ما هي أهم أمانة إلهية، وما عواقب الخيانة فيها؟

جدول المحتويات
القلب أو الروح؛ أعزّ وأهمّ أمانةٍ إلهيّة تحتاج إلى رعايةٍ ويقظةٍ دائمة!

القلب أو الروح؛ أعزّ وأهمّ أمانةٍ إلهيّة تحتاج إلى رعايةٍ ويقظةٍ دائمة!

نحن غالبًا نُبدي حرصًا بالغًا تجاه أمانات صغيرة وكبيرة يُودِعها الناس لدينا، ونتوخى الحذر التام كي لا يلحق بها أي ضرر. لكنّنا ـ ويا للأسف ـ لا نبدي العناية نفسها تجاه أعظم أمانةٍ أودعها الله فينا نحن أنفسنا!

تأمّل مثلاً: هل جرّبت يومًا السكن في بيتٍ مُستأجَر؟ كم من مرةٍ أوصيتَ طفلك ألا يدقّ مسمارًا في الجداران، أو يرسم عليها، أو يحافظ على المنزل! لماذا كل هذه العناية؟ لأنّك تعلم أنّ البيت ليس ملكك، بل هو أمانةٌ بين يديك. والأمانة عندك أمرٌ مقدّس، فلا ترضى أن تُصيبها أدنى أذيّة.

وكذلك هي نِعَم الله كلُّها، أماناتٌ مودعةٌ في أيدينا، ولكن أعظمها وأغلاها على الإطلاق هو قلب الإنسان وروحه، تلك الوديعة الإلهيّة التي أُودعت في أعماقنا، والتي يجب أن نُعيدها إلى بارئها طاهرةً نقيةً كما كانت. وهذه هي الوظيفة الكبرى التي خُلقنا لأجلها في هذه الدنيا.

جميع مهامّ نُكلَّف بها في مراحل حياتنا قد تتبدّل أو تزول، إلاّ هذه الواحدة؛ أي رعاية القلب. فهي مهمة وحيدة لا تتغيّر ولا تُرفع عن كاهل الإنسان في أيّ طورٍ من عمره. فكلّما نال القلب غذاءً طيبًا وسليمًا، خلا من الأسقام والأدران، وأصبح أقلَّ عرضةً للتأثّر بعوامل خارجية، وأكثر قدرةً على الثبات والسكينة.

وليس كما نتصوّر غالبًا أنَّ أسباب هموم واضطرابات تأتي من الخارج أو من ظروف الحياة؛ بل هي عدم سيطرتنا على القلب، وهو ما يجعل الأوضاع معقدة وشائكة. أمّا إذا أُحسن الاعتناء بالقلب، بقي سليمًا قويًّا، لا تهزّه العواصف، ولا تُزحزحه الرياح، مهما اشتدّت.

سنتحدث في هذا الدرس عن أهم أمانة إلهية، أي قلب الإنسان وروحه، وعن أهمية العناية بها. ثم نُشير بإيجازٍ إلى عوامل سلامة القلب، وعلامات قلوب مريضة.

الأمراضُ الروحية؛ نتاج الخيانة لأهم أمانة إلهية

في الدروس السابقة تعرّفنا إلى أعظم أمانةٍ إلهيّة، وعرفنا أنّ أرفعَ ما في كيان الإنسان هو القلب، أو ما وراء العقل، ذلك الجزء النوراني الذي لا يهدأ حتى يبلغ معشوقه الحقيقي، الكمال المطلق، الله سبحانه وتعالى. أمّا سائر قوى الإنسان من حِسٍّ وخيالٍ ووهمٍ وعقل، فهي مجرّد مداخل ومقدّماتٍ توصله إلى ذلك المقام السامي. نحن جميعًا وبلا استثناء نحمل في أعماقنا نفخةً من روح الله، وهذه هي أعظم أمانةٍ أودعها الله في حياتنا، وعلينا أن نُعيدها إلى بارئها طاهرةً سليمة. فكما أنّ مراتب النفس كلها أماناتٌ من الله، كذلك كلّ قوّةٍ فينا تحتاج إلى غذائها الذي يليق بها؛ فالحسّ والخيال والعقل لهم غذاؤهم، أمّا القلب، أو ما وراء العقل، فغذاؤه هو الوصال بالله، والأنس به، والخلوة معه.

