هل نحن على وعي بأهمية الآخرة ومكانتها؟ أي الدارين أهمّ لدينا: الدنيا أم الآخرة؟
هل حدث أن سألنا أنفسنا بصدق: كم نحن مستعدون أن نبذل لأجل آخرتنا؟ وأين تقع الآخرة على خارطة أولويات حياتنا؟ إذا لم نجد إجابة واضحة، فربما لم ندرك بعد أهمية الآخرة ومكانتها الحقيقية. الآخرة عظيمة لدرجة أنه حتى لو أدركنا جزءًا من أهميتها، لتغيرت أولوياتنا، ولأعدنا النظر في قراراتنا، ووجّهنا اختياراتنا في الحياة على ضوء هذه الحقيقة الكبرى. من غير المنطقي أبدًا أن نكون بكامل عقولنا ثم نتجاهل أمرًا عظيمًا ينتظرنا؛ مثلًا، لو علمنا أن فيضانًا سيجرف بيتنا بعد دقيقة قليلة، فمن الغريب أن نستمر في مشاهدة التلفزيون أو الطهي بهدوء واسترخاء. لكن إدراك أهمية الآخرة هو مجرد البداية؛ والخطوة التالية – التي لا تقل أهمية – غالبًا هي العمل والتخطيط لها.
إن معرفة قدر الآخرة، باعتبارها الامتداد الحقيقي لحياتنا، تلعب دورًا بالغ الأثر في سعادتنا الأبدية. وعلى قدر هذا الأثر يجب أن نُقدّرها ونمنحها ما تستحق من اهتمام. فالذي هو عالم بالدنيا، وجاهل بالآخرة،[1] يختل توازنه ويظلم نفسه، لأنه يساوي بين أمرين لا يستويان أبدًا في الأهمية والتأثير على مستقبله. إنه كمن يعطي اختيار تخصصه الأكاديمي نفس القدر من التفكير الذي يمنحه لاختيار طبق عابر في مطعم. بوضوح، فإن مكانة الآخرة وأهميتها في حياتنا تختلف جذريًا عن مكانة الدنيا، وهذا الاختلاف يستدعي منا استعدادات وأفعالًا من نوع آخر. هكذا نُدرك أن مكانة الدنيا والآخرة ليست متساوية، وبالتالي فإن الاستعداد لكل منهما يتطلب نهجاً مختلفاً تماماً.[2]
إفراطنا في الاهتمام بالحياة الدنيا
ثمة قانون خفي يحكم حياتنا: ما نعطيه من وقت، وما نُغدقه بالعناية، نصبح فيه أكثر براعة وتمكّنًا. فانظُر مثلاً إلى ربة بيت المتقدمة، كم أبدعت في الطهي بعد أعوام من ممارسات يومية، حتى غدت تُتقن تفاصيله الصغيرة، وتُبدع في أسراره الخفية. أو ذلك الذي يتعامل باستمرار مع السيارات، يكفيه صوتٌ خافتٌ من المحرّك ليكتشف العطب، ويعرف موضع الخلل دون عناء. أما نحن، فمن فرط انغماسنا في شؤون الدنيا، أصبحنا على دراية تامة بقوانينها وأساليبها. نعرف ما يوافق أذواقنا وما لا يروق لنا. وندرك تمامًا ما نرتديه في المناسبات المختلفة وكيف نلتزم بآداب التعامل الاجتماعي. بل ونعرف كيف نحافظ على صحتنا البدنية وردود أفعالنا تجاه سلوك الآخرين. باختصار، عندما يتعلق الأمر بالدنيا، نتصرف بحذر بالغ وتدبر؛ فقبل اتخاذ قرارات مصيرية، ندرس جوانب الأمر المختلفة بعناية فائقة، وبكلمة أخرى، نسخر كل ذكائنا وقدراتنا حتى لا يفوتنا شيء من متاع الحياة. بيد أننا عندما يتعلق الأمر بتغذية أرواحنا، فإننا نغدو في غفلة تامة! لا ندري ما الذي ييسر لنا طريقنا نحو الآخرة، وما الذي يعيق تقدمنا الصحيح. بل ما هي طبيعة الأسئلة التي ستُطرح علينا في الآخرة، وكيف ينبغي لنا أن نهيئ أنفسنا للإجابة عليها؟ وما الذي يمكننا أن نصطحبه معنا إلى هناك، وما الذي يفقد قيمته واعتباره؟ نتصرّف مع الآخرة بذهول الغافلين، وسذاجة من لا يفقه أبسط الأمور، وكأننا لا نعي أن الآخرة هي الأصل، وأنها الحقيقة الثابتة، وأن كل ما في الدنيا عابرٌ زائل. وهذا يدل بوضوح على أننا نولي الدنيا قيمة أكبر، ولم نأخذ أهمية الآخرة على محمل الجد. والحال أن منطق الأمور، بالنظر إلى مكانة الآخرة، يقتضي أن يكون وعينا وفطنتنا بشأنها أكثر يقظة ونشاطًا من اهتمامنا بشؤون دنيانا.
