ماهية الصراط الحقيقية: هل الصراط حقيقة قاطعة أم مجرد استعارة دينية؟

جدول المحتويات
ماهية الصراط وكيفية المرور الآمن عليه

ماهية الصراط وكيفية المرور الآمن عليه

عندما يُسأل المرء: “ما هو الصراط؟” غالباً ما ترتسم في الذهن صورة جسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف؛ جسر ممتد على متن جهنم، والذي يجب على البشر كافة، بمن فيهم الأنبياء، اجتيازه. ففريق يعبر بسرعة البرق دون إحساس بحرارة، وآخرون بتؤدة، وثالث يتردد ويسقط. غير أن السؤال الأعمق والأجدر بالطرح هو: ما هي الماهية الحقيقية للصراط؟ وكيف يُبنى؟ وأين يقع؟ وما الذي يحدد سرعة عبورنا أو سقوطنا؟

تعود الإجابات على هذه التساؤلات إلى سلامة قلب الإنسان. فسرعة وكيفية عبورنا للصراط في القيامة ليست سوى حصيلة لأعمالنا وخياراتنا في هذه الدنيا. فالقلب الأكثر سلامة يعني عبوراً أيسر للصراط. ولفهم مفهوم سلامة القلب، يمكننا اللجوء إلى مقارنة مرحلة الحياة الدنيا بمرحلة التكوين الجنيني؛ فكل ما يلزم لحياة المولود في الدنيا يتشكل تدريجياً داخل الرحم. ويمكن القول إن مسار تكوين الجنين هو صراطه؛ فإن اجتازه بصورة صحيحة، ولد بجسم سليم، وإن حدث فيه خلل، ظهرت آثاره في حياته التالية. وبعبارة أخرى، فإن الجنين هو سالك لهذا المسار وكاتبه في آن واحد.

تتطابق حياتنا الدنيوية تماماً مع هذه القاعدة. فالدنيا أشبه بـرحم الأم ونحن نُمارس فيه هندسة صراطنا الخاص. قلوبنا هي صراطنا، ونحن من نبنيه حجراً حجراً عبر اعتقاداتنا، وعلاقاتنا، وخياراتنا صغيرة أو كبيرة، ومُدخلاتنا الحسية كنظرات، وسلوكيات، ومآكل، ومشارب، والنوم، واليقظة، ومسموعات، ومبصرات. ونتيجة لذلك، يجب أن يمر الصراط من بين أتون جهنم ليوصلنا إلى الجنة. غیر أنّ الآن يبرز سؤال أكثر أهمية: إذا كان الصراط هو جوهرنا وقلوبنا، فأين تقع جهنم التي يجب أن نعبرها؟ وأين يكمن معنى الجنة وهي مقصدنا النهائي؟ إن جهنم التي يمر الصراط من خلالها هي ذاتها هجمات الشيطان ووساوس النفس؛ تحديات  نواجهها في الدنيا، ويمكننا من خلال مجاهدتها أن نعود إلى فضاء فطرتنا الإلهية ونبلغ حقيقتنا. فكل مرة نقاوم فيها الوساوس، نؤمِّن ونُضيء جزءاً من صراطنا، وكل مرة نستسلم فيها، نضيق ونُظلم هذا المسار. وبذلك، تتجلى حقيقة الصراط في وجود متزامن بين الدنيا والآخرة.

ماهية الصراط

ولتبسيط التصور المتعلق بهذه المسألة، نستحضر مثال مولود حديث. عند ولادة الطفل، لا نسأله بالضرورة: “هل تستطيع الرضاعة؟ هل تبصرني؟ هل تسمع صوتي؟ هل أطرافك ومخارج وجهك في مواضعها الدقيقة؟”. لا! بل

لا تحدد سلامة هذا المولود أو اعتلاله عبر حوار، بل يكون مظهره الفوري واستجاباته الظاهرة شاهداً صادقاً على وضعه الحالي. ويشهد هذا المظهر بشكل مباشر على كيفية اجتيازه لمتاعب وظلمات أرحامية، وما إذا كان قد حظي بالرعاية وتغذية لازمة خلال تلك الفترة أم لا.

