ما هو سبب النفور من الدين؟ ولماذا يعاني المنقطعون عنه فراغًا روحيًا؟

جدول المحتويات
ما هو سبب النفور من الدين؟ ولماذا يعاني المنقطعون عنه فراغًا روحيًا؟

 النفور من الدين: جذوره وتداعياته

لقد أدركنا في دراسات سابقة أن الإنسان مفطور على التدين ومحبة الحق، وأن هناك علاقة وجودية وفطرية بينه وبين الدين الحق؛ فالدين يتماشى تمامًا مع الفطرة التي تشكل جوهر وجود الإنسان. لكن السؤال هو: إذا كان الدين، والتوحيد، والميل نحو الخير متجذرة في طبيعة الإنسان، فلماذا نشهد نفورًا لدى البعض من الدين، بل وامتعاضًا من مجرد قبوله؟ كيف ينقلب الشغف الفطري بالدين، والارتباط التكويني بمفاهيمه، إلى جفاء ونفور؟

مما لا ريب فيه أن صميم الدين الحق لا يحمل في طياته ما ينفر النفس أو يستدعي الإعراض، فتعاليمه السمحة وأحكامه الرشيدة تتناغم مع فطرة الإنسان السوية وتسعى جاهدة لتحقيق سعادته ورفاهه. ولو أُتيح للناس سبيلٌ إلى إدراك حقيقة المعارف الدينية الأصيلة والغوص في أعماقها، لما وجدوا فيها ما يستدعي النفرة أو الإحجام. بيد أن ظاهرة النفور من الدين لها جذور وأسباب متشعبة، ينبع بعضها من مؤثرات خارجية وبيئية واجتماعية، كأن يشوب سلوك بعض المنتسبين إليه شائبة، أو أن تبث دعايات مغرضة تسعى لتشويه صورته، أو أن تُحاك مؤامرات من خصومه لتحريفه عن مساره القويم. غير أن هذه العوامل الخارجية ليست وحدها المسؤولة عن هذه الظاهرة، بل هنالك أيضًا بواعث داخلية وشخصية قد تفوق الأولى تأثيرًا؛ فالشخص الذي يرتقي إلى مدارج النضج الفكري والروحي سيصبح عصيًا على المؤثرات الخارجية، ولا يسهل على أي عارض أن يزعزع يقينه الراسخ.

الدافع الأبرز لنفور البعض من الدين هو تعارضه مع أهوائهم النفسية ورغباتهم. فكثير ممن يعادون الدين، لا يجدون في حقيقته إشكالات عقلية أو منطقية جوهرية، بل يستشعرون أن تعاليمه تقف حائلًا دون إشباع شهواتهم المادية وملذاتهم العاجلة. والسبب في هذا التصادم تكمن في عدم إدراك هؤلاء الأفراد لحقيقة وجودهم العميق، وبالتالي يعرفون أنفسهم كنساء أو رجال بميول أنثوية أو ذكورية واحتياجات مادية محدودة فقط، غافلين عن جانبهم الإنساني و ما وراء العقلي. فالمشكلة الرئيسية في عدم قبولهم للدين تكمن في أنهم يتجهون نحو الدين دون فهم مسبق لحقيقتهم الإنسانية، يعجزون عن استيعاب العلاقة بين تعاليم الدين ووجودهم. بينما لو خاضوا رحلة استكشاف الذات وتعمقوا في معرفة نفوسهم، لاكتشفوا أن الدين ليس قيدًا يكبل حريتهم، بل هو سبيل قويم نحو التحرر الروحي والنضج الإنساني، وأن الالتزام بتعاليمه ليس عبئًا ثقيلاً، بل هو تجربة فريدة تمنحهم السعادة الحقيقية والطمأنينة الأبدية.

في هذا الدرس، سنناقش كيف تتشكل علاقتنا مع الدين، والدور الذي تلعبه الفطرة والطبيعة الإنسانية في بناء علاقة صادقة أو غير صادقة مع الله، وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تدفعنا إما نحو التدين أو النفور منه.

العلاقة الفطریة الصادقة مع الله

كثيرون منا، على الرغم من رسوخ إيمانهم بالدين الحق، يجدون أنفسهم في خضم صراعات داخلية وتناقضات محيرة تعترض سبيل حياتهم. والعلة في ذلك تكمن في ازدواجية المشاعر في قلوبنا، حيث يتصارع الحب والكراهية، ونفتقر إلى الصدق مع ذواتنا ومع خالقنا. وكما أسلفنا، فإن دين الله يتناغم تمامًا مع فطرتنا السوية. فإذا أُتيح لنا أن نبلغ معرفة حقيقية بأنفسنا، وأن ننظر إليها من منظور إلهي يمتد بامتداد الأزلية، لأدركنا يقينًا أن الدين يتماشى جوهريًا مع البنية الوجودية للإنسان.[1]

بعبارة أخرى، عندما نقترب من الدين بفطرةٍ نقيةٍ وباحثةٍ عن الحقيقة، بعيدًا عن التعصب أو الأهواء الشخصية، سنجد فيه انعكاسًا لجوهرنا الإنساني، وسنتقبّل تعاليمه بمحبةٍ وشغفٍ، لا بضغطٍ وإكراه. عندها، ستنشأ بيننا وبين الله والدين علاقةٌ صادقة، تجعلنا نمتثل لأحكامه بسهولةٍ وطمأنينة، دون أن نشعر بأنها تقييدٌ أو عبءٌ ثقيل. حتى لو كنا نعيش في بيئةٍ غير إسلامية، حيث لا يُفرض الالتزام بأحكامٍ مثل الحجاب أو اجتناب الخمر وغيرها، سنظل متمسكين بهذه التعاليم، وسنقاوم كل الإغراءات التي تدفعنا إلى تجاوز حدود الله، لأننا أدركنا أن الدين ليس مجرد أوامر ونواهٍ، بل هو سرُّ الطمأنينة والحياة الحقيقية.