فرصة للولادة السليمة
كما أشرنا في مقالات سابقة، فإن علاقة الدنيا بالآخرة تشبه علاقة الرحم بالدنيا.[3] فالرحم والدنيا كلتاهما بمثابة فرصتين للولادة السليمة لنا؛ رحم الأم هو فرصة لولادتنا السليمة في ظروف الحياة في الدنيا، بينما تهيئ لنا الدنيا فرصة الولادة السليمة في البرزخ والآخرة. ولكي نُفلح سواء في دنيانا أو آخرتنا، يتعين علينا أن نلتزم بالحق ونتناغم معه، والحق هنا يمثل الظروف الحياتية الثابتة لبيئة ولادتنا كمعيار تُقاس به ولادتنا السليمة؛ مثلاً، إذا كانت العين التي نولد بها قادرة على الرؤية في ترددات أقل من الأشعة فوق البنفسجية وأعلى من الأشعة تحت الحمراء، فإنها تكون قد توافقت مع الحق. كذلك في مسيرتنا نحو الآخرة، هناك قوانين وقواعد تُقيّمنا بمجرد دخولنا إليها، بالاضافة إلى معايير وأسس لا يمكننا الاستعداد للآخرة دون معرفتها. في الواقع، إن أعمالنا الدنيوية مثل الزواج والعمل الاجتماعي والسياسي والثقافي وغيرها، لا تكون نافعة إلا إذا أدت إلى ولادتنا السليمة في الآخرة. لذلك، من الضروري أن نعرف هل نحن ملتزمون بالحق في حاضرنا؟ بعبارة أخرى، هل تتوافق أفعالنا وسلوكياتنا مع الحق وتؤدي بنا إلى ولادة روحية سليمة في الآخرة؟ فكما نولي اهتمامًا بالغًا لولادة جنين سليم في هذه الدنيا، ونتفقد مراحل نموه وتكيفه مع ظروف الحياة بشكل دوري وهو لا يزال في رحم أمه؛ فمن الطبيعي أن نسعى جاهدين لإيجاد وسيلة نتحقق بها من مدى توافقنا مع متطلبات الحياة في الآخرة. وأن نراجع خطواتنا في هذا المسار المصيري لنتأكد من أننا نسير فيه على الطريق الصحيح. ولأهمية الآخرة القصوى، وضع الله لنا في القرآن الكريم معايير متنوعة بمثابة مرآة نقيّم بها أنفسنا. أحد هذه المعايير هو شعورنا بالسرور والسكينة في هذه الدنيا؛ فإذا كنا ملتزمين بالحق ومتناغمين معه، ومستقبلين له بصدق، فإننا حتمًا سننعم بالبهجة والسلام الداخلي، وسنرتقي روحيًا، ولن تستطيع متاعب الدنيا أن تسلبنا هذا السكون الروحي بسهولة. إن توافقنا مع الحق، في جوهرنا وشكل تعاملنا، يهيئ باطننا وظاهرنا للدخول إلى عالم البرزخ والولادة الروحية السليمة في الآخرة.
في هذا المقال، فهمنا أهمية الآخرة ومكانتها مقارنة بالدنيا. أدركنا أن ولادتنا السليمة إلى الآخرة تتحقق عندما تكون أرواحنا مزودة بالأدوات اللازمة للتوافق مع بيئة الآخرة الثابتة، والانسجام مع قواعدها. وفي الختام، فهمنا أن علامة التزامنا بالحق وانسجامنا مع متطلبات الحياة الآخرة هي شعورنا بالطمأنينة والسكينة في هذه الدنيا. والآن، بعد أن اتضح لنا إلى حد ما مكانة الآخرة وأهميتها، ربما استثار فضولكم التعرف على سبل تعزيز هذه المكانة؛ ويمكن للمقالة المعنونة «إدراك عظمة الآخرة وتأثيرها على الأعمال» أن تكون مفيدة في هذا السياق.
ما رأيكم في هذا الموضوع؟ هل تجدون أن وعيكم بالدنيا هو أكثر من ذكاءكم بالآخرة؟ شاركونا آرائكم.
[1]. قال النبي(صلى الله عليه وآله): إنَّ اللهَ تعالى يُبغِضُ كلَّ عالِمٍ بالدنْيا ، جاهِلٍ بالآخِرَةِ : كنز العمال، 28982.
[3] . قال الإمام علي (عليه السلام): الدنيا في الآخرة والآخرة محيطة بالدنيا، مجمع البحرين، ج1، ص 270