنة. ففي مواجهة الصعاب، كالأمراض أو الفقر، إذا ما تحلى الإنسان بالصبر والشكر بدلًا من اليأس والسخط، فإنه يرتقي تدريجيًا ليصبح مظهرًا لصفات الله “الصبور” و”الشكور”، وتتجلى هذه الصفات في كيانه. كما أن العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة أو مع الأصدقاء والجيران والزملاء، تمثل ميادين اختبار مستمرة. فإذا ما اجتاز الإنسان هذه الاختبارات بنجاح، فإنه يكتسب صفات إلهية أخرى، كالرحمة والكرم والمغفرة والشكر والجود والستر، وتتسع روحه باستمرار. إنّ الهدف الأسمى من وجودنا في هذا العالم هو أن نكون تجليات لصفات الله. وكلما سعينا في هذا الطريق، اقتربنا من الله وتشبهنا به. فالإنسان الرحيم الكريم يتشبه بالله في رحمته وكرمه، والمتستر على عيوب الآخرين يتشبه بالله في ستره وعفوه.
في عموم الأمر، فإن العالم المادي برمته، من جبالٍ وسهولٍ وغاباتٍ ومحيطات، وكافة الحيوانات، وأنواع النباتات من أشجارٍ وأزهارٍ وثمارٍ ومأكولات متنوعة، وكذلك الأجرام السماوية من شموسٍ وأقمارٍ ونجوم، قد خُلِقت لنا وفقًا لبنيتنا الوجودية، لتكون وسيلةً نستثمرها ونرتقي بها نحو الكمال.
العلاقة بين الإنسان والملائكة
إنّ الإنسان في مسيرة تطوره نحو الكمال، بحاجة إلى الملائكة. وقد خلق الله تعالى بلايين الملائكة ذوي الوظائف المتنوعة، لتدبير شؤون حياتنا والقيام بخدمتنا. فالملائكة هم القائمون على إدارة هذا العالم بإذن الله، ولا تحدث حركة في نظام الطبيعة دون تدخّلهم. فبدونهم، تستحيل حياة أي كائن على الأرض. إن أنواع حركات الأرض، وحفظ الأجرام السماوية في الفضاء، والحفاظ على المسافة بين الأرض والشمس والكواكب الأخرى، وتنظيم الغلاف الجوي، وحركة السُحب، والأمطار، والثلوج، والرياح، والرعد والبرق، ونمو النباتات، وجميع مراحل ولادة الكائنات وموتها، وغيرها الكثير من الأعمال، هي من مسؤولية الملائكة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأمور المختلفة مثل الإلهامات الخيّرة التي تُلقى في قلوبنا، وتسجيل أعمال الخير والشر التي نقوم بها، هي أيضًا من مهام الملائكة.
العلاقة بين الإنسان والشيطان
الشيطان كائن يشكل عائقا في مسيرة الإنسان نحو الكمال؛ لذا، قد يخيل للبعض أن وجوده محض ضرر، ولكن الحقيقة تخالف ذلك. فالشيطان، شأنه شأن سائر مخلوقات الله وهو مصدر للخير، بل إن المواجهة الصحيحة معه تضاعف سرعة حركة الإنسان نحو الله أضعافا. فالإنسان في سعيه إلى تحقيق الغاية من خلقه، يحتاج إلى وساوس الشيطان. إذ يتحدى الشيطان، بتحريضاته ووساوسه، قوى الإنسان الداخلية، ويكشف نقاط ضعفه. ومن خلال هذا الصراع، يزداد الإنسان قوة يوما بعد يوم، ويتلقى المزيد من أسماء الله الحسنى. فعلى سبيل المثال، عندما يقف الإنسان في وجه تحريض الشيطان على الغضب، ويكبح جماح غضبه، فإنه يفعّل في نفسه اسم الله “الصبور”. أو عندما يسيء إليه أحد، فيعفو عنه ويتجاوز عن خطيئته، بدلا من الاستسلام لشعور الانتقام والحقد الذي يثيره الشيطان في قلبه، فيتجلى له اسم الله “الغفور”.
في هذا الدرس، تناولنا مكانة الإنسان الرفيعة في نظام الخلق، وعلاقته بالكائنات أخرى، واستجلينا أسباب تسميته بمحور الخلق. لقد شاءت إرادة الله أن يخلق كائنًا يُدعى الإنسان، ليكون مظهرًا ومرآةً تعكس صفاته جميعها. فجوهر الإنسان يحمل في طياته كل الأسماء والصفات الإلهية، ولكنها تظل كامنة، وعليه باختياره الحر، أن يفعّل هذه الأسماء في وجوده، ويبلغ مقام الخلافة الإلهية. ولتحقيق هذا الهدف، يحتاج إلى نظام الخلق برمته، بكل عوالمه، من عالم المادة أو الناسوت، إلى عالم الملكوت والجبروت. إذ يجب عليه أن يحضر في الأرض بجسده المادي، وأن يشق طريق الكمال من خلال عبور التضادات والتناقضات التي تعج بها عالم المادة.
لذا، فقد خُلق نظام الخلق بأكمله في خدمة هدف الإنسان، ومتوافقًا مع بنيته الوجودية. وبعبارة أخرى، الإنسان هو محور خلق الكون بأسره.