بلوغ مقام النبوة: حلم بعيد أم واقع ممكن؟
في الفكر الإسلامي، تشير مصطلحات مثل “الإنسان الكامل” و”مقام الإمام” إلى منزلة الأفراد الذين يمثلون التجلي الأتم لجميع أسماء الله وصفاته على وجه الأرض. هؤلاء يقدمون أفضل مثال للكمال البشري، ولذلك يُعدّون قدوةً مثلى لسائر الناس. يُعتبر هذا المقام في الإسلام مخصصًا فقط للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) دون غيرهم. لكنّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل إنّ بلوغ هذا المقام مجرّد طموحٍ بعيد المنال ومحصورٌ بفئةٍ محدّدة من الناس؟ أم أنّ هذه المفاهيم تمثّل أهدافًا يمكن لكلّ إنسانٍ أن يسعى نحوها ويسير في طريقها؟
قد يرى الكثير منا، متأثرين بآراء سائدة أو تصورات خاطئة، أن الوصول إلى مقام النبوة أو الإمامة هو حلم مستحيل أو أمر يقتصر على نخبة معينة؛ إلا أن التعمق في تعاليم دينية يكشف لنا حقيقة مغايرة. فالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ليسوا مجرد وسائط للفيض الإلهي أو الشفاعة فحسب، بل هم قدوات حيّة يُحتذى بهم ومتاح اقتفاؤهم لجميع الناس، وذلك بهدف التعرف على طاقات ومواهب كامنة فينا وتجسيدها على أرض الواقع. إن بلوغ مقام الإنسان الكامل، على الرغم من كونه مسارًا شاقًا يتطلب بذل جهد جهيد والمجاهدة، فإنه ليس حكرًا على طائفة خاصة. هذا الطريق هو دعوة مفتوحة للبشر جمعاء، إلى تزكية الذات، ومجاهدة النفس، واقتداء بسيرة النبي وأهل بيته (عليهم السلام)؛ لترتقوا مكانتهم الإنسانية ويحقّقوا ما أودعه الله فيهم من طاقاتٍ وإمكانات.
تسعى هذه المقالة إلى تبيان الأبعاد المعنوية لمقام “الإمام” و”الإنسان الكامل”، وتوضيح دور النبي والأئمة كقدوة، لنُظهر كيف أن بلوغ هذا المقام يمثل حقيقة ممكنة وطريقًا مُنارًا لكل إنسان يطلب الرقي والنماء.
الفرق بين الوصول إلى مقام النبيّ واكتساب مقامه
من الواضح أن القصد من بلوغ مقام النبي لا يتعلق بمنزلته التشريعية، والتي هي منزلة خاتمية النبوة. ففي الفكر الإسلامي، يختلف تماماً بلوغ المقام التشريعي للنبي عن اكتساب مقامه الإنساني. إن المقام التشريعي للنبوة والإمامة وهو مكانة إلهية خاصة وهبها الله لأفراد معينين فقط، ولا يمكن لأي إنسان اكتساب هذا المقام التشريعي، حتى وإن أفنى عمره كله في تزكية النفس والأخلاق والسلوك المعنوي. فهذه المقامات هي اختيار إلهي وتعيين إلهي (انتصاب)، تُفوض من قِبَل الله، ولا ترتبط بالسلوك المعنوي أو الجهد الشخصي للأفراد.
أمّا الوصول إلى المقام الإنساني للنبيّ والأئمّة (عليهم السلام) أي السير في طريق القرب من الله والتشبّه به أكثر فأكثر فليس ممكنًا فحسب، بل هو في الحقيقة الهدف الأساس من خلق الإنسان. والوصول إلى هذا المقام يعني السعي لاكتساب صفات أخلاقيّة وكمالات تجسّدها شخصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
يمكن للإنسان، من خلال اتّباع سلوك النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه، أن يصل إلى مراتب عالية من التقوى والصدق والرحمة والعدالة. وهذا النوع من «البلوغ إلى المقام» يعني في الحقيقة اكتساب كمالات إنسانيّة كان يتمتّع بها النبيّ، وليس امتلاك المقام التشريعي للنبوة نفسه. ولهذا، فإنّ هذا المفهوم لا يعني أن يتحوّل الإنسان إلى نبيّ، بل أن يسير في طريق الكمال الإنساني مسترشدًا بنموذجه ومقتديًا بسنّته.
