ماضرورة وجود القدوة فی مسار الخلق لتحقيق التشبّه؟
دائما ما نحدد لأنفسنا أهدافًا مختلفة، ومن الطبيعي أن نسعى لتحقيقها عبر مناهج ونماذج معينة. بيد أنّ الأهم من ذلك كله، هو بلوغ الغاية الأسمى التي خُلقنا من أجلها؛ فلو أدركنا كل ما تصبو إليه نفوسنا من صغير وكبير، ولم نقترب من غاية وجودنا، وهي التشبه بصفات الله، لما حققنا شيئاً يُذكر.
كما أشرنا سابقاً، إنّ الله هو الوجود اللانهائي والكمال المطلق الذي يحيط بنا ويسري ويتجلّي في كل شيء. وهنا يثور التساؤل: كيف لنا بأجسادنا المادية هذه، أن نتشبه بكائن لا نهائي؟ وما هو تعريف اللانهائية وماذا نقصد عندما نتحدث عن علم لا نهائي، ورحمة لا نهائية، أو كرم لا نهائي؟ وهل لنا كبشر أن نصل إلى هذه المنزلة؟ وكيف مهد لنا خالقنا المدبر الطريق لتحقيق هدف خلقنا؟
لكي نتشّبه بالله، يجب أن نشعر بالتوافق والانسجام معه؛ ولكن بما أننا كائنات مادية، فإننا لا نملك القدرة على التواصل مع الله بشكل مباشر، لأنه وجود لانهائي، و لا يمكننا إدراكه دون أن يكون له مظهر و تجلٍّ يمكننا التعرف عليه. لذلك، فإن التشبّه بالله والوصول إلى هدف الخلق يتطلب مقدمات، و التمهيدات التي سنشير إلى بعض منها في هذا الدرس.
الحاجة إلى قدوة
نحن نواجه في عالم الخلق نظامًا هندسيًا متكاملًا. لقد خلق الله الإنسان على صورة تعكس صفاته، فهو كائن جامع يحمل في داخله جميع أسماء الله وصفاته بشكل كامن، ولكن تفعيل هذه الأسماء والصفات ليس بالأمر السهل. نحن نعلم أن هناك صفات كامنة في داخلنا، ولتحقيق التشبّه بالله والوصول إلى هدف خلقنا، ينبغي علينا تفعيلها. لكن ما هي حقيقة الله؟ وما هي هذه الصفات؟ وكيف يمكننا تفعيلها في أنفسنا؟ هذه أسئلة يجب أن نجد لها إجابات مناسبة لتحقيق الهدف.
تخيّل أن شخصًا دخل إلى مصنع وقيل له إنه يمتلك القدرة على تصنيع قطعة معينة، لكنه لم يُمنح أي إرشادات حول كيفية استخدام قدراته لتحقيق ذلك، ولم يُوضَّح له المسار الذي يجب أن يسلكه للوصول إلى النتيجة المرجوة. هل يمكننا في هذه الحالة أن نتوقع منه إنتاجًا ناجحًا؟ بالطبع لا، لأن الجهل بآلية العمل وعدم معرفة كيفية توظيف الإمكانيات المتاحة سيؤديان حتمًا إلى الفشل. لذلك، من الضروري وجود نموذج أو قدوة توضح لنا الطريق وتعيننا على تحقيق الهدف المنشود.
وكذلك في رحلتنا نحو تحقيق الغاية من الخلق والتشبّه بالله، لا بد لنا أولًا من فهم دقيق لله ولصفاته، ثم لا بد من وجود قدوة نقتدي بها للوصول إلى هذا الهدف.
إن رحمة الله لا تقتضي أن يضع لنا هدفاً ولا أن يهيئ لنا مقدمات الوصول إليه؛ ولهذا السبب، فقد خلق لنا قبل خلقنا نموذجاً كاملًا يجسّد جميع أسمائه وصفاته بصورة فعلية، لكن الفرق الوحيد بينه وبين الله هو أنه ليس قائمًا بذاته، بل هو مخلوق يعتمد على الله في وجوده.
لقد أوجد الله هذا النموذج الكامل الذي يحمل صفاته الإلهية في صورة إنسانية، وجعله بمثابة “خليفة الله” و“المَثَل الأعلى” الذي يجب أن نقتدي به. فهو النموذج المثالي الذي يرشدنا في طريق التشبّه بالله وتحقيق الهدف الأسمى من حياتنا.

قدوة كاملة من الله
تماما كما أننا غير قادرين على رؤية الطاقة وإنّما ندركها من خلال مظاهرها، فإننا كذلك غير قادرين على إدراك الله کوجود لامحدود، إلا من خلال تجلياته في هذا العالم. صحيح أننا نتواصل فطريًا مع الله عبر بُعدنا الروحي، لكننا لا نزال مقيدين بالمادة والحواس. لهذا، لا يمكننا التعرف على الله إلا بالمقدار الذي يُظهر نفسه لنا.