إنّ كلَّ ما نراه في حياتنا من خلافاتٍ، وانحرافاتٍ، وأحزانٍ، وخياناتٍ ماليّةٍ أو أخلاقيةٍ أو اجتماعيةٍ، إنّما يعود إلى سببٍ واحد: الخيانة في حقّ ذواتنا الحقيقية، وإهمالُ بُعدنا الإنسانيّ الأصيل. للأسف، إنّ نزعاتنا الدنيا تستهلك أوقاتنا وتستحوذ على أفكارنا إلى حدٍّ لا يبقى لنا معه وقتٌ نهتمّ فيه بذواتنا الحقيقية. كثيرون منّا يسعون لتحقيق أعمالٍ عظيمة، وإحداث التغيير في المجتمع، وخدمة الآخرين، لكنّهم حين يصل الدور إلى أنفسهم، يعجزون تمامًا.

معظمنا لا يُحسن إدارة قلبه وروحه، فتبقى هذه الأمانة الإلهية العزيزة جائعةً فقيرةً إلى غذائها الروحيّ. ولهذا، ترانا مهما اجتهدنا وسعينا، لا نشعر بالرضا الحقيقي، ولا ينبع السرور من أعماق قلوبنا، ولا نجد سكينةً تُسكن أرواحنا، ولا نستطيع عند الشدائد أن نحافظ على توازننا وثباتنا. يكفي أن يقول أحدهم كلمةً لا تروق لنا، فنضطرب ونفقد هدوءَنا، ونحمل أثرها في صدورنا ساعةٍ وأيامًا. وكلّ هذا لا تفسير له سوى إهمال حاجات الجانب الإنساني فينا.

إنّ النفس الإلهية فينا، مثل الجسد تمامًا، إذا حُرمت من غذائها ضعفت، وخبا نورها، وعجزت عن الوقوف من جديد. لكنّ أكثر الناس لا يعون ذلك، فيركّزون كلَّ اهتمامهم على إشباع حاجات الجسد، ويغفلون عن حاجات القلب والروح. وتلك هي في الحقيقة أعظم خيانةٍ نرتكبها بحقّ أنفسنا. نحن نسحق أرواحنا الرقيقة تحت وطأة الجانب الحيوانيّ فينا، ثم نتعجّب ونتساءل بدهشة: لِمَ نحن قلقون؟ لِمَ الحزن لا يفارقنا؟ لِمَ لا نشعر بالسكينة؟

سلامةُ القلب؛ أعظمُ أمانةٍ من الله

قلنا إنّ أعظم أمانةٍ أودعها الله في حياة الإنسان هي قلبه، ولكن كيف نعرف هل كنّا أوفياء لهذه الأمانة أم قمنا بخيانتها؟ الجواب على هذا السؤال لا يكون إلا بمعرفة حال قلوبنا: هل هي صحيحةٌ وسليمة، أم سقيمةٌ مريضة؟ فسلامة القلب ليست أمرًا ظاهريًّا أو اعتباريًّا، ولا تُقاس بمقاييس دنيويّة مثل كمالات جماديّة أو حيوانيّة أو حتى عقليّة. فليس امتلاك شهادةٍ علميّةٍ رفيعة، أو أن يكون المرء عالمًا دينيًّا، أو مجاهدًا في ساحات القتال، أو كثير الخدمة للناس، كلّ ذلك، ليس دليلاً على سلامة القلب.

فالقلب السليم لا بدّ أن تظهر آثاره في الخارج؛ إذ إنّ كلَّ ما هو حقيقيّ الوجود لا بدّ أن تكون له ثمرةٌ وأثرٌ ظاهرٌ، كما أنّ للقلب الصحيح علاماتٍ تفيض من داخله وتنعكس على سلوكه. وهذه العلامات هي ثلاث: السرور، والسكينة، والمحبة لله تعالى.

فالقلب الخالي من هذه الثلاثة لا ريب أنّه قلبٌ مريض. ومعرفة حال القلب، أهو صحيحٌ أم سقيم، ليست أمرًا صعبًا كما يُظنّ؛ إذ يستطيع كلّ واحدٍ منّا أن يكتشف ذلك بنفسه، من خلال تأمّل اختياراته، وصلاته بالناس، وأفكاره وسلوكه اليوميّ، وميله الداخليّ وشهواته الباطنة. فمن تأمّل هذه الأمور أدرك بسهولة في أيّ مرتبةٍ من مراتب سلامة القلب يقف، وما الذي اختزنه في أعماقه.