إن جميع خصائص جسدية للمولود، سواء كانت صحية أم تنطوي على نقص، هي نتاج مسار سلكه في الرحم. فـمسيرة تكوين الجنين هي صراطه الخاص؛ فإن اجتاز هذا المسار بسلام، یتم له تضمین ميلاد صحي وسليم. أما أي خلل يعتري هذا السير التكويني، فإنه يوجب عليه تحمل معاناة وآلام في الحياة الدنيا.

وعلى المنوال ذاته، فإن مسار تكويننا ونمونا في الدنيا هو مسار بناء الصراط. فالصراط ليس مجرد جسر خارجي يُفاجَأ به الإنسان بعد الموت؛ بل هو مسار نسير عليه الآن، ونقوم بتشييد جزء منه مع كل خيار وجودي نتخذه. إذن، ليس الصراط خارجاً عن ذواتنا؛ بل هو حقيقة متأصلة وخاصية وجودية كامنة في صميم كينونتنا.

بناءً على ما سبق، فإن الصراط هو مسار حیاة الإنسان؛ والذي تتشكل فيه ماهية قلوبنا، وجوهر أرواحنا، وطبيعة فطرتنا الكامنة. وهو مسار يتجلى فيه مصير سلامتنا الروحية أو اعتلالنا الوجودي في الحياة الآخرة.

أين يمُرُّ الصراط؟

قد يتردد على أسماعنا، خطأً، أن جسر الصراط يمر فوق جهنم؛ بینما الحقيقة تقتضي أنه مسارٌ يتخلل جوفها. وبما أننا أكدنا أن الصراط كائن في صميم الذات الإنسانية، فلا بُد أن تكون نار جحيم يُفترض أن يجتازها المرء بصراطه، مُتجذرة في داخل الإنسان نفسه. فإن الصراط هو تجسيد عملي لأسلوب حياتنا الراهن، وهو مسلك يعبر بنا عبر طبيعة نزعات نفسية كامنة فينا. وهذه الطبيعة ليست سوى ميل مفرط وغير منضبط نحو استكمال كمالات مراتبنا الوجودية الدنيا؛ كـتجليات جمادية، ونباتية، وحيوانية، بل وحتى الكمال العلمي (العقلي) المجرد.

إن وجودنا محاط بـجحيمٍ وجودي هائل، يتكون من أهواء جامحة وتعلقات متشابكة ومصالح آنية تُحيط بكياننا وتستولي على جوهر الذات. ويختص كل فرد بـجحيمه الشخصي؛ أي طبيعته الوجودية المتفردة ومواضع ضعفه المخصوصة. فقد يكون موضع الافتتان هو شراهة مادية أو هوس تحصيل علمي، أو أن يكون ارتكاس أمام فتنة الثروة والجمال، أو انكسار تحت وطأة شبكة السلطة والتحكم. وفي خضم هذا الصراع، يتعين على الإنسان أن يسلك الصراط المستقيم، مُخترقاً تلك الميول الجحيمية ومُجبراً على دفعها والتصدي لها دون توقف من كافة الاتجاهات، بهدف الوصول إلى سلامة القلب وهي التعبير العملي عن فطرته الإلهية الكامنة.

