ما هو سرُّ الارتقاء الروحي واكتساب الملکات الإنسانية؟

جدول المحتويات
ما هو سرُّ الارتقاء الروحي واكتساب الملکات الإنسانية؟

كيف يمكن تحقيق الارتقاء الروحي؟

يعتبر النماء والارتقاء غایة البشر الأزلیة، ومقیاس النجاح فی کل مناحی الحیاة. کل منا یسعى للنماء والتقدم فی مجالات مختلفة، حسب شغفه وحاجته. فمنا من یطلب التوسع المالی، ومنا من ینشد التقدم فی عالم الفن. ولبعضنا جمال الجسد والوجه غایة، ولآخرین ارتقاء المنصب والمهنة هدف. كما أن هناك من يطمح للتقدم في المجال العلمي والدراسي. وفوق کل ذلک، ثمة من یسعى إلى النماء والارتقاء الروحي كأسمى أشكال التطوّر الإنساني. بما أن حقیقة الإنسان هی جوهره الإنسانی، أو جانبه ما وراء العقلي، ولأننا مقبلون على حیاة خالدة، فإن أهم ما یجب أن یشغلنا هو النماء الروحی واکتساب الملكات الإنسانیة. فعلينا أن نسعی إلى اقتراب من الله من خلال التحلي بصفات إلهیة وتحقيق قلب سلیم يوما بعد يوم. وینبغی أن یکون النماء والارتقاء فی بقیة المجالات وسیلة لارتقائنا فی هذا المضمار. فيعتمد سعادتنا الداخلیة في الدنیا، والنعیم فی الآخرة، على ما نملک من ملكات إنسانیة، وعلى مدى اقترابنا من أسماء إلهية. والسؤال هنا: كيف يمكننا تحقيق النمو الروحي؟ كما نعلم، فإن المعرفة هي الأساس الأولي لكل تطور ونمو. فالعلم الذي نكتسبه في أي مجال هو الذي يتحول، بالتدرج عبر مراحل معينة، إلى وعي و ملكة وبصيرة حقيقية، مما يؤدي في النهاية إلى النمو الروحي. والمفتاح الأساسي لهذه العملية هو الممارسة المستمرة والتكرار الواعي، وهو ما سنتحدث عنه في هذا الدرس.

الممارسة المستمرة: سر أساسي للارتقاء الروحي

في الدروس السابقة، أوضحنا أن تحقيق الثراء في مختلف جوانب الوجود وأي مجال من مجالات الحياة لا يكتمل بمجرد اكتساب المعرفة والمعلومات، بل يتطلب الانتقال إلى مرحلة التطبيق العملي. فالممارسة هي التي تحول المعرفة والعلوم إلى مهارة حقيقية وثروات قابلة للاستثمار، إذ تبقى المعرفة مجرد مخزون ذهني جامد ما لم تتحول إلى تطبيق فعلي. وبدون هذا التطبيق، تظل عاجزة عن إحداث تأثير فعّال، أو توليد قدرة حقيقية، أو الإسهام في أي مسار من مسارات النمو والتطور.

إن التطبيق العملي للمعرفة هو الذي يحوّل الإدراك إلى ملكةٍ حقيقيةٍ وثروةٍ ذات قيمة؛ إذ إن العلم، إن لم يُجَسَّد في الفعل، يظلّ مجرد مفهومٍ نظريٍّ عاجزٍ عن توليد القوّة، أو تمكين الإنسان من القدرات الفعلية، أو تحقيق أي شكلٍ من أشكال التقدّم والتطوّر. والارتقاء الروحي واكتساب الثروة في البُعد الإنساني لا يشكّلان استثناءً لهذه القاعدة. ولكن، يمكن لكل ممارسة، بغض النظر عن ظروفها، أن تقودنا بالضرورة إلى هدفنا؟ بالطبع لا. فلا يمكن لأي مهارة أن تصبح جزءًا من كياننا دون التكرار والاستمرارية. تمامًا كرياضي رافع الأثقال الذي يمضي أعوامًا طوال في التدريب المتواصل ليتمكن من حمل الأوزان الثقيلة، فإن النمو الروحي واكتساب الصفات الإنسانية النبيلة والتحلي بأسماء الله الحسنى لا يتحقق بمجرد فعل عابر أو جهد مؤقت في هذه نادي الحياة الدنيا؛ إذ إن الأثر الحقيقي لا يترسخ في نفوسنا إلا من خلال ممارسة مستمرة، وهذا أمر واضحٌ تمامًا. نحن لا نطلق صفة معينة على شخص ما إلا إذا تجسدت فيه هذه الصفة قولًا وفعلًا على الدوام، حتى تصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته. على سبيل المثال، فالكريم حقًا هو من يستمِر عطاؤه وجوده على الناس في كل حين، لا من يبدي كرمًا متقطعًا، والستّار بحق هو من نشهد ستره وعفوه في مختلف المواقف والظروف الحياتية. وبنفس الطريقة، لا يمكن اكتساب الصفات الإلهية إلا عبر ممارستها في مختلف لحظات الحياة وظروفها المتنوعة. إنها دعوة إلى جعل العمل جزءًا من روتيننا اليومي، وإلى المثابرة في طلب الكمال والرقي، فبغير الاستمرار لا يتحقق المراد ولا يرسخ البنيان.