لكلّ إنسان طاقةٌ على أن يصير إنسانًا كاملًا
عندما نتحدّث عن بلوغ مقام النبيّ، قد يثور في أذهاننا سؤالٌ: هل يمتلك كلّ إنسان حقًا هذه القابليّة؟ أم أنّ هذا المقام يختصّ بالعظماء والمصطفَين فحسب؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال ينبع من نظرةٍ عميقة إلى حقيقة الإنسان.
في الفكر الإسلامي، يُنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقًا يمتلك طاقات وقدرات لا نهائية. ومعنى عبارة “سعة الصيرورة” (التحول/التكون) أي «طاقة على أن يصير إنسانًا كاملًا»، في الفلسفة الإسلاميّة هو أن كلّ إنسان، مهما كانت ظروفه الأولى، أو ماضيه، أو ملامحه الخارجيّة، يملك القدرة على النموّ، والتغيّر، والسير نحو الكمال. هذه الرؤية، بخلاف بعض التصورات التي تقسم الناس مسبقاً إلى فئتين (ناجحين وغير ناجحين)، تؤكد أنه لا أحد يُحرم بالفطرة من بلوغ المراتب السامية للإنسانية.
كما يؤكّد الإسلام أنّ الإنسان يستطيع أن يكون أكثر ممّا هو عليه الآن، وكلّ ما يحتاج إليه هو الإيمان بأنّ في داخله طاقة عظيمة كامنة يمكن أن يُظهرها من خلال الجهد وتزكية نفسه. وفي الحقيقة، لا يوجد هناك حاجز أو عائق حقيقي يمنع الإنسان من تحقيق نموّه وازدهاره، سوى نفسه. فالإرادة، واتّخاذ القرار، والاستمرار في طريق الإصلاح والتكامل هي مفاتيح تمكّن كلّ إنسان – بغضّ النظر عن خلفيّته وظروفه – من الدخول في مسار النموّ والارتقاء. يمكن لكل إنسان، من خلال استخدام عقله وإرادته وبذل الجهد المستمر، وكذلك الاقتداء بنماذج “الإنسان الكامل”، أن يُفجّر طاقاته الداخلية ويصل إلى كمالات النبي والمعصومين (عليهم السلام).
وإذا تصوّرنا أنّ النبيّ بعيدٌ عن متناولنا، وأنّ الاقتراب من كمالاته غير ممكن، فإنّنا في الحقيقة لم نفهم الرسالة الأساسيّة لبعثته. فقد أرسل الله تعالى النبيّ بوصفه أسمى نموذج لصفات الله التي ينبغي لنا أن نُنمّيها في ذواتنا، لكي يرسم لنا طريق الوصول إلى الهدف من خلقنا، ويُبيّن لنا كيفيّة السير فيه. إن عملية الوصول إلى هذه الصفات هي عملية متاحة وممكنة التطبيق بالكامل، ولكنها تتطلب الممارسة، والعزيمة، والالتزام بمبادئ محددة. لذا، يجب ألا يُتصور أبداً أن صفات الأنبياء هي صفات بعيدة المنال. فبممارسة يومية، ومراقبة دائمة، والسعي في مسار التقرب إلى الله، يستطيع كل إنسان أن يخطو خطوات في سبيل الكمال الإنساني وأن يحظى بصفات وكمالات الأنبياء.
في طريق اكتساب الكمالات الإنسانيّة، يمتلك كلّ إنسان القابليّة لكي يقتدي بصفات أخلاقيّة وسلوكيّة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن يقترب من قمم الكمال الإنساني. إنّ بلوغ مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هدفٌ ممكن التحقيق ومتيسّر لجميع البشر.
إنّ طريق النموّ والتزكية الذاتيّة يكمن في الاقتداء بأسلوب حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخلاقه وإيمانه، لكي نتمكّن في مراحل حياتنا المختلفة من اتخاذ أفضل القرارات، وتفعيل قدراتنا الكامنة، وتجسيد جانبٍ من جمال الإنسان الكامل في ذواتنا. فكمالات النبيّ ليست هدفًا بعيد المنال، بل يمكن الاقتراب منها بخطواتٍ ثابتة من خلال المجاهدة، والممارسة، والإرادة الصادقة. وهذا هو المعنى الحقيقي لبعثة الأنبياء: فتح الطريق أمام الإنسان ليُظهر طاقاته الإلهيّة الكامنة، ويقترب من أسمى مراتب الأخلاق والإنسانيّة.