ما هي طريقة علاج أمراض روحية؟ وهل يوجد علاج نهائي لها؟

جدول المحتويات
ما هي طريقة علاج أمراض روحية؟ وهل يوجد علاج نهائي لها؟

أقرب وأنجع طريقة علاج أمراض روحية

ما هو منشأ أمراضنا الروحية ومشاکلنا الأخلاقية؟ ما الذي يدفعنا للابتعاد عن السرور والسكينة والانغماس في قلق وحزن؟ بين شتى سُبل العلاج، ما هي الطريقة الأكثر ضماناً ويقيناً لعلاج أمراض روحية، وكيف يمكن الوصول إليها؟

إن مستوى رفاه الإنسان المعاصر وراحته لا يقارن بأي جيل مضى. لقد بلغنا اليوم أعلى مستويات التقدم العلمي والتكنولوجي، وأصبح الوصول إلى العديد من أدوات تمناها أجدادنا، أو لم تخطر حتى على بالهم، متاحاً لنا بيسر وفي أقصر وقت ممكن. ومن المفترض أن يدفعنا هذا التقدم نحو شعور أكبر بالسعادة والهناء، وأن يرسم لنا حياة أكثر هدوءاً وبهجة؛ إلا أن الواقع يشهد نقيض ذلك تماماً.

فالكثير منا، ليسوا سعداء ولا هادئين، بل لا نكاد نعرف المعنى الحقيقي للسرور والسکينة! يجب أن نعترف أن تفشي أمراض روحية ونفسية في جيلنا هو أكثر بكثير مما كان عليه لدى أسلافنا. أصبح من النادر اليوم أن تجد شخصاً لم يمسه قسط من القلق، أو الحزن، أو الوسواس القهري، أو الخوف، أو اليأس، وغيرها من مشكلات نفسية. وتُظهر إحصائيات عالمية أن مصائب مثل: الاكتئاب والأمراض النفسية، والطلاق وتراجع الزواج، والمثلية الجنسية، والعنف والقتل الأسري (وخاصة العنف ضد الأطفال)، والاعتداء، وتعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية والوفيات الناتجة عنها، كلها في تزايد مطرد.[1] تتزايد عيادات نفسية ازدحاماً يوماً بعد يوم، وتزداد أرقام استهلاك أدوية الاكتئاب والقلق سنوياً. بالطبع، بلدان إسلامية تتمتع بوضع أفضل بكثير مقارنة بالدول الأخرى، نظراً لمتانة الروابط الأسرية وعمق خلفيته الثقافية والدينية الغنية؛ ولكن حتى فيها، فإن إحصائيات مشاكل واضطرابات نفسية تتجه نحو الارتفاع.

فهل هذه المشاكل قابلة للعلاج والوقاية، أم يجب علينا أن نتقبلها كإرث حتمي لحضارة اليوم؟ ما هي طريقة علاج أمراض روحية، وهل هناك طريق مختصر وعلاج جذري لهذه الأمراض؟

قصور أساليب علاجية شائعة

إن الخطاب السائد في أوساط نفسية حديثة يوحي بأن أمراض روحية، في أحسن الأحوال، قابلة للسيطرة عليها فحسب، ولا يوجد لها علاج نهائي. فبعض المرضى يضطرون لتناول الدواء لسنوات، وإذا ما قطعوه، تعاودهم أعراض المرض. أما حلول مقترحة في جلسات الاستشارة فغالباً ما تكون غير قائمة على الفطرة الإنسانية، ولذلك لا تجتث جذور المرض، وبالتالي لا تترك أثراً مستداماً وطويل الأمد على نفسية المريض وروحه. ورغم أن العلاج الدينی قد حظي في سنوات أخيرة باهتمام معالجين نفسيين حول العالم ودخل في تقنياتهم العلاجية، إلا أنه لم يكن فعالاً كما هو متوقع؛ وذلك لسببين: أولاً، المعنوية الحقيقية بعيدة كل البعد عن تلك التي تُعرف حالياً في مجتمعات غربية. وثانياً، ليست المعنوية هي أساس هذه العلاجات، بل تُستخدم كمقاربة تكميلية إلى جانب أساليب أخرى.

ما نود بيانه في هذا الدرس هو أنه، على عكس التصور السائد، يوجد علاج جذري لمعظم عُقدنا الروحية وتلوثنا الأخلاقي، كما أن طريقة علاج أمراض روحية قائمة على أساس أكثر متانة وشمولية من مجرد تقنيات نفسية بحتة. إن غالبية عظمى من مآزق روحية ترجع إلى جهلنا الحقيقي بـ “التوحيد“، وفجوة تتشكل بيننا وبين الله نتيجة لهذا الجهل. فكلما زادت اضطراباتنا وأحزاننا ومشكلاتنا الأخلاقية، دل ذلك على عمق الفجوة بيننا وبين خالقنا، وابتعادنا عن أصلنا وجذرنا.

