لماذا يتغير باطن بعض الأشخاص ويتحول إلى باطن حيواني؟
ذكرنا في دروس سابقة أن الإنسان هو أشرف المخلوقات، لكن هذه المنزلة والرفعة لا تتعلق بالكمالات الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو العقلية، إذ إن الإنسان يشترك مع سائر الموجودات في هذه الكمالات، ولا يتفوق عليها بها. أما الفضل والشرف الحقيقي فيكمن في امتلاك ما لا يمتلكه غيرك؛ فإن أظهر الإنسان كمالًا حيوانيًا يفوق ما لدى الحيوان، فلا يكون بذلك قد سامى مقام الإنسان، بل غدا حيوانًا أقوى لا إنسانًا أسمى. والأمر ذاته ينطبق على سائر الكمالات.
وكما كررنا القول مرارًا، فإن العامل الأساس في تفوق الإنسان على سائر الكائنات هو امتلاكه لمرتبة “ماوراء العقل”، أي “القلب”، ذلك البُعد غير المادي، الذي هو من سنخ الإله، بل وإننا لا نُدعى بشرًا إلا بفضل هذا البُعد. فقلب الإنسان، كسائر أبعاده، عاشق للكمال، لكنه يختلف عنها في أنه لا يرضى إلا بالكمال المطلق، ولا يهدأ له بال حتى يبلغ غايته، ويحضنه بكل كيانه. حتى لو نال جميع الكمالات الأخرى، فسيبقى قلبه مضطربًا قلقًا إن لم يظفر بالكمال المطلَق، الذي لا يكون أحد سوى الله جلّ جلاله.
وعليه، فإن تفوقنا على سائر المخلوقات لا يكون إلا من خلال الاتصال بالله، ومحبته، والتشبّه به. فإذا لم ينمُ ذلك البُعد “ماوراء العقلي” في حياة الإنسان الدنيوية، ولم يعرف محبوبه الحقيقي أو لم يُرِدْه، لم يعد يُعدّ إنسانًا، ولا تكون له قيمة الإنسان. غير أن تسميته ومكانته تتوقف على من ملأ قلبه، أي أيّ معشوق جعل منه بديلًا عن الله.بناءً على ذلك، ينقسم الناس إلى فئات:
• فئة جعلت من المحبوبات الجمادية غاية قلبها، فصار باطنها جماديًا، وحُسبت من رتبة الجمادات.
• وأخرى تعلّق قلبها بمحبوبات نباتية، فصار لها قلب نباتي، ولا تتجاوز قيمتها مرتبة النبات.
• وثالثة تغلّبت فيها النزعة الحيوانية على القلب، فصار باطنها حيوانيًا، ولا تقوّم إلا بقدر ما يُقوَّم الحيوان.
تحدثنا في الدروس السابقة عن القلب الجمادي والنباتي، وبيّنا ضلالاتهما، أما هنا فنريد أن نُلقي الضوء على القلب والباطن الحيواني.
ما معنى المسخ وتغير الشكل الباطني؟
لا شكّ أن عالم الآخرة يختلف جوهريًا عن عالم الدنيا؛ فهناك تزول الحُجب المادية التي تقيّد البصيرة، وتتجلّى الحقائق كما هي بلا أقنعة ولا أوهام. أما في الدنيا، فلا نرى من الناس سوى مظاهرهم الخارجية، ولهذا نُطلق على كل ذي هيئة بشرية اسم “إنسان”، لأننا عاجزون عن الاطلاع على بواطنهم. أمّا في الآخرة، فتنكشف الستائر، ولا يبقى للجسد المادي وجود، بل تظهر الحقيقة الباطنية لكل إنسان، كما هي تمامًا.
وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن بعض الناس يُحشرون يوم القيامة على هيئة قردة أو خنازير، وبعضهم يُبعثون صمًّا أو بُكمًا، وآخرون عُميًا، ومنهم من تُبتر أطرافهم أو يُقلبون على رؤوسهم فيمْشون عليها بدل أقدامهم.[1] قد يظن البعض أن هذه أوصاف رمزية أو مجرد تشبيهات أدبية، لكنها في الواقع ليست كذلك، بل هي حقائق واقعية، تُجسّد ما كان خفيًا في النفوس. ذلك لأن بعض الأفعال في الدنيا تُشوّه وتمسخ باطن الإنسان، حتى يتبدّل جوهره إلى صورة حيوانية أو مشوّهة، دون أن يفقد هويته كإنسان. فالتغيّر هنا ليس في “الذات” بل في “الهيئة” التي تعكس حقيقة النفس.
ويقول الشهيد مطهري في هذا السياق: “في يوم القيامة، بأي شكل أكون، سواء بهذا الجسد أو بجسد آخر، فأنا بنسبة مائة بالمائة نفس الشخص؛ لكن قد يتغير شكلي. حتى لو مُسخت في القيامة وفقًا لملكاتي الروحية، وحُشرت على هيئة حيوان، فأنا ما زلت أنا، لكن ببنية حيوانية.”[2] والمثير للتأمل أن هذا التحوّل الباطني لا يقتصر على عالم الآخرة فقط، بل إن أولياء الله وأصحاب البصائر الذين رُزقوا “العين البرزخية“، قادرون على رؤية تلك الهيئات الباطنية حتى في الدنيا. فهم يرَون صورة الإنسان الحقيقية، ويميزون بدقة نوع التشوّه أو النقص الكامن فيه.
