المفهوم الحقيقي لـ.”الإمام المبين” وعلاقته بالإنسان وهدف خلقه

جدول المحتويات
دراسة مفهوم "الإمام المبين" من منظور علم الإنسان

دراسة مفهوم “الإمام المبين” من منظور علم الإنسان

وردت عبارة “الإمام المبين” مرتين في القرآن الكريم. في الترجمة الحرفية لهذه العبارة يتم الإشارة إلى “اللوح المحفوظ”، و“الكتاب المبين”، و”الطريق الواضح”. هذه المعاني تمثل ظاهر النص فقط، في حين أن لكل آية في القرآن بعدًا باطنيًا يحتاج إلى تأويل وتفسير أعمق. وعند الرجوع إلى آراء علماء التفسير والتأويل، وكذلك إلى الروايات الواردة حول هذه العبارة، نجد أن مفهومها يتجاوز مجرد دلالتها على الكتاب أو الطريق المبين.

يمكن تناول مفهوم “الإمام المبين” من زوايا متعددة، وإحدى أهم هذه الزوايا هي دراسته من منظور علم الإنسان. بما أن القرآن هو كتاب هداية للإنسان، فإن كل ما ورد فيه يرتبط به بشكل مباشر. لفهم معنى عبارة “إِمَامٍ مُبِينٍ” من هذا المنظور، لا بد من التركيز على عدة محاور أساسية، منها خصائص عالم الخلق، وهدف خلق الإنسان، والمتطلبات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. إن التأمل في هذه الجوانب يساعد على اكتشاف المعنى العميق لهذه العبارة وعلاقتها بالإنسان.

من أبرز خصائص عالم الخلق أنه قائم على نظام رياضي دقيق، حيث إن كل شيء فيه يخضع لمقادير محسوبة وقوانين ثابتة. فلا يوجد شيء في الكون دون تحديد دقيق لموقعه ووظيفته في منظومة الخلق. لم يُخلق الإنسان عبثًا، بل له غاية محددة في هذه الحياة. فالله سبحانه وتعالى جعل كل ما في الكون مسخَّرًا له ليعينه على تحقيق هذه الغاية، مما يدل على وجود نظام هادف متكامل في الخلق.

ولتحقيق أي هدف، لا بد للإنسان من معرفة دقيقة بذاته، وبالطريق الذي يسلكه، وبالأدوات التي يحتاجها للوصول إلى غايته. ومن بين أهم متطلبات السير في هذا الطريق وجود مرشد هادٍ يستطيع أن يميز الطريق الصحيح من الضلال، ويوجه الإنسان نحو الهدف بأمان وسرعة.

وبما أن غاية خلق الإنسان هي التشبه بصفات الله والوصول إلى مقام الخلافة الإلهية، فإن المرشد في هذا الطريق يجب أن يكون قد بلغ أعلى مراتب الكمال في هذا المقام. ومن هنا، يتضح أن عالم الخلق، وهدف خلق الإنسان، والمرشد الذي يهديه إلى هذا الهدف، جميعها مترابطة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم “الإمام المبين”، وهو ما سنتناوله بمزيد من التفصيل في ما يلي.

دراسة مفهوم الإمام المبين من المنظور النقلي

عند دراسة آيات القرآن، نجد أن هناك بُعدين أساسيين لفهمها: الأول هو تفسيرها الظاهري وترجمتها اللغوية، والثاني هو استكشاف معانيها الباطنية من خلال التأويل والتفسير. في البعد الأول، يمكن لإتقان اللغة العربية أن يساعد إلى حد كبير في فهم المعاني الظاهرة، لكن في البعد الثاني، لا بد من الرجوع إلى علم التأويل والتفسير. وهنا تأتي أهمية روايات أهل البيت (عليهم السلام)، إذ إنها تقدم لنا مفاتيح لفهم أعمق للآيات، حيث كانوا يجيبون عن تساؤلات أصحابهم ويكشفون عن معاني خفية لا يمكن الوصول إليها بمجرد الترجمة اللغوية.

إحدى الآيات التي ورد فيها مصطلح “الإمام المبين” هي الآية 12 من سورة يس: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. عند مراجعة شروح مختلفة لهذه الآية، نجد أن المفسرین استخدموا عبارات مثل: “اللوح المحفوظ”، و”الكتاب المبين”، و”صحف الأعمال”، و”الكتاب الذي يكشف الحقائق”. ولکن ما هي الحقيقة؟!

