من هو الإنسان؟ وما هي خصائص القلب الإنساني؟

جدول المحتويات
من هو الإنسان؟ وما هي خصائص القلب الإنساني؟

من هو الإنسان؟ وما هي معايير الإنسان الحقيقي من منظور القرآن؟

من هو الإنسان؟ لعلّنا لم نفكّر أبدًا بجدية في هذا السؤال، إذ إننا نفترض بشكل تلقائي أننا “إنسان”، ونتوقّع أن يُعامَل كلٌّ منّا على أساس قيم ومعايير تنطبق على هذا الوصف. قد يكون هذا التصوّر صحيحًا حين يتعلق الأمر بشؤون الدنيا ومظاهرها المادية، حيث تُبنى الأحكام على أسس ظاهرة وملموسة، فيُطلق على الجميع اسم “إنسان”. بيد أن تعريف الإنسان، ومعاييره الحقيقية، ومن هو حقًّا في نظر من خَلقه، يختلف تمام الاختلاف.

لقد أودع الله فينا طاقات عظيمة وأبعاد مختلفة، ويتوقّع منّا سلوكًا يتناسب مع هذه القدرات. فهو لا ينظر إلينا كمجرد كائنات مادية، محدودة الطموحات، لا تتجاوز همومها ورغباتها حدود الدنيا وشؤونها الحسيّة والحيوانية، بل يرانا مخلوقات أبدية، ذات احتياجات لا نهائية ولها معشوق مطلق بلاحدود.

ولو تأمّلنا قليلاً في نظرتنا للأشياء من حولنا، لوجدنا أنها تخضع لنفس المعيار. فمثلًا، لا يكفي لسيارة سباق أن تكون جميلةً أو متحركةً فحسب، بل تُعتَبر سيارةَ سباقٍ حقيقيةً عندما تُظهر قدراتٍ عاليةً في السرعة والمناورة، أي عندما تتناسبُ مع المعايير الموضوعة للوصف الذي أُطلق عليها. أي أن المعيار الحقيقي هو ما يُظهر كفاءتها الفعلية ويُثبت استحقاقها للتسمية.

وكما تعلّمنا في الدروس السابقة، فإن الإنسان قد يحمل إحدى ثلاث شخصيات: إما شخصية حجريّة (أو أدنى من الحجر)، أو حيوانيّة(أو أدنى من الحيوان)، أو إنسانية. وفي نظر الله، لا يُعدّ الإنسان “إنسانًا حقيقيًا” إلا إذا سار نحو الغاية التي خُلق لأجلها، وسعى إلى بلوغ مقامه الأسمى. أما من يحمل صورة الإنسان، لكنه لا يسلك طريق الحق والهدف الإلهي، فهو ليس في حالته الطبيعية، بل يعيش في خسران، لأنه رغم حاجته الفطرية إلى الكمال، وحبّه الفطري للحق المطلق، حبس نفسه في قفص الدنيا الماديّ، وضيّق أفقه على عالم الحسّ والرغبات الحيوانية. تماماً كما لا نطلق على طفلٍ اسم “تلميذ” لمجرد ارتدائه زيَّ المدرسة إن كان يقضي وقته وعمره في غير التعلّم والدراسة، فإنَّ كلَّ فردٍ يمتلك هيئةَ الإنسان لا يُدعى بالضرورة “إنسانًا” بالمعنى الحقيقي. إذًا، فالتعريف الحقيقي للإنسان لا يكتمل إلا إذا تضمّن معايير الإنسانية، واتّضح فيه طريق السير، والغاية، والأبدية. وبدون هذه الرؤية المتكاملة، لن نصل إلى معرفة جوهر “الإنسان”، ولن نفهم حقًا من يكون.