ما يُرى في الآخرة ليس سوى تجسيد صادق لأفعالنا في الدنيا. فكما أن الجنين يُكوِّن جسده في رحم أمه، فإن الإنسان يَصوغ نفسه في رحم الدنيا بأعماله. فإن سارت هذه الأعمال في انسجام مع الغاية التي خُلق لأجلها، نما باطنه. أما إذا انحرفت، بدأ القلب بالتشوّه، حتى يغدو المرء في الآخرة على هيئة تُعبّر عن باطنه الحقيقي، وكلما زاد الانحراف، كان هذا التغيير أكثر شدة وإخافة.
العلاقة بين الباطن الحيواني وأنواع الولادة في الآخرة
قبل أن نتناول العلاقة بين الباطن الحيواني وأنماط الولادة في عالم الآخرة، لا بد أن نُلقي ضوءًا مختصرًا على مفهوم “الذنب”، بوصفه العامل الأهم في تشوّه الباطن وتبدّله.
الذنب، في حقيقته، مفهوم واسع لا ينحصر في السرقة، والقتل، والزنا، والكذب وما شابهها من الكبائر، بل يشمل كل ما يعوق مسيرتنا نحو غاية الخلق، ويمنع ولادتنا السليمة إلى الآخرة. فكثير من تقصيراتنا وغفلاتنا، التي قد نعدّها بسيطة أو غير ذات شأن، تُعدّ في ميزان الحقيقة ذنوبًا.
على سبيل المثال، من يُقدم على إنجاب الأطفال دون أن يتعلّم آداب انعقاد النطفة أو أصول تربية الأبناء، يرتكب ذنبًا جسيمًا. فالولد عطية من الله وأمانة في أعناق الوالدين، وإذا أصيب بعاهة جسدية أو أزمة نفسية بسبب إهمال والديه، فإنهما مسؤولان أمام محكمة العدل الإلهي. كذلك من يبدأ تجارة دون أن يتفقّه في حدود الله في المعاملات الاقتصادية، يُعدّ مذنبًا، إذ إن جهله يُربك عجلة الاقتصاد ويُلحق الضرر بحياة آلاف الأسر، بل وقد يكون الذنب ناتجًا عن الإفراط في المباحات.
تأمل فيمن يُهمل غذاء روحه وتغذية “ماوراء العقل”، وينشغل بدلاً من ذلك بأعمال الخير ومساعدة الآخرين: فهو مذنب أيضًا، وذنبه كبير، لأنه ارتكب ظلمًا لنفسه، وهو من أبرز مصاديق الظلم الخفي.
فالحديث عن الذنب لا ينحصر في الكبائر الشنيعة، بل يشمل كل ما يُزيغنا، ولو ذرّة، عن الصراط المستقيم، وكل ما يُعيق حركة “الصيرورة” والتكامل فينا، فهو ذنب.
والذنب يشوّه باطن الإنسان، وعندما يُصاب الباطن بالتشويه، يبتعد صاحبه عن المقاييس الدقيقة التي تحدّد ملامح الإنسان الطبيعي. ومن ينحرف باطنه عن هذه الموازين، لا يولد إلى الآخرة ولادةً سليمة، بل تكون ولادته هناك في هيئةٍ منهيكة، ضعيفة، ناقصة، أو معطوبة.
ولا شك أن الولادة الضعيفة تختلف عن الولادة الناقصة، كما يختلف الطفل الضعيف عن الطفل المشوّه. ولكن في جميع الأحوال، من يولد ضعيفًا أو مريضًا، يظل بحاجة إلى العلاج، ويُحال إلى “مستشفى الآخرة” ليتلقى ما يصلح به خلله ويداوي علله.
بناءً على هذا، فإن أصحاب الباطن الحيواني ليسوا فقط من ارتكبوا كبائر عظيمة، أو يُبعثون بهيئة قرد أو كلب أو خنزير، بل إن “الباطن الحيواني” هو تعبير شامل يُطلق على كل من خرج عن إطار الإنسانية، سواء كان انحرافه بفعل الحرام أو بالإفراط في الحلال، وسواء كان قليلاً أو كثيرًا.
بهذا الاعتبار، حتى أولئك الذين يُنظر إليهم في الظاهر بوصفهم أناسًا طيبين لا يؤذون أحدًا، وقد يلتزمون بالعبادات والشرائع، قد يكون باطنهم حيوانيًا، ويُصنَّفون ضمن من قال الله فيهم: «أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ»[3] – كما أشرنا في موضوع أنواع القلوب.
فالميزان الحقيقي للإنسانية لا يُقاس بكثرة العبادات، ولا بكثرة الأعمال الخيرية، بل حتى تجنّب الذنوب لا يكفي وحده ليمنح الإنسان منزلته. ما يميّز الإنسان عن الحيوان هو نضج “ماوراء العقل”، وتوازن نظام الحب في قلبه، بحيث تكون أولوياته: الله، أهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الله. فمن جعل غير هذه الثلاثة في مقدّمة أولويات حياته، كان فاسقًا، مضطرب الميزان، ذا باطن غير إنساني، ولن يُولد إلى الآخرة ولادةً سليمة. لكن شكل ولادته الأخروية يكون إما أضعف، أو مشوّه أو مقلوب، يتوقف ذلك على مدى انحرافه عن خصائص الإنسان الحقيقي.
في الدرس القادم، سنتناول الباطن الإنساني بشيء من التفصيل، وسنقدّم معايير واضحة، تُمكِّنكم من معرفة وجوهكم الباطنية في هذه الدنيا، دون الحاجة إلى عينٍ برزخية.
[1] مجمعالبیان، نورالثقلین و الصافي، في تفسیر الآیة 18 من سورة النبأ
[2] مجموعه الآثار للشهید المطهری، ج4 ، ص 703
[3] سورة الاعراف، الآیة 179