ولا شكّ أنّ القلب الذي نال غذاءه الطيب والكافي تكون له مظاهر واضحة:صاحبه يعيش في سرور وسكينة دائمة، لا تهزّه الأحداث مهما اشتدّت، ولا تُسقطه المحن مهما عظمت؛ لأنّه يمتلك قلبًا راسخًا قويًّا لا يتزعزع.

علاماتُ السلامة لأهمّ أمانةٍ أودعها الله في الإنسان

كثيرٌ من الناس حين يشعرون اضطرابات نفسية، يسارعون إلى مراجعة طبيبٍ نفسيٍّ أو مستشارٍ روحيّ، مع أنّهم في الغالب لا يحتاجون إلى أحدٍ ليُعرّفهم بحالهم؛ فالنفس تكشف عن نفسها بنفسها، ولا يمكن أن تُخفي حقيقتها طويلًا. فباطنُ الإنسان، مهما حاول ستره، لا بدّ أن يظهر على جوارحه وأفكاره ومشاعره.

يستطيع كلّ واحدٍ منّا أن يُقيّم نفسه بصدق، من خلال ما يصدر عنه من أفكارٍ وأقوالٍ وسلوكٍ يوميّ. فهذه المظاهر الخارجية إنما هي مرآةٌ تعكس ما في أعماقنا. ومن أهمّ علامات تُمكّننا من معرفة حال قلوبنا، أهي سليمةٌ أم مريضة، هي درجة الشوق إلى الله تعالى. فالاتصال بالله هو الغذاء الحقيقيّ للبعد الإنسانيّ فينا، وإذا فقد القلب هذا الشوق، ولم يعد يطلب القرب من الله، فذلك دليلٌ على أنه ابتعد عن طبيعته الأصلية وأصيب بالمرض، تمامًا كما يَفقد المريض شهيّته للطعام حين يختلّ جسده.

نحن البشر مفطورون على حبّ اللانهاية، وهذه الفطرة تدفعنا دائمًا للبحث عن المطلق الذي لا نهاية له. فإذا وجدنا مصداق هذا المطلق، وهو الله سبحانه وتعالى، واتصلنا به اتصالًا حقيقيًّا، استقرت أرواحنا واطمأنّت قلوبنا. أما إذا انحرفنا عن هذا المسار، بحثنا عن ذلك المطلق في أوهامٍ أخرى: في العلم، أو السلطة، أو المال، أو الشهرة، محاولين أن نملأ بها فراغ الروح. لكنّ أيّاً من ذلك لا يقدر على إشباع القلب، لأنّه ليس معشوقه الحقيقيّ. فالقلب لا يجد سروره ولا سكينته إلا بذكر الله، وإذا انقطع عن هذا الذكر أو ضعف اتصاله بخالقه، أصابته الأحزان والقلق والغيرة والحسد والشكّ والخوف.

وقد تُلهينا تلك “المحبوبات المزيّفة” عن حاجتنا الروحيّة لبعض الوقت، لكنّها لا تمنحنا سوى راحةٍ مؤقّتةٍ، يعقبها فراغٌ مؤلمٌ وحسرةٌ ثقيلة. وفي نهاية الطريق، لا نحصد من تلك العلائق سوى الحرمان، والأسى، والشعور بالنقص والإهانة.

تحدّثنا في هذا المقال عن القلب، و هو أعظم أمانةٍ أودعها الله فينا، وقلنا إنّ التفريط في رعايته، أو حرمانه من غذائه الخاصّ، هو خيانةٌ صريحةٌ لهذه الوديعة الإلهية. فمصدر جميع مصائبنا، وأحزاننا، وتعاساتنا، إنما هو إهمال القلب وخيانته، وهو ما يقودنا بمرور الزمن إلى أمراضٍ كثيرةٍ كـ الحسد، والغلّ، وسرعة الانفعال، والغضب.

إلى أيّ حدٍّ أنتَ حارسٌ أمينٌ على هذه الأمانة الثمينة التي أودعها الله فيك؟ وكيف تحافظ على هذا الجوهر الإلهيّ في أعماقك؟

شاركنا بتجربتك، واكتب لنا كيف تعتني بقلبك، أعظم أمانةٍ وهبك الله إيّاها.

اكتب رأيك