فهم التوحيد، أفضل طريقة لعلاج أمراض روحية

لكل ظاهرة في هذا الكون أثر وضعي (لازم)، فمثلاً الأثر الوضعي للماء هو الإرواء والتبليل. من المستحيل أن نجد ماءً في العالم لا يبلل الأجسام الملامسة له. وبالمثل، فإن الأثر الوضعي للإيمان هو السرور والسكينة؛ من المستحيل أن تجد شخصاً في هذا العالم يدّعي الإيمان وهو ليس سعيداً وهادئاً. إذا صادفت شخصاً يبدو مؤمناً وملتزماً بطقوس دينية ظاهرياً، لكنه غير سعيد وغير هادئ من الداخل، فتيقن أنه ليس بمؤمن حقيقي. فالإيمان الذي لا يحمل في جوهره السرور، والهدوء، والقوة، والنشاط، والانشراح الروحي، هو مجرد صورة ظاهرية للإيمان؛ إيمان له قشرة، لكنه يفتقر إلى اللب والعمق.

ولكن ما هو الطريق لتحصيل الإيمان الحقيقي؟ وإنه “المعرفة بالتوحيد”. التوحيد هو أقرب الطرق وأكثرها يقيناً لعلاج أمراض روحية وعلل أخلاقية. فكلما ازداد وعينا ومعرفتنا بالتوحيد، ازدادت قوتنا، ونشاطنا، وسلامتنا الروحية.

إن مشاکلنا الروحية وتلوثاتنا الأخلاقية، متعدّدة ومتشابكة، وعادة ما نواجه مجموعة معقدة من صعوبات داخلية. فعلى سبيل المثال لا الحصر: حساسية مفرطة وسرعة التأثر، الغضب، الحسد، الحقد، سوء الظن، الخوف، انعدام الثقة بالنفس، الشعور بالدونية، الكبرياء والنرجسية، الرياء والتظاهر، القلق، أحزان طويلة، اليأس والحسرة، وأنواع أخرى من اضطرابات؛ كلها آفات تنخر أرواحنا وتؤذينا في الصميم. كل واحد منا يواجه بداخله “تنيناً ذا مئة رأس”، يستيقظ أحد رؤوسه كلما سنحت الفرصة ليقضي على هدوئنا وحيويتنا. وما الحل؟ وماذا يجب أن نفعل مع هذا التنين المفترس؟

إن معظم تقنيات نفسية، وحتى حلول مطروحة في بعض كتب الأخلاق الإسلامية، بدلاً من حل جذور المشكلات والقضاء على التنين بشكل كامل، تجعلنا في صراع مع رؤوسه. فبناءً على هذه الحلول، يجب أن نكافح شيطان الشهوة لفترة، وأن نصارع الغضب فترة أخرى، وأن نقاوم الحزن تارة، ونقف في وجه الحسد تارة أخرى… وفي النهاية لن ننجح في القضاء عليها جميعاً بشكل كامل، وحتى إن نجحنا، نكون قد أهدرنا الكثير من الوقت والطاقة. بینما أن الله منحنا مفتاحاً سحرياً اسمه “التوحيد”؛ وهو مفتاح يمكننا بالاتكال عليه أن نفتح جميع أقفال مغلقة في وقت واحد، وأن نقضي على كل هذه العلل جملة واحدة.

لقد رأينا وعايشنا معجزة الإيمان بالتوحيد مراراً وتكراراً في عصرنا الراهن. فبقوّة التوحيد، التي هي عماد المجاهدين في صدورهم، تمكّن مقاتلونا في وجه الأعداء من اجتياز عقبات مائة عام من السير في ليلة واحدة، والسموّ إلى أرفع مقامات معنوية وجهادية. ففيما مضى، كان بعض هؤلاء الأبطال، قبل دخولهم إلى ميادين الجبهة، يعانون من علل روحية وأخلاقية كسائر البشر؛ ولكن بمجرد أن استقرّت أقدامهم في هذا الموضع المشرّف، وبفضل خصوصية زمانیة أو مكانية لهذا الرحم المعنوي والنورانية الفيّاضة للمعتقدات التوحيدية التي سادت هناك، تحوّلوا في زمن قياسي وارتقوا إلى مدارج عالية أثارت غيرة وحسد أولئك الذين لهم سابقة طويلة في التقوى وادّعاء الصلاح. لذلك، فإن أولى أولوياتنا قبل أي عمل آخر، هي الاستثمار الحقيقي في معرفة التوحيد. فكلما ازداد وعينا بذات الله الأقدس وإحاطته الكلية بالوجود، تلاشت مشكلاتنا الروحية والأخلاقية بـأقلّ جهد وأكبر يسر.