يرى بعض الباحثين المتعمقين في التأويل والتفسير القرآني من منظور فلسفي وعرفاني، أن مفهوم الإمام المبين يجسد وجودًا محوريًا يشكل القاعدة الأساسية لكافة حقائق عالم الخلق، ومظهرًا لتجليات الأسماء والصفات الإلهية قاطبة. وهذا التفسير يتماشى مع العديد من الروايات الواردة عن المعصومين(عليهم السلام).

تؤكد الأحاديث الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) هذا الفهم العميق. فعلى سبيل المثال، يروي الإمام الباقر (عليه السلام) أنه بعد نزول هذه الآية، سأل بعض الصحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن المقصود بـ “الإمام المبين”، وكانوا يظنون أنه أحد الكتب السماوية مثل التوراة أو الإنجيل أو القرآن. لكن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفى ذلك، وأشار إلى الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) قائلاً: “الإمام المبين هو هذا الرجل! إنه الإمام الذي أحصى الله فيه علم كل شيء.”[1] كما ورد في بعض التفاسير عن الإمام علي(عليه السلام) نفسه أنه قال: “أنا الإمام المبين، الفاصل بين الحق والباطل.”[2]

هذا الفهم يؤكد أيضًا ما جاء في خطبة الغدير، حيث قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإمام علي (عليه السلام): “لا يوجد علم إلا وقد جمعه الله فيّ، ولا يوجد علم إلا وقد علمته لعلي، فهو الإمام المبين.”[3]

يرى العلامة الطباطبائي أن الأحاديث التي تصف الإمام علي (عليه السلام) بأنه الإمام المبين هي جزء من البعد الباطني للقرآن. ويقول: “و لا مانع من أن يرزق الله عبدا وحده و أخلص العبودية له العلم بما في الكتاب المبين و هو (علیه السلام) سيد الموحدين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم.”[4]

عند جمع الروايات والتفاسير المتعلقة بمفهوم “الإمام المبين”، نجد أنه يشير إلى وجود عظيم ذي صفات خاصة، وليس مجرد كتاب أو سجل مكتوب. والسؤال الذي سنبحثه لاحقًا هو: كيف يمكننا فهم هذا المفهوم من منظور علم الإنسان؟ وهل يمكن ربطه بدور الإمام في حياة البشر؟

دراسة مفهوم الإمام المبين من وجهة نظر علم الإنسان

في دراسة مفهوم “الإمام المبين” من منظور علم الإنسان، لا بد من الإشارة إلى القوانين الرياضية التي تحكم عالم الخلق، وأهداف خلق المخلوقات، ومقام خليفة الله، وضرورة وجود إنسان متخصص ومعصوم على الأرض.

إن عالم الخلق قائم على نظام رياضي متكامل، ووفقًا لهذا النظام، لا يمكن أن يوجد أي مخلوق دون هدف محدد. وقد شاءت الإرادة الإلهية، في خلقنا نحن بني البشر، كجزء من هذا الكون، تحقيق مقصود محدد، وهو أن نحاكي صفات الخالق ونبلغ مقام الخلافة الإلهية. ولتحقيق هذه اللغاية، يتعين علينا أن نسلك مسارًا واضح المعالم، مصممًا وفق أسس وقواعد رياضية محكمة. وكلما ازدادنا وعياً و إدراكاً لهذه القوانين، زادت سرعتنا وجودة تقدمنا نحو هذا الهدف النهائي.

للوصول إلى هدف معين في أي مجال، لابد أن يكون هناك دليل ومرشد، وتصبح هذه الحاجة أكثر أهمية في رحلة الإنسان نحو تحقيق غاية خلقه. إننا بحاجة إلى نماذج وقدوات نهتدي بها، لنسلك الطريق القويم، لكي يساعدونا على التمييز بين الحق والباطل، ويوجهونا لنصبح انعكاسًا لصفات الخالق. هذه هي فلسفة وجود خليفة الله والإنسان الكامل المعصوم على الأرض؛ إذ لا يمكن أن يكون خلقنا عبثًا دون أن يضع الله خلفاء على الأرض حتى نصل من خلال التواصل معهم إلى المكانة التي تليق بالإنسان الحقيقي. لو كان بإمكان الإنسان، من خلال الدراسة والبحث والتجربة والخطأ، أن يصل إلى كماله بنفسه، لما كان هناك داعٍ لوجود خليفة إلهي على الأرض. لكن هذا الأمر هو جزء لا يتجزأ من النسق الرياضي الذي يحكم الكون.