الحقيقة هي أن قوة هذه الميول عظيمة، لكنها تقف في تناسب عكسي مع منعة القلب البشري. فكلما ازداد رفض الإنسان لمتطلبات الأبعاد الدنيا من وجوده، أضعف لا شعورياً بنيتها، وزاد بالمقابل من قوة وتمكين الجانب الإنساني (الإلهي) فيه. ومع كل زيادة في قوة الفطرة، يرتفع مؤشر سلامة النفس (المنعة الروحية). وتبعاً لذلك، يصبح مسار صراطنا أكثر سلامة وسلاسة وسرعة. وفي ظل هذه الديناميكية، وبما أننا حافظنا على سلامة قلوبنا في الدنيا، فإننا نجتاز الصراط الذي يمر من داخل الجحيم إلى بر الأمان في الآخرة بسلام. أما إذا استجبنا لأي مُحفِّز دنيوي للانزلاق إلى مشاعر كالغم، أو الغضب، أو الحقد، أو الغيبة، أو الحسد، أو التشهير، أو الخلافات، نكون قد سقطنا فعلياً في جحيم طبيعتنا. ففي كل مرة ننخرط فيها في رذيلة أخلاقية أو صفة مذمومة، نكون قد ضيّقنا وأظلمنا صراطنا، واقتربنا من الارتكاس في الهاوية.

لعلنا الآن بتنا أكثر إدراكاً لماهية الصراط وحقيقة جحيمه. فـالصراط المستقيم هو ذاته مسار اكتساب سلامة القلب وطريق التشبه بصفات الخالق. وتكمن أبرز خصائصه في إقامة التوازن بين قوى النفس الوجودية، كقوة الخيال، والحس، والوهم، والعقل. إن إحداث التوازن بين هذه القوى أمر بالغ الأهمية؛ بحيث أن أي إفراط أو تفريط في تغذية قوة ما يعرّض سلامة القوى الأخرى للخطر ويفشل مسارها. فعلى سبيل المثال، متى ما أُفرط في تغذية قوة الوهم ومُنحت مجالاً واسعاً، أدى ذلك إلى نشأة خوف مفرط وصد عن الجهاد.

وكمثال آخر لتوضيح عوامل الخطر على الصراط، يمكن الإشارة إلى إفراط في تفعيل الجانب العقلي؛ حيث يمثل الإغراق في حيازة المعلومات وتضخيمها خطراً على سلامة القوة العقلية ذاتها. فمثل هذا الشخص يكون قد نشط جانبه العقلي بشكل مفرط، متجاهلاً بأجزاء أخرى، لا سيما الجانب الإلهي المسؤول عن سكينته الداخلية ونشاط روحي. وتكون النتيجة الحتمية هي تضاؤل تجربته للراحة والسکینة، وفقدان قوة الفعل (القدرة على العمل)، وبالتالي، العجز عن عبور الصراط بسلام.

يتجلى من نتائج هذا البحث أن التساؤل عن “ماهية الصراط” ليس مجرد استفسار لاهوتي يتعلق بالآخرة؛ بل هو نظرة متعمقة في حقيقة الوجود الحالي للإنسان ومرآة تعكس اختياراته المصيرية. لقد خلصنا إلى مفاهيم مغايرة؛

  • الصراط ليس جسراً خارجياً في القيامة، بل هو سلامة القلب وأسلوب حياة يتشكل في دنيانا.
  • تعمل الحياة الدنيا عمل رحم الأم و نحن کمعمار یبني بناء مسار الصراط.
  • جحيم الصراط ليس خارجاً عنّا، بل هو یکمن في تموجات وساوس داخلية وميول لا بُد من اجتيازها.
  • يظل العبور السليم على الصراط رهناً بـمقدار التشبه بصفات الخالق ودرجة التوازن بين القوى النفسية المختلفة.

وعليه، فإن الصراط هو الذات الإنسانية؛ حيث يتحول كل قرار وسلوك—مهما بدا صغيراً—إلى لبنة معمارية في بنیة هذا المسار. فإذا أُنجز بناء الصراط سليماً ومُضيئاً اليوم، أصبح العبور في القيامة أمراً يسيراً.

وفي مقالاتنا اللاحقة، سنتناول بعمق دور الشيطان في هذا المسار، وسنكشف عن الرمز الحقيقي لعبور آمن وقوي من الصراط.

اكتب رأيك