اكتشاف القوانين الخفية للنفس من خلال قوانين الكون
لقد أوضحنا في دروس سابقة أن نظام الكون يقوم على أسس رياضية دقيقة وقوانين محكمة وحسابات بالغة الإتقان، وأن الإنسان يمثل محور هذا النظام بأكمله. بمعنى آخر، فإن قوانين هذا العالم وكل ما يحتويه قد صُمِّم وأُبدِع بناءً على طبيعة النفس الإنسانية ولخدمتها؛ فالحقيقة أن الله سبحانه وتعالى خلق الروح أولاً، وهي الجوهر الحقيقي للوجود الإنساني، ثم انبثقت منها جميع مخلوقات الكون. ونتيجة لذلك، تربطنا نحن البشر علاقة وجودية عميقة بالكون الفسيح وبكل كائن فيه، فلا يوجد مخلوق غريب عنا أو منفصل عن وجودنا، وإن كنا لم ندرك بعد تمام الإدراك طبيعة هذه العلاقة وكيفيتها.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في محكم التنزيل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)[1]
عندما يستمع فرد واع إلى هذه الآية الكريمة، أو بالأحرى، عندما يستقبل هذه الشفرة الربانية، فإنه منذ تلك اللحظة ينظر إلى كل شيء من خلال ذاته وفي سياق علاقته به؛ لأنه يعي تمام الوعي أن الله سبحانه وتعالى قد خلق كل ما في الأرض لأجله. وتبعاً لذلك، فإننا نحن البشر قادرون على بلوغ مقام نسخّر فيه الوجود بأكمله ونستفيد من جميع عطاياه ومواهبه تسخيراً كاملاً. وكما يؤكد الخالق عز وجل في قوله( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ)[2]
مع كل هذه التفاصيل التي ذكرناها، ونظراً لكون معرفتنا بقوانين النفس قاصرة، إذ ندرك بعضها ويظلّ الكثير منها مجهولاً، فإن من أسمى أوجه الانتفاع بعالم الخلق أن نستنبط من القوانين والصيغ الحاكمة له، تلك القوانين الخفية التي تحكم النفس الإنسانية.
الكشف عن القوانين الخفية للنفس
لقد أشرنا إلى وجود انسجام وترابط وثيق بين قوانين النفس البشرية وقوانين الكون الفسيح؛ إذ إن الكون بأسره قد صِيغ بناءً على الرياضيات الخاصة لنفوسنا، وأن قوانين النفس متأصلة في نسيج الوجود وقوانين الخلق. وعليه، فإن استكشافنا للعالم الخارجي يتيح لنا فهم أعماقنا وقوانين النفس التي لا نزال نجهلها. بعبارة أخرى، إن الاستفادة من قوانين الكون المرئية والملموسة هي سبيل ميسر للوصول إلى تلك القوانين النفسية الخفية.
فعلى سبيل المثال، كما نشاهد في الطبيعة كيف أن الأشجار التي دخلت في سبات شتوي عميق تهتز وتستيقظ مع هبوب موجة دافئة في ذروة البرد، يحدث الأمر ذاته في النفس الإنسانية. فعندما يغرق الإنسان في غفلة أو يرتكب ذنوبًا لفترة طويلة، قد يواجهه فجأة حدث أو ابتلاء يهز كيانه ويدفعه إلى التذكر والعودة إلى الله.
وفي مثال آخر بالغ الدلالة، وكما أثبتت أبحاث البروفيسور الياباني ماسارو إيموتو، فإن المفاهيم الميتافيزيقية تؤثر على بنية جزيئات الماء تأثيرًا ملحوظًا، وهذا التأثير يمتد ليشمل بنية نفوسنا أيضًا. فقد كشفت هذه الدراسات الواسعة والموثقة عن تأثير عميق ومثير للتأمل للمفاهيم الميتافيزيقية على جزيئات الماء وتكوين بلوراته. فعلى سبيل المثال، مياه متدفقة حديثًا من ينابيع وفي قلب الجبال، نظرًا لعدم تعرضها للأفكار السلبية للبشر، تكوّن بنى جزيئية وبلورات ذات تصاميم هندسية بديعة. أما المياه الجارية التي تمر عبر المدن وتتعرض لغالبية أفكار سلبية للناس، فتُظهر بلورات مشوهة وغير منتظمة وقبيحة. وقد أظهرت نتائج أخرى لهذه الأبحاث العلمية تأثيرًا مذهلاً للدعاء على جمال جزيئات الماء، وشكلاً بديعًا للبلورات بعد الاستماع لتلاوة القرآن الكريم، بالإضافة إلى التأثير الإيجابي أو السلبي لأنواع الموسيقى المختلفة، والكتابات والعبارات الإيجابية والسلبية، وأسماء الشخصيات الحسنة والسيئة على شكل بلورات الماء.
وهذه التأثيرات نفسها تنطبق على النفس البشرية؛ فإذا تأملنا في حياتنا، سنجد أننا نشعر بطاقة إيجابية وراحة داخلية عندما نكون في بيئة مليئة بأشخاص صالحين، متفائلين ومليئين بالحيوية. وعلى العكس، إذا تواجدنا في محيط من الأشخاص القلقين، الغاضبين، الحاقدين أو سريعِي الانفعال، فإننا نشعر بإحساس سلبي وانقباض داخلي وطاقة سلبية. كما أن التأثير الإيجابي للقرآن والدعاء والمناجاة، أو التأثير المختلف الذي تحدثه الكتب أو الموسيقى المختلفة في نفوسنا وحيويتنا الروحية، أمر لا يمكن إنكاره.
النقطة المهمة والرئيسة هنا هي أننا لن نتمكن من كشف القوانين الخفية للنفس ما لم نكن من أهل التأمل والتفكر، وألّا نقع في فخ حجاب العادة الذي يحجب بصيرتنا. فالعالم من حولنا مليء بقوانين ونواميس إلهية يمكن أن تكون مفاتيح لفهم أسرار النفس، إذا ما كنا نمتلك الوعي الكافي لرؤيتها واستيعابها.
في هذا الدرس، تناولنا كيفية اكتشاف القوانين الخفية للنفس من خلال قوانين عالم الخلق، وشرحنا أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون بأسره من أجلنا وخدمة لنا، ولهذا يوجد ارتباط عميق بين قوانين نفوسنا وقوانين الكون بأكمله. يجب أن تكون نظرتنا إلى الكون بأكمله نظرة تعلم واستلهام، بحيث نستطيع أن نتعلم من كل مخلوق وقانون في هذا الوجود، وأن نستنبط منها قوانين النفس الخفية.
[1] . سورة البقرة، الآية 29
[2] . سورة الجاثية: الآية 13