كيف تشهد النفس ضد صاحبها؟ فهم عميق لشهادة النفس
كلّنا نتساءل عن أحوال ما بعد الموت وكيف سيتم حساب أعمالنا، وربما سمع الكثير منا هذه العبارة التي تقول إن أعضاء الإنسان وجوارحه ستشهد عليه يوم القيامة. لكن كيف يمكن للنفس أن تشهد ضد صاحبها؟
• أليست هذه الأعضاء والجوارح جزءًا من كياننا؟ فلماذا وكيف ستنطق بحقائق قد تضرّ بنا؟
• وهل تمتلك هذه الأعضاء شخصية مستقلة تتيح لها الإدلاء بشهادة إيجابية أو سلبية؟
كما هو معلوم لدينا جميعاً، فإن الدنيا هي ميدان العمل، والآخرة هي موطن الحساب والجزاء. إننا في هذه الحياة، وفي كل لحظة نعيشها، نسعى من خلال علاقاتنا وخياراتنا وسلوكياتنا وأفكارنا إلى تشكيل أرواحنا والارتقاء بها نحو الأبدية. فمنا من ينشغل باستمرار بتحصيل المكارم واكتساب الصفات الإنسانية الرفيعة؛ مقتربًا من الله عزّ وجل، أي أنه يسير بخطى ثابتة نحو التشبه بصفات الله وأسمائه، فيزداد قلبه وروحه صفاءً وقوةً. وعلى النقيض من ذلك، يسلك آخرون مسلكاً مغايراً. ومع كل هذا التباين في أحوالنا، فإنه لا مناص لنا جميعاً، مهما كانت ظروفنا، من مغادرة هذه الفانية والانتقال إلى الحياة الأبدية، آجلاً أم عاجلاً. ولا شك أن طبيعة الميلاد في تلك الدار الآخرة وهيئة الحياة الأبدية لن تكون متماثلة بيننا؛ ذلك أن ما اكتسبناه وادخرناه في هذه الدنيا من زاد روحي ومعنوي يختلف من شخص لآخر. وإن رصيد كل واحد منا وما جناه من عمل صالح أو سيئ، سيتحدد بمجرد انتقالنا إلى عالم البرزخ وبدء مرحلة الحساب والتقييم.
من بين أعظم الحقائق المتعلقة بالآخرة، تبرز مسألة “شهادة النفس” كإحدى القضايا الأكثر عمقاً وجديرة بالتأمل. فعندما ننتقل من عالمنا المادي المحسوس إلى عالم الشهود والكشف، وحينما تحين ساعة الحساب والتقييم، تحدث شهادة النفس، حيث تشهد ذواتنا بأنفسها على أحوالها وظروفها، وتقر بمدى سلامتها ونقائها. وفي هذه المقالة، سنتناول بتحليل أسباب حدوث هذه الظاهرة الجليلة وكيفيته.
كيف تحدث شهادة النفس؟
وفقاً لقانون النسبة، فإن شهادة النفس الإنسانية تحدث فور الولادة. بمعنى أدق، يتم تقييم وجود الإنسان بمجرد مجيئه إلى عالم جديد بمقياس النظام الكوني الحديث الذي دخل فيه. وفي واقع الأمر، تشهد النفس بتوافقها أو عدم توافقها مع الحياة الآخرة. بيد أن هذه الشهادة ليست لفظية منطوقة، بل هي أمر تكويني فطري.
في سياق حديثنا عن قانون النسبة، أوضحنا أن العلاقة بين الدنيا والآخرة هي كالعلاقة بين رحم الأم وهذه الدنيا. فالوليد حين يخرج إلى هذه الحياة، إنما يجيب على أسئلة الدنيا بسلامة أعضائه أو اعتلالها. فالمولود الذي يمتلك يدين سليمتين، يكون في واقع الأمر قد أجاب إجابة كاملة وصحيحة على حاجة الدنيا إلى الأخذ والإمساك بالأشياء. أما المولود الذي يفقد إحدى يديه أو كلتيهما، أو يعاني نقصاً أو زيادة في أصابعه، فإنه لم يجب على هذا السؤال إجابة صحيحة وكاملة. والأمر سيان بالنسبة لبقية أعضاء الجسد. وعليه، فإن الأسئلة والأجوبة في أي من ولاداتنا ليست شفهية، بل هي ذات طبيعة تكوينية؛ فإنما الوليد يجيب في حقيقة الأمر على أسئلة الدنيا بأعضائه السليمة أو العليلة.
وعلى المنوال نفسه تماماً، تتجلى شهادة النفس عقب دخولنا إلى عالم البرزخ. فالباطن الذي شكلناه في دنيانا هذه، بما انطوى عليه من علاقات، وخيارات، وسلوكيات، وأفكار، هذا الباطن بعينه ينكشف في البرزخ جلياً واضحاً. وهكذا، فإنه دونما حاجة إلى نطق بلسان أو إفصاح ببيان، تجيب النفس عن كل ما يوجه إليها من أسئلة في ذلك المقام؛ بل إنها لتقر بنفسها، وبصريح ذاتها، عن كنه حالها، فتبين ما إذا كانت في عافية أو ضعف أو اعتلال. وإنما صحيفة الأعمال ليست سوى كناية عن ذلك الباطن أو تلك النفس التي استودعت كل شيء وسجل فيه كل أمر. ولهذا، فإنه يقال لنا يوم القيامة خطاباً وتذكيراً: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [1]
بناءً على ما ذكرناه، فإن مدى توافقنا أو عدم توافقنا مع أحوال العالم الآخر يتحدد منذ لحظة ولادتنا فيه، وهذا هو عين ما نعنيه بشهادة النفس على ذاتها. فكما أن الأصابع الزائدة للمولود بستة أصابع تشهد على خلل في سلامة جسده في هذه الدنيا، فإن سلامة بنيتنا النفسية أو عدم انطباقها مع طبيعة الآخرة ستشهد علينا كذلك. [2]وعليه، فإنه في شهادة النفس لا مجال لأي عذر أو تبرير، بل يمكن القول إننا بأنفسنا سنوقع الحكم على أنفسنا! وبعد أن تبين لنا كيفية شهادة النفس، يثور السؤال عن المقياس أو المعيار الذي يُحدد سلامة النفس أو اعتلالها.
میزان و معیار سلامة النفس
نحن بحاجة إلى مقياس أو معيار لتقييم كل شيء، والأمر ذاته ينسحب على محاسبة النفس. والمعيار الذي نزن به سلامة النفس هو الروح أو القلب السليم الذي يمتلك من الصفات والخصائص ما يجعله متوافقاً مع نعيم الجنة، ومجهزاً بالزاد الروحي الضروري للحياة في الآخرة. وهذا المعيار يشبه إلى حد كبير الميزان الذي نستخدمه لتقييم صحة الوليد الجديد؛ فالمعيار هنا هو اكتمال النمو الجسدي له، بحيث يكون قادراً تماماً على التكيف مع متطلبات الحياة الدنيا.
الروح أو القلب السليم هو الروح أو القلب الذي يتواءم مع الآخرة، ويحمل معه الإجابات الصحيحة لكل بنيانها. وكما تعلمنا في دروس سابقة، فإن صاحب الروح السليمة هو من وصل إلى حقيقة “لا إله إلا الله”، أي أن إلهه ومعبوده الحق هو الله وحده. ونتيجة لذلك، فإن منظومة محبته تضع ثلاثة معشوقين في المقام الأول، وهم: الله عز وجل، وأهل البيت عليهم السلام، والجهاد في سبيل الله، وذلك بالمقارنة مع جميع محبوبات النفس الأخرى سواء كانت جمادية أو نباتية أو حيوانية أو عقلية. فكلما كانت أرواحنا أكثر تناسباً مع ميزان “لا إله إلا الله” و وحقيقتها، كانت صحتنا الروحية أعلى وأكمل. وقد وصف الله سبحانه وتعالى الميزان في القرآن الكريم بأنه الحق؛[3] والحق هو الإنسان الكامل الذي يولد في الآخرة بأتم صورة وأعلى الاستعدادات الممكنة.
في هذا الدرس، تناولنا مفهومي “شهادة النفس” و”معيار سلامة النفس”. وأوضحنا أن السؤال والجواب في الآخرة ليس شفاهيًا، بل هو حالة تكوينية كامنة في طبيعة الوجود. فكما أن المولود الجديد يجيب بوضعه الجسدي عند ولادته على متطلبات الحياة الدنيا، فإن النفس الإنسانية، عند مفارقتها هذه الدار وولادتها في عالم الأبدية، تجيب بحالها على أسئلة ذلك العالم. وبعبارة أخرى، فإن الانسجام أو عدم الانسجام مع الجنة هو عين “شهادة النفس”. أما الميزان الذي نزن به سلامة هذه النفس، فهو امتلاك “القلب السليم” أو “الروح السليمة”؛ ذلك القلب العاشق لله وحده، والذي يخضع له في حبه كل محبوب سواه، تحت سلطان المحبوب الحق، جل جلاله.
[1]« (سورة الإسراء، الآية 14)
[2]«يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (سورة النور، الآية 24)
[3] «وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ» (سورة الأعراف، الآية 8)