ما العلاقة بين ميزان الأعمال والحب الحقيقي، وكيف يمكننا أن نؤدي أعمالنا بحب؟
عند دراسة العلاقة بين ميزان الأعمال والحب، ينبغي لنا أولاً أن نتبين مكانة الحب في حياتنا ونظام الوجود. ومن المثير أن نعلم أن الحب والمودّة هما الأساس الذي تقوم عليه منظومة الخلق بأسرها، وأننا قد جئنا إلى هذه الدنيا لنحب ونعيش بحب! بعبارة أخرى، إن السر الوحيد للوصول إلى الأبدية والدخول إليها سليمين، هو أن نصبح عشّاقاً.
“وصِر عاشقا وارض بالعشق فإنك إن لم تفعل ذلك
فسينتهي أمر العالم يوما دون أن تقرأ النقش المقصود في خيمة الوجود”[1]
ولهذا، فإن العلاقة بين ميزان الأعمال والحب هي علاقة مباشرة ووثيقة للغاية. ولكن أي حب نقصد؟ ما هو الحب الذي يُعد مفتاح سعادتنا؟ نحن البشر، في جميع أبعاد وجودنا ـ سواء أكانت جمادية أو نباتية أو حيوانية أو عقلية أو ما وراء عقلية ـ لدينا محبوبات متعددة، ومن الطبيعي أن تقتضي الحياة في هذا العالم ميلاً إلى جميع هذه المحبوبات. غير أن الحب الذي نتحدث عنه، والذي يقودنا إلى هدف الخلق، هو حب المحبوب في البعد الإنساني. كما نعلم، فإن البُعد الإنساني أو القلب، هو الجانب الأبدي والحقيقي من كياننا؛ فهو من الله، وإليه يعود، وهو الثروة الوحيدة التي نملكها في الآخرة. بعبارة أدق، لا شيء ينفعنا في الأبدية سوى القلب السليم. والقلب السليم هو ذاك القلب الذي لا معبود له ولا معشوق سوى الله؛[2] فشهادة “لا إله إلا الله” إنما تخصّ البُعد الإنساني من وجودنا. ولا شك أنه من لم يبلغ النضج الإنساني بعد، لن يستطيع أن يعشق الله حق العشق، ولا أن ينطق بهذه الشهادة التوحيدية بصدق. إنه كمن لم يبلغ النضج الجنسي، فلا يستطيع أن يدرك عشق الزواج ومحبّة الجنس الآخر. لذلك، فإن بلوغ المقام الإنساني يعادل بلوغ “لا إله إلا الله”، ولهذا فإنه لم يأتِ أي من الأنبياء إلى البشرية بكلمة أعظم من “لا إله إلا الله”.[3]
بما أننا نتعامل في حياتنا الدنيوية مع محبوبات متعددة، فإن حب الله وحده لا يكفي لتحصيل قلب سليم. بل يجب أن يكون الله، باعتباره محبوبنا الحقيقي، هو الأرجح والأعلى قيمة دائماً على سائر المحبوبات، وأن نسعى في جميع الأوقات والظروف إلى مراعاة رضاه في اختياراتنا وقراراتنا؛ وإلا فإننا سنحمل قلوباً غير سليمة وميزانًا للأعمال خفيفًا. النقطة الجوهرية والمفتاحية في العلاقة بين ميزان الأعمال والحب، هي أن حب الله يستلزم حب أهل البيت عليهم السلام والجهاد في سبيله.
العلاقة بين میزان الأعمال، وحب أهل البيت عليهم السلام والجهاد
نحن البشر، نظرًا لكوننا محصورين في عالم المادة، لا نستطيع الوصول إلى الكمال اللامتناهي والمطلق، ولأجل إدراك هذا الكمال، ومحبته، واكتساب القيم الإنسانية، بحاجة إلى دليل وقدوة. إنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم بمثابة إنسان كامل وأجلى مظاهر الله؛ بل ويمكن القول إنهم أشبه المخلوقات بالله وأكملهم صفاتٍ إلهية. وقد اصطفاهم الله تعالى وجعلهم أئمةً وقادةً لهدايتنا وخير قدوة لنا. لذلك، فإن حب أهل البيت (عليهم السلام) وطاعتهم، ضرورةٌ للسير نحو القلب السليم وثقل الميزان.
أما الجهاد في سبيل الله، فهو مجاهدة كل ما يحول دون بلوغنا معشوق وجودنا الإنساني، أو الله جل جلاله؛ من هذا المنطلق، فإن حب الجهاد لا يقل أهمية عن حب أهل البيت (عليهم السلام) في ترجيح ميزان أعمالنا وتحقيق سعادتنا. وقد صرّح الله تعالى في كتابه الكريم أنه من لم يكن حب الله، وحب أهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في سبيله على رأس محبوباته، فهو فاسقٌ وضالّ.[4] لذلك فإنه لن يبلغ مرتبة الإنسانية إلا من قام بترتيب محبوباته بحيث يجري معنى “لا إله إلا الله” في كل أركان حياته.
إنما المطلوب منا في هذه الدنيا أن نختار، رغم وجود جميع المحبوبات الطبيعية، حب الله، وألا نرغب بسائر المحبوبات إلا تحت ظل هذا الحب، وأن نسخّرها جميعا للوصول إلى الله؛ إذ إنها جميعاً قد وُضعت بأيدينا كأدوات لتحقيق الغاية النهائية. ومن بلغ سر هذا الحب المُحيي، فإنه لن ينعم بالسعادة والسكينة اللتين لا يُضاهيهما حبٌ آخر فحسب، بل سيحظى أيضًا بولادة روحية سليمة في الآخرة، وسيثقل ميزان أعماله، وهذا هو عين سعادة الدنيا والآخرة. وعليه، نستطيع القول إن محبوباتنا التي تشغلنا في حياتنا، هي من العوامل المؤثرة في خفة أو ثقل ميزان أعمالنا يوم القيامة.
في هذا الدرس بيّنا أن هناك علاقة مباشرة بين ميزان الأعمال والحب؛ فكلما تزايد شغفنا ومحبتنا لله تعالى في أعماق قلوبنا، كلما عظم وزن أعمالنا في الميزان؛ ذلك أن رأس مالنا الحقيقي وذخرنا الأبدي في الآخرة هو القلب السليم، والقلب السليم هو الذي يكون الله وحده إلهه ومعشوقه. كما يؤدي حب الله إلى حب أهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيله، لذلك، في سياق العلاقة بين ميزان الأعمال والحب، يجب أن نؤكد على ضرورة ترتيب أولويات معشوقاتنا لبلوغ المقام الإنساني الرفيع وثقل ميزان يوم القيامة؛ بحيث يكون الله جل جلاله، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، والجهاد في سبيله، في صدارة هذه الأولويات ومهيمنين على سائر تعلقات قلوبنا.
[1] ديوان حافظ الشيرازي
[2] لا إله إلا الله
[3] قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): “ما قلتُ ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلا الله.” (ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد، ص 18)- (لم أقل شيئًا، ولم يقل القائلون قبلي شيئًا مثل “لا إله إلا الله”).
[4] سورة التوبة، الآية 24