يجب أن يكون خليفة الله أتم وأبهى تجليات الله، والمثل الأعلى له، لكي يرتقي بنا إلى أسمى مراتب الكمال الإنساني وهو مقام الإنسان الكامل. إن كل تجليات ومظاهر نراها في مختلف العوالم، من عالم الجبروت إلى الملكوت وحتى الناسوت، ليست سوى تجليات لباطن خليفة الله والإنسان الكامل.

الأئمة (عليهم السلام) هم خلفاء الله في الأرض، وإذا ما أدركنا حقيقة وجودهم كإنسان كامل، تفتح لنا أبواب الفهم العميق لحقيقة الكون كله، ذلك لأن هؤلاء العظماء هم معادن ومخازن جميع الأسرار والعلوم الإلهية. وبناءً على هذه الأوصاف، يمكننا أن نستوعب بعمق معنى “إِمَامٍ مُبِينٍ” في قوله تعالى: “وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ”؛ فالإمام المبين هو ذلك الوجود الذي أودع الله فيه جميع الحسابات الإلهية وقوانين الخلق. وهذا المفهوم يشير إلى أشخاص حقيقيين من جنس البشر يمكننا التواصل معهم والاستفادة من نورهم؛ كل ما علينا فعله هو فهم أنفسنا وهدف خلقنا، وإدراك ضرورة التواصل مع هذه الشخصيات الفريدة ومدى حاجتنا إلى الارتباط بهم.

تشير الروايات التي تصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بـ ‘الإمام المبين’ إلى مفهوم أوسع، حيث يمكن تعميم هذا اللقب ليشمل جميع المعصومين(عليهم السلام). ففي كل عصر، هناك شخصية واحدة تحمل هذا اللقب، خليفة الله في الأرض، ومن خلال وجوده تمر جميع التقديرات والمقادير الإلهية. وكلما استطعنا بناء صلة قوية وتوافق روحي مع هذا الوجود المبارك، كان وصولنا إلى غايتنا الكبرى أسرع وأكثر كمالًا، واستطعنا تحقيق أسمى تقدير لنا، وهو الوصول إلى مقام الخلافة الإلهية.

الإمام المبين هو من تتنزل عليه جميع تفاصيل التقديرات الإلهية في ليلة القدر، بدءًا من مصير البشر وحتى مصير الكائنات والكون بأسره. والمصداق الحيّ لهذا المفهوم في عصرنا الحالي هو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فهو “الرحم” الذي يجب أن نتمسك به لننمو ونصل إلى الكمال، فإن لم نلتحق به، فإننا سنكون كالجنين الذي لم يستقر في رحم أمه، محكومًا بالسقوط قبل أن يكتمل نموه ويبلغ مقام الإنسان الكامل.

في هذه المقالة، تناولنا مفهوم “الإمام المبين” من منظورين: النقل وعلم الإنسان. وأظهرت النتائج في كلا الجانبين أن هذا المفهوم يرتبط بوجود شخصيات حقيقية تجسد الأسماء والعلوم والصفات الإلهية بأكمل صورة. فالمعصومون(عليهم السلام) هم الأئمة المبينون، والارتباط بهم يمثل أقصر وأسرع طريق للوصول إلى الهدف الأسمى للخلق، وهو بلوغ مقام الخلافة الإلهية والإنسان الكامل.

في كل عصر، هناك شخصية حقيقية تحمل هذا اللقب، وبالنسبة لنا اليوم، فإن الإمام المبين هو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). لفهم أهمية وضرورة الارتباط به، علينا أن ندرك ذواتنا جيدًا ونعي الهدف الحقيقي من خلقنا.

سنناقش هذا الموضوع بتفصيل أكبر في الدروس القادمة.


[1] هُوَ هذا إِنَّهُ الإِمامُ الَّذِى أَحْصَى اللّهُ تَبارَك وَ تَعالى فَیْهِ عِلْمَ کُلِّ شَىء؛ الصدوق، معاني الأخبار، جص 95

[2] أَنَا وَ اللّه الإِمامُ الْمُبِیْنُ أُبَیِّنُ الْحَقَّ مِنَ الْباطِلِ وَرِثْتُهُ منْ رَسُولِ اللّه؛ عروسي الحویزی، شيخ عبد علي، نورالثقلین، جص 379

[3] ما من علم إلا وقد أحصاه الله فيّ… وما من علم إلا وقد علمته عليّاً، وهو الإمام المبين؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 35، ص 428.

[4] العلامة الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 17، ص 70

اكتب رأيك