دراسة ومقدمة حول مفهوم “ كل نفس بما كسبت رهينة”
من السنن الكونية الراسخة التي أرسى دعائمها الحق تبارك وتعالى في نظام الخلق، أن عمل المرء، خيرًا كان أم شرًا، سيصبح قرينه الأبدي، وملازمه السرمدي. وفي يوم القيامة، يُحشر كل إنسان بباطن عمله، لا بظاهره. وبعبارة أخرى، الإنسان رهن أعماله، ومصيره كله من صنعها.
لا يخفى على ذي لبٍّ ما للمكتسبات المادية، من مآكل ومشَارِب، من تأثير بالغ في سلامة الجسد وقوامه؛ فالمأكولات الدهنية، على سبيل المثال، تزيد من شحوم البدن، والمشروبات السكرية تغذي الجسم بسعرات حرارية فائضة. وعلى المنوال نفسه، تتجلى هذه الحقيقة في المكتسبات الروحية، إذْ إنَّ ما تراه العيون، وتسمعه الآذان، وتشمّه الأنوف، وما يراودنا من أحلام وخيالات، وما نستحضره من أفكار، كل ذلك يُعدُّ من المكتسبات التي تُسهم في تشكيل النفس الإنسانية وصقلها. وإنَّ حالنا اليوم، ما هو إلا حصاد ما زرعناه في الأمس، فوضعنا الراهن هو نتاج اختياراتنا، وعلاقاتنا، وأفكارنا، وسلوكياتنا السابقة. فكل سلوك يصدر عنا، يُولِّد في النفس حالة أو خُلقًا يتناسب معه، وقد يكون هذا الخلق إيجابيًا بنَّاءً، أو سلبيًا هدَّامًا. وإننا لرهائن ما نكتسبه عبر قنوات الخيال والوهم والعقل وماوراء العقل. [1] وختامًا، فإننا بأيدينا نصنع جنتنا أو نارنا، وذلك بما نكتسبه من خير أو شر. في هذا الدرس، نعتزم أن نغوص في أعماق مفهومٍ جوهريٍّ، ألا وهو “كل نفس بما كسبت رهينة”، ونستجلي العلاقة الوثيقة بين أفعالنا ومكنونات وجودنا، وبين مصائرنا الأبدية في الجنة والنار، وكيفية تشكّل جودة حياتنا الخالدة.
كيفية تأثير المكتسبات على النفس الإنسانیة
یتوقف نمو الجنین وولادته على اکتساب المورثات(الجینات) المنتقلة إلیه من الوالدین. وإلى جانب ذلك، فإن جمیع المأکولات، المرئیات، المسموعات، الأحاسیس، التخیّلات، التