المثل الأعلى ودوره في التوحيد وتحقيق هدف خلق الإنسان

جدول المحتويات
لماذا يُعد وجود “المثل الأعلى” ضروريًا للوصول إلى التوحيد؟

لماذا يُعد وجود “المثل الأعلى” ضروريًا للوصول إلى التوحيد؟

لفهم العلاقة بين التوحيد و”المثل الأعلى”، وارتباطهما بهدف خلق الإنسان، لا بد من استرجاع موجز لبعض الدروس السابقة. لقد ذكرنا أن الوجود الإنساني يتكوّن من خمسة أبعاد، وهي على الترتيب: البعد الجمادي، والبعد النباتي، والبعد الحيواني، والبعد العقلي، والبعد ما وراء العقلي أو البعد الإنساني. إنَّ البعد الإنساني فينا هو الروح التي نفخها الله في الإنسان[1]، وبواسطة هذا البعد، نعشق الكمال المطلق واللانهائي، أي الذات الإلهية المقدسة. لذا من المنطقي جدّا وواضح أننا لن نصل إلى السعادة والسكينة الداخلية الدائمة إلا بالتقرب والتشبه بالله، باعتباره محبوبنا الأصلي والحقيقي.

لقد خلق الله هذا الكون العظيم تكريمًا لنا، وخلقنا لنكون خلفاءه في الأرض. فالغاية من خلقنا هي التشبّه بالله في اكتساب أسمائه وصفاته. ومن الطبيعي أن من يجاهد أكثر في هذا الطريق، ويكتسب المزيد من أسماء الله، يحظى بنصيب أوفر من هذا المقام الرفيع، وبالتالي يكون أكثر سعادة ونجاحًا في الدنيا والآخرة. ولكن تبرز هنا إشكالية أساسية: كيف لنا أن نعرف الله ونتشبه به، وهو الكمال المطلق واللامتناهي، وليس من جنس المادة حتى يمكن إدراكه؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نعود إلى بداية خلق الكون، وخلق المثل الأعلى.

بداية خلق العالم و ظهور “المثل الأعلى”

في هذا الكون، لا يوجد سوى وجود واحد، وهو “الوجود المطلق واللانهائي”، أي الله سبحانه وتعالى، الكائن الأزلي الأبدي، لم يأتِ من مكان، وهو قائم بذاته. من الطبيعي أن صفات هذا الكائن لا يمكن إدراكها بالنسبة لنا المحصورين في عالم محدود ومادي. لذلك، كان لا بد أن يتجلّى الله بجميع أسمائه وصفاته في كائن يكون في متناول إدراكنا ومعرفتنا، وقد تحقق هذا التجلي في “الإنسان الكامل”.

في مسار قوس النزول والفيض الإلهي الأول، تجلى الحق سبحانه بخلق حقيقة ما اختلف عنه في الأسماء والصفات، بل هي في جوهرها مستجمعة لكل صفات الجمال والجلال، ومظهِرٌ لـ”الاسم الأعظم”.ومن هذا الصادر الأول المخلوق، تنبثق العوالم والموجودات الأخرى. وهذه الحقيقة الأولية، التي تُعرف بالمثل الأعلى أو “الحقيقة المحمدية”، هي عين “حقيقة الإنسان الكامل“، أي الأنبياء والمعصومين(عليهم السلام). لكل اسم من أسماء الله الحسنى مظهر يتجلى فيه، ويمكن رؤية الله في كل الموجودات، من البحار والجبال إلى الأشجار والزهور. غير أنّ مظهر الاسم الأعظم، الجامع لكل الصفات، هو المثل الأعلى والإنسان الكامل. أما بقية الموجودات، فهي مجرد مظاهر جزئية لبعض الأسماء الإلهية، والتي تعكس جزءًا من صفاته فقط. بناءً على ذلك، فإنَّ أتمّ وأكمل تجلٍ لله سبحانه قد تحقق في وجود المعصومين(عليهم السلام)، إنّهم أسمى مظاهر التوحيد فمن عرفهم فقد عرف الله، ومن تشبّه بهم فقد تشبّه بالله.