كما أشرنا في الدروس السابقة، فإن عالمنا مليء بالمخلوقات التي تظهر أسماء الله وصفاته كل حسب قدرته. فالحجر يظهر كمالاته الجمادية، والزهرة تعكس كمالاتها النباتية، والحيوان، بفضل مرتبته الأعلى من الوجود، يظهر صفات أكثر مثل التدبير والرحمة والقوة، لكن الإنسان يتميز عن جميع المخلوقات الأخرى، فهو الوحيد الذي يمتلك القابلية لأن يكون مرآة شاملة لجميع أسماء الله وصفاته، وذلك بسبب أنه كائن جامع ويتمتع بالفطرة أو البعد ماوراء العقلي، فإنه قادر على إظهار أسماء الله بشكل غير محدود. إنما نُظهر صفات الله فينا بقدر ما نتشبه به، غير أن تحقيق هذه الغاية يتطلب نموذجًا نهتدي به، لأننا بدون مرشد واضح لن نستطيع تجسيد الكمال الإلهي في أنفسنا.
إن رؤية جمال أوراق الزهور، أو عظمة صخرة أو حنان غزال تجاه صغيرها، وإن كانت ملهمة، إلا أنها ليست كافية. نحن بحاجة إلى نموذج بشري يجسد لنا الأسماء والصفات الإلهية بأكمل صورة ممكنة، قدوة لا تحجبها الحدود الدنيوية، ولكنها في الوقت نفسه تشبهنا وتعيش مثلنا في هذا العالم. لهذا السبب، قدّم الله لنا الإنسان الكامل، الذي يُعرف أيضًا بـ “خليفة الله” أو “المثل الأعلى“، ليكون قدوة نسير على خطاه ونحقق من خلاله الغاية التي خلقنا لأجلها.
أهمية اختيار القدوة الصحيحة
بما أن الله قد وضع لنا نماذج لتحقيق الكمال، فإن التعرف عليهم واتباعهم يعدّ أهم خطوة بعد إدراكنا لهدف وجودنا. غير أنّ إنجاز كل هذه المراحل يتوقف أولًا على معرفة ذواتنا الحقيقية واكتشاف أبعادنا الوجودية. فإذا لم نحقق التوازن والانسجام في إنسانيتنا، فلن ندرك هدفنا الحقيقي، ولن نشعر بالحاجة إلى قدوة تساعدنا على بلوغ هذا الهدف.
بدون وجود نموذج واضح، يبقى الله بالنسبة لنا كيانًا غير مُدرَك، لا نراه منعكسًا في واقعنا، ولا نملك وسيلة حقيقية للتواصل معه. فالله، بصفته الوجود المطلق والكمال اللامحدود، لابد أن يكون له تجلٍ إنساني كي يكون مفهومًا بالنسبة لنا. وإذا لم نمتلك هذا التجلّي في صورة قدوة واضحة، فسيظل بالنسبة لنا مجرد فكرة مبهمة أو مفهوم نظري يعتمد على تصوراتنا المحدودة عن أسمائه وصفاته.
لذلك، إذا لم نحسن اختيار النموذج الذي نتبعه في حياتنا، فإننا قد نضل الطريق ونُحرم من تحقيق الغاية التي خُلقنا من أجلها. إذ أن اختيارنا للنموذج يحدد مستوى طموحنا في الوصول إلى هدفنا، ومن الطبيعي أن نموذجاً تفتقر الكمالات نفسه، لن يقودنا إلى النتيجة المرجوة. فالنموذج الذي يتجلى لنا بمظاهر ناقصة وكمالات دنيوية محدودة، قد يشغلنا لأيام معدودة ويمنحنا وهماً بالسعادة والنجاح؛ لكنه، لعدم قدرته على إشباع شوقنا اللانهائي، يوقعنا في حيرة وضياع.
إنّ ممثل أسير لشهواته الدنيئة، ونجم موسيقى البوب الذي يرى السعادة في حشود حفلاته، واللاعب الذي لا يشغله سوى اللعب في ناد شهير، هؤلاء قد يكونون قدوة، ولكن ليس لمن يسعى إلى التشبه بصفات الله. هؤلاء القدوة يبعدوننا عن هدف خلقنا، ويسوقوننا إلى السقوط والاستعباد لأبعادنا الوجودية الدنيئة. نحن كبشر جديرون بقدوة وصفها الله بالمثل الأعلى، ولها القدرة على إيصالنا إلى الله نفسه.
لقد أوضحنا في هذا الدرس أننا كبشر لا نملك القدرة على التواصل المباشر مع المطلق اللانهائي، وإنما نتعرف على الله من خلال تجلياته فقط. وبالرغم من أن بنيتنا الوجودية تحمل في طياتها القدرة الكامنة على التشابه والتوافق الأقصى مع الله؛ إلا أننا بحاجة إلى قدوة ترشدنا في طريق التشبه بأسمائه وصفاته، وتحقيق الغاية من وجودنا. هذه القدوة لا يمكن أن تكون إلا النموذج الأكمل والأشمل لتجليات الأسماء والصفات الإلهية، وهو ما سماه الله المثل الأعلى أو أفضل قدوة. ففي الواقع، إن اختيار أي نموذج للوصول إلى الله غير المثل الأعلى، يخلق فجوة بيننا وبين هدف خلقنا.
إلى أي مدى أنت ملتزم باختيار قدوة توصلك إلى غاية وجودك؟ هل اخترت المثل الأعلى ليكون دليلك في مسيرتك نحو التشبه بالله؟