اكتساب القلب الإنساني

إن طبيعة اهتماماتنا وما نحب بصدق، هو ما يحدد شكلنا الباطني، والفئة التي ننتمي إليها. وللإجابة على سؤال “مَن هو الإنسان؟”؛ نحن بحاجة إلى التحرر من الأُطر المادية والقوالب التي اعتدنا أن نعرّف الإنسان بها. فالخالق عزّ وجلّ لا يُقسّمنا بحسب مظاهرنا الخارجية، بل بحسب قلوبنا.، ولا نبلغ مرتبة الإنسان الحقيقي إلا عندما نحسن اختيار معبودنا ومحبوبنا. إن المعشوق الحقيقي هو من يمنح الطمأنينة والسكينة لبُعدنا الأصيل؛ أي في الجانب الإنساني من وجودنا. وإذا كان قلب الإنسان لا ينفكّ يتعلّق بالمعشوقات الجمادية، أو النباتية، أو الحيوانية، أو حتى العقلية، فإن ذلك يعني أنه قد ابتعد عن هدف الخلقة وعن فطرته اللامتناهية في طلب الكمال. وقد يكون قد أشبع نفسه بأمور حسيّة وهمية تخيّلية أو عقلية إلى حدٍّ جعل قلبه يفقد الرغبة في الغذاء الحقيقي، ولم يعد يشعر بالانجذاب نحو الكمال المطلق، أي نحو الله.

كما أشرنا في الدروس السابقة، فإن أنشطتنا الحسية والوهمية والخيالية والعقلية ليست أصيلة في ذاتها، وإنما لها وظيفة مؤقتة داخل رحم الدنيا. فكل هذه القدرات ما هي إلا أدوات ومقدّمات، هدفها إيصال بُعدنا ماوراء العقلي والإنساني إلى معشوقه الحقيقي. إنها وسائل تُعيننا في رحلتنا نحو الأبدية، وتساهم في أن تكون ولادتنا في عالم الآخرة ولادة صحيحة وسليمة. وعند الدخول إلى الآخرة، لن نصطحب معنا أجسادنا، ولا جمالنا، ولا مناصبنا، ولا شهاداتنا العلمية، ولا ذكاءنا وفطنتنا، بل ما نأخذه معنا فقط هو قلوبنا، ذلك القلب الذي صغناه في الدنيا على أساس ما منحناه من أولويات واهتمامات، وما أحببناه وسعينا خلفه.

ولا ريب أن القلب الأقرب إلى حقيقة الإنسان هو ذلك الذي وافق مقام الإنسان، وامتلأ بمحبة معشوقه الأعظم والكمال المطلق، أي الله، فهذا هو القلب الذي يشبه “القلب الإنساني” بحق، ويُظهر لنا من يكون الإنسان حقيقة.

معايير الإنسان الحقيقي

إلى هنا، تعرّفنا على ماهية “القلب الإنساني” واتّجاه مسيره، ولكن وفقًا للقرآن الكريم، فإن للقلب الإنساني خصائص ومعايير تخرجه من حالة الخسران، وتجعله جديرًا بحمل صفة “الإنسان الحقيقي”. من أبرز هذه المعايير:

• الإيمان

من منظور الله تعالى، لا نُعدّ “إنسانًا حقيقيًا” إلا حين نُدرك من هو إلهُنا الحق. أي أن نعلم أننا، بوصفنا أشرف المخلوقات، نحمل نفخةً إلهيةً وروحًا لا نهائيةً، وأن كمالنا الإنساني لا يتحقّق بالمال، أو الثروة، أو الجمال، أو الأبناء، أو الوظائف، أو الدرجات العلمية. إنّ باطننا الإنساني لا يُصاغ إلا في ظلّ التشبّه بصفات الله والسعي نحو الكمال المطلق واللانهائي. فالمؤمن الحقّ هو من يعرف معبوده الحقيقي، ويُدرك من أين جاء، وأين يقف، وإلى أين يتّجه. وبعبارة أخرى: المؤمن هو من يسير نحو هدف خلقته، مستنيرًا بنور المعرفة.