الاقتداء بالمعصومين: الطريق الوحيد للسعادة

لا سبيل إلى تحقيق الغاية من الخلق دون معرفة المعصومين، وطاعتهم، والاقتداء بهم. نحن نرتبط بالمعصومين باعتبارهم أسمى تجليات لله والمثل الأعلى في الخلق بعلاقتين: علاقة حقيقية وعلاقة تشريعية. فعلاقتنا الحقيقية بهم تنبع من كون حقيقة وجودنا أو روحنا وهي الحقيقة المحمدية ذاتها أو نور وجودهم. كان آباؤنا وأمهاتنا سبب وجود أجسادنا في هذه الدنيا، لكن أرواحنا – التي هي جوهرنا الخالد – من جنس نور المعصومين(عليهم السلام)، وهم آباؤنا وأمهاتنا الحقيقيون على مستوى الوجود. أما العلاقة التشريعية، فهي علاقتنا بهم باعتبارهم أئمةً وقادةً، فهم حجج الله على الأرض وأوصياء الرسالة الإلهية، وهم وحدهم من يستطيعون إيصالنا إلى الغاية من الخلق والسعادة الأبدية، ولا سبيل لنا إلى بلوغ مقام الخلافة الإلهية إلا بطاعتهم.

التواصل مع المتخصصين والاستفادة من علمهم في مختلف شؤون الحياة أمر فطري وعقلاني. وبالنظر إلى علاقتنا الحقيقية والتشريعية بالمعصومين ودورهم المحوري في سعادتنا الأبدية، فإن منتهى الجهل والتهور أن نترك اتباعهم ونضع مصيرنا بيد أشخاص جاهلين لا يملكون أي فهم حقيقي عن الإنسان والعالم. إن من يرفض الإنسان الكامل كقدوة ومربٍّ، فإنه في الواقع ينكر عقله وفطرته، ولذلك فإن جهنم يعدّ مأوى لمن تخلوا عن عقولهم، كما ورد في القرآن الكريم، حيث يعض الظالم يوم القيامة على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا.[2]

لا شك أن أول وأهم خطوة في هذا الطريق هي معرفة الذات. فمن لم يعرف نفسه على الوجه الصحيح، كيف له أن يدرك غاية خلقه، والطريق الذي ينبغي أن يسلكه للوصول إليها؟ من المستحيل أن نتوقع ممن يجهل حقيقته، ولا يدري من أين جاء، وأين يقف الآن، وإلى أين يتجه، أن يكون قادرًا على معرفة الطريق المؤدي إلى السعادة الأبدية. إن لم ندرك حقیقتنا الوجودية، أي ذلك البُعد ماوراء العقلي والإنساني في ذواتنا، فلن يكون لدينا فهم حقيقي لمعنى الإنسانية، وستصبح الشهادة التوحيدية “لا إله إلا الله” بلا معنى بالنسبة لنا. نتيجة لذلك، سننشغل باستمرار بمحبوبات ومُتع مادية، ونباتية، وحيوانية، أو حتى عقلية، دون أن نسعى للتقرب إلى الله واكتساب صفاته وأسمائه. ومن هنا، لن نشعر حتى بحاجة إلى الارتباط بالإنسان الكامل، لأنه ببساطة لن يكون جزءًا من معادلتنا الوجودية.

تحدثنا في هذا الدرس، عن “المثل الأعلى” أو “الحقيقة المحمدية”، وهي أول تجلٍّ ومخلوقٍ لله، وهي نور وجود النبي وآل بيته(عليهم السلام). هذا التجلي الكامل لله يحمل في طياته جميع أسماء الله وصفاته، ولا يختلف عن الله إلا في كون الله قائمًا بذاته، بينما هو قائم بالله.

بما أن هدف خلقنا هو التشبه بالله، وبما أن معرفة صفات الله غير ممكنة بالنسبة لنا بسبب لا نهائيتها، فإننا نحتاج إلى المعصومين، الذين هم المرآة الكاملة لله، لتحقيق هدف خلقنا. لذلك يجب علينا أن نتبعهم في مسيرتنا نحو الله والأبدية، وأن نقتدي بأسلوب حياتهم.

برأيكم، ما مدى البعد بين أسلوب حياتنا الحالي وأسلوب حياة المعصومين(عليهم السلام)؟ وما الذي يجب فعله لسد هذه الفجوة؟


[1] سورة ص، الآیة 72

[2] سورة الفرقان، الآیة 27

اكتب رأيك