ماذا تعني المعرفة بالتوحيد؟

المعرفة بالتوحيد بكل بساطة، تعني أن يصل كل واحد منا إلى مرحلة يرى فيها نفسه عبداً لله وحده، ولا يخضع لعبودية وطاعة أحد سوى الله ونوابه. وهذا يعني أن قلوبنا تصدّق ما تنطق به ألسنتنا حين نقول في الصلاة لله: “إياك نعبد وإياك نستعين”، وليس أن نطلب العون من الله بألسنتنا، ثم نسعى عملياً وراء دعم ومحبة هذا وذاك. التوحيد يعني أن تكون “لا إله إلا الله” بالنسبة لنا ليست مجرد ذكر باللسان، بل هي أسلوب حياة؛ وأن تنفي كل خياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا وأفكارنا وجود أي إله أو معشوق غير الله. التوحيد يعني الوصول إلى هذا الاعتقاد: “لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”، وأنه ليس في الكون قوة أو تأثير إلا بالله وحده و «لامؤثر فی الوجود الاالله».

الوصول إلى التوحيد يعني التوافق مع التيار الأصيل للخلق والقوة العظمى للوجود؛ أي التحرر من التعددية والتشعب. فمن يصل إلى التوحيد، يصل إلى الوحدة وينجو من الازدواجية والتشتت في خياراته، علاقاته، سلوكه، وأفكاره. التوحيد مصدر للهدوء والسكينة؛ لأنه يوجّه جميع طاقاتنا وقوانا في اتجاه واحد ومسار واحد. الإنسان الموحّد لا يسعى لإرضاء هذا وذاك؛ فلیس له سوى واجب واحد فقط، وهو جلب رضى الله.

وعلامة من وصل إلى التوحيد وصدّق قلبه بوحدانية الله، هي أنه لا يأخذ الدنيا على محمل الجد ولا يحزن على أي مصيبة دنيوية. طبعاً هو يسعى جاهداً لتوفير حياة كريمة له ولأسرته؛ لكن إذا فقد شيئاً من متاع الدنيا، أو لم يحصل على ما كان يطمح إليه، فإنه لا يستسلم للحزن ولا يقع في قلق واكتئاب. الموحّد الحقيقي ينظر نظرة كلّية وشاملة، ويرى الأمور من أفق أسمى وأعلى بكثير من آفاق مادية. فهو يرى وراء أحداث الحياة الصغيرة والكبيرة يد الله الهادية والعليا، التي تقوده وتوجه مسار حياته نحو الهدف الأسمى للوجود، كمُربّ بارع.

المؤمن الموحّد ليس متسولاً لعواطف الآخرين؛ لأنه متصل بمنبع المحبة والعاطفة، وكلما شعر بالنقص، يمتلئ فوراً من الداخل. هذا الفرد لا يشعر أبداً بعقدة أو نقص، ولا يتقاتل مع أحد من أجل متاع الدنيا الزائل. المؤمن الحقيقي كسفينة ثقيلة وراسخة في عرض البحر، تشق الأمواج وتمضي بوقار وسكينة نحو هدفها.

إذا بُنيت طريقة علاج أمراض روحية على أساس التوحيد، فلن يحتاج الأفراد إلى سلوك مسارات علاجية معقدة، مكلفة، وقليلة الأثر، وسوف تُحل الكثير من اضطرابات روحية تلقائياً؛ شريطة أن تُستكمل عملية العلاج بصبر وتأنٍ كافيين، حتى تتغلغل معارف التوحيد في القلب بمرور الوقت. وسنتحدث في دروس قادمة أكثر عن أهمية الصبر والوقت في طريقة علاج أمراض روحية.

لا بد من الإشارة في الختام، إلى أن أصل التوحيد يقوم على معرفة الإنسان بذاته؛ فلا يمكن لأحد أن يعرف الله كما هو إلا إذا عرف نفسه أولاً؛ فإذا لم تتحقق معرفة النفس، ستبقى معرفة الله متوقفة عند حدود نقاشات كلامية وعقائدية وفلسفية، ولن يكون لها أثر كبير على الحياة اليومية وتجارب معاشة للأفراد. ونتيجة لذلك، وكما أكدنا مراراً منذ بداية مدرسة علم الإنسان حتى الآن، فليس لدينا سوى طريق واحد للوصول إلى السعادة الأبدية، وهو معرفة الذات (النفس).

[1] . “من أنا؟”، محمد الشجاعي، مطبوعات محيي، ص 21

اكتب رأيك