قد يبدو الأمر صعب التصديق، لكن هناك العديد من الشواهد التي تثبت ذلك. فكثيرٌ من الأشخاص الذين نشأوا في بيئات غريبة عن الدين، وخاضوا تجارب مختلفة من المتع الحسية، إلا أن فطرتهم النقية الباحثة عن الحقيقة دفعتهم في لحظة فارقة من حياتهم إلى الشعور بفراغ روحي عميق، ليجدوا ملاذهم الأخير في رحاب الدين. فقد اكتشفوا أن كل تلك اللذات التي سعوا وراءها لم تستطع إشباع أرواحهم التواقة إلى ما هو أسمى، وأدركوا أن السكينة الحقيقية لا تُنال إلا بالسير في طريق الفطرة. وعندئذٍ، هيّأ الله لهم أسباب الهداية و يسّر لهم سبلها.

العلاقة الطبيعية غير الصادقة مع الله

تبدأ صعوبة الالتزام بأحكام الدين حين يفتقد الإنسان الصدق وينطلق الإنسان في علاقته بالله من منطلق زائف، متجاهلًا الأسس العقلية والفطرية الراسخة. فمن هنا ينشأ الصراع مع الدين، وتتوالد التساؤلات التي تشكك في أحكامه، حتى يصل الأمر ببعض المتدينين ظاهريًا إلى تأليف كتب ومقالات ضد الدين. يسعى هؤلاء إلى تفسير أحكام الدين وتعاليمه الفطرية بمنظور دنيوي محض، متناسين أن الطبيعة المادية لا تدرك لغة الفطرة الروحية. وجدير بالذكر أن حتى الأحكام التي تبدو طبيعية في الإسلام، كالأمور الجنسية والعلاقات بين الرجل والمرأة والزواج والإرث، هي في جوهرها فطرية؛ لأن نظرة الله إلينا هي نظرة إلى أفق الأبدية. لذا، إذا لم يكن الإنسان متناغمًا مع فطرته، وحاول الاقتراب من الدين بمعزل عنها، فلن يتمكن من فهم الأحكام فهمًا صحيحًا، ولن يصل إلى حالة الانسجام الروحي معها. عندئذٍ، تبدأ جذوة الفطرة في داخله بالخمود، حتى تكاد تنطفئ. إن التظاهر بالتدين، دون أن ينعكس ذلك في أسلوب الحياة والسلوكيات، هو دليلٌ واضح على غياب الانسجام بين الإنسان وفطرته. فكم من أشخاصٍ يدرسون العلوم الإسلامية في الجامعات والمعاهد الدينية، غير أنه لا يعكس نمط حياتهم وشخصياتهم أدنى انسجام مع تخصصهم الأكاديمي! والسبب في ذلك أنهم اكتسبوا معرفةً نظرية فحسب واكتفوا بجمع المعلومات، دون أن تتحول هذه المعرفة إلى جزءٍ من كيانهم الداخلي ولم يرتقوا بها إلى مرتبة الملكة الراسخة في نفوسهم؛ بمعنى آخر، لم يستوعبوا هذا العلم بعمق في فطرتهم، ونتيجة لذلك، يعجزون عن التلذذ بحلاوة الدين والشعور ببهجته وسلامه الداخلي. مثل هؤلاء الأشخاص، عندما يعجزون عن تحقيق التناغم بين إيمانهم الفطري والتزامهم الظاهري، قد ينتهون إما إلى النفور من الدين أو إلى معاداته. فلنتذكر دائمًا أن النفور من الدين ليس في حقيقته إلا نفورًا من الذات، أو بالأحرى، هروبًا من الفطرة السوية التي فُطرنا عليها.

في هذا الدرس، ناقشنا أولًا أسباب وعوامل النفور من الدين، ثم أوضحنا أنه إذا توجهنا إلى الدين بفطرةٍ نقية، خالية من أي تحيزات أو أهواء شخصية، فإن علاقتنا بالله ستكون صادقة، مما يجعل قبول الدين وأحكامه أمرًا طبيعيًا وسهلًا بالنسبة لنا. ولكن إذا تعاملنا مع الدين من منطلق طبيعتنا المادية وغرائزنا دون انسجامٍ مع فطرتنا، فلن تكون علاقتنا مع الله صادقة، مما قد يؤدي بنا في النهاية إلى النفور من الدين أو حتى معاداته.


[1] . سورة الروم، الآية 30

اكتب رأيك