• العمل الصالح

يعدّ تحقيق المعرفة واكتسابها أمرًا مستحيلًا دون العمل، ولو أنه ليس كل عمل مقبولًا أو نافعًا. فكم من شخص تعرفه حصل على ميدالية دون تدريب منتظم وصحيح؟ أو أصبح الأفضل في مجاله دون بذل أي جهد؟ كذلك نحن، لكي نتشبّه بالله سبحانه في صفاته، نحتاج إلى العمل الصالح؛ أي العمل الذي يُنمّي فينا صفاتٍ تشبه صفات الله. ففي الحقيقة، العمل الصالح هو الذي يحدّده خالقنا وصانعنا نفسه، ليقرّبنا من مكانتنا الحقيقية الإنسانية. وإذا اقترن الإيمان بالعمل الصالح، فإن الله سيهدينا به.[1] وكما أننا لا نستخدم أي برنامج أو أداة لترقية أنظمة حواسيبنا أو معداتنا الصناعية، فإننا لا نعتبر أي عمل مناسبًا ليوصلنا إلى هدف خلقنا. إذن فالعمل المقبول هو الذي يتناسب ويتّسق مع فطرتنا وذواتنا الحقيقية، ويكون مُتقَنًا، نابعًا عن رغبة، وذا استمرارية.

• التواصي بالحق

ذكرنا أن كلّ عمل لا يُعتبر صالحًا بالضرورة، ولا يتحوّل تلقائيًّا إلى رصيد لنا. فالعبرة ليست بكثرة الأفعال، بل بجودتها وصدقها، ومدى مطابقتها للحق. والحق هو المعيار الذي تُوزن به أعمالنا، والميزان الذي يُحدَّد به ما يُقبل منها وما يُردّ. فالعمل الذي يقوم على أساس الحقّ يُقبل، وأما ما لا ينسجم مع الحقّ، فمصيره البطلان  والضياع. وتماماً كما أن الصائغ لا يشتري منا شيئًا إلا إذا كان ذهبًا حقيقيًا، كذلك لا يُقبل عملٌ ما لم يكن على وفاق مع الحق. لهذا، فإن الإنسان الحقيقي لا يهتم فقط بنفسه، بل يسعى لحماية غيره من الضياع، وذلك عبر التواصي بالحق، حرصًا على ألّا تذهب أعمالهم سُدى.

• التواصي بالصبر

أما بلوغ المعرفة، وتحويل العمل إلى رصيد حقيقي، فلا يتمّ إلا بالصبر والمثابرة. فلا إدراك بلا ثبات، ولا عمل يؤتي ثماره دون استمرارية. وإن كنا نطمح إلى باطن إنساني متكامل، فعلينا أن نُقدّم لمجتمعنا أثرًا إيجابيًا، وذلك بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر على هذا الطريق. وبهذا فإن القرآن الكريم، من خلال بيانه لمعايير تمييز الباطن الإنساني، يُحدّد لنا بوضوح تام: من هو الإنسان؟ أي أننا لسنا بحاجة إلى امتلاك عينٍ برزخية أو قدرات كشف وشهود لنعرف أننا بشر ونملك قلبًا إنسانيًا. فمجرد تأمّلنا في مقاييس الإنسان الحقيقي، وفي مقدار السعادة والطمأنينة التي نشعر بها عند اقترابنا من معشوقنا الحقيقي، يكشف عن حقيقة باطننا الإنساني.

في هذا الدرس، أجبنا على سؤال: “من هو الإنسان؟” لقد خلقنا الله تعالى ككائناتٍ أبدية، تحمل في فطرتها ميلًا فطريًا نحو اللانهائي والكمال المطلق. ومن بين البشر، فإن الله لا يعدّ أحدًا “إنسانًا حقيقيًا” إلا مَن توفرت فيه هذه الشروط: إيمانٌ حقيقي، عملٌ صالح، وتواصٍ بالحق والصبر. فالإنسانية الحقيقية لا تتحقق إلا إذا انسجمنا مع المعايير التي حدّدها الله لنا، وعندها فقط، يمكننا أن نزعم أننا نمتلك قلبًا إنسانيًا بحق.

والآن، ماذا عنك؟ إلى أيّ مدى أنت على معرفةٍ بمعايير القرآن في تعريف “الإنسان”؟ كيف ترى باطنك أنت؟ وهل تعتقد أنك تمتلك قلبًا إنسانيًا؟


[1] . سورة يونس، الآية9.

اكتب رأيك