لا يُكتسب أيٌّ من أسماء الله الحسنى أو صفاته العُليا إلا من خلال الممارسة المنتظمة والتكرار المستمرّ لها في مختلف لحظات الحياة ومواقفها المتنوعة. فعلى سبيل المثال، لا يتحلّى الإنسان بالحلم بين ليلة وضحاها، بل مرّ بتجارب عديدة ومارس الحلم في مواقف مختلفة حتى ترسخت هذه الصفة في شخصيته. الزواج، تربية الأبناء، مواجهة الأمراض، التعامل مع النعم، تحمل الصعوبات والمحن، كلها محطاتٍ تدريبية للنمو الروحي والتقرب من الله، والتشبّه بصفاته السامية. في الواقع، يمكننا القول بلا مبالغة إن كل لحظة في حياتنا هي فرصة للنمو والتطور لنستغل الفرصة لاكتساب المزيد من الفضائل والارتقاء الروحي. وكما أن الفرخ داخل البيضة لا يستطيع الخروج إلا بعد طرق مستمر على قشرتها حتى يكسرها، فإن الإنسان لا يمكنه فتح أبواب القرب من الله إلا من خلال الممارسة المستمرة والاجتهاد الدائم في اكتساب صفات إلهية. وكلما اجتهدنا في استيعاب المزيد من أسماء الله الحسنى وتمثلها في حياتنا اليومية، ازددنا قربًا منه، خطوة بعد خطوة.

عقبات اكتساب ملكات روحية

قد تعترض طريقنا جملة من العوامل والمعوقات في مسيرتنا نحو الارتقاء الروحي والإنساني، يمكن إجمال أهمها في صنفين رئيسيين: غياب معرفة النفس والكسل والملل.

يمثل الجهل بحقيقة الذات عائقًا جوهريًا يحول دون الانطلاق والاجتهاد والممارسة الضرورية لاكتساب ملكات إنسانية ومعرفة حقيقية. طالما لم ندرك حقيقة كياننا، أي بُعدنا ما وراء العقلي أو الإنساني، لن تتولد لدينا رغبة صادقة وشوق حقيقي للأنس والقرب من معشوقنا الأزلي، الله جل جلاله، والسعي نحو امتلاك قلب سليم.

  • داء الكسل والملل

يشكل الكسل والملل آفة أخرى فتاكة تعيق سبيلنا نحو التخلق بالصفات الإلهية والنمو الروحي. هذان العدوان اللدودان يحولان بيننا وبين العمل بمقتضى ما نعلم، والمداومة على التمارين الروحية وتكرارها. ولكي نتجاوز هذه العقبة، يصبح من الضروري إعادة ترتيب أولوياتنا وتحديد محبوباتنا الأسمى، واستحضار ذكر الموت كحقيقة لا مفر منها، فهذه العوامل كفيلة بأن تدفعنا إلى نبذ الكسل والفتور والانطلاق بجد نحو مدارج الكمال.

تطرّقنا في هذا الدرس، إلى أهمية الممارسة المستمرة والاستمرار في العمل، باعتبارهما المفتاح الأساسي لتحقيق النموّ الروحي واكتساب الثروة الإنسانية. إن امتلاك المعرفة والمعلومات وحده لا يكفي لمنحنا القوة والقدرة، بل إن تفعيل هذه المعرفة وتطبيقها عمليًا هو السبيل الحقيقي للنموّ، وتحقيق الكمال، واكتساب الثروة الروحية. ومع ذلك، فإن النقطة الأهم هنا هي أن الممارسة العابرة لا تؤتي ثمارها؛ وإنما يتطلّب الأمر تمرينًا مستمرًا وتكرارًا متواصلًا لترسيخ هذه المعارف وتحقيق نتائج ملموسة. تمامًا كما أن الرسّام، أو النجّار، أو المهندس، أو الطبيب، أو الرياضي، لا يمكنه اكتساب المهارة أو تحقيق الثروة المهنية دون التمرين والتكرار وتطبيق ما تعلّمه عمليًا، فإننا نحن أيضًا، في بُعدنا ما وراء العقلي، لا يمكننا بلوغ الثروة الروحية والقلب السليم دون العمل بمعلوماتنا ومعارفنا، وممارسة التدريبات المستمرة. إن غياب معرفة النفس والوقوع في براثن الكسل والفتور، يعد من أبرز العقبات التي تعترض طريقنا نحو اكتساب الملكات الروحية وتنميتها.

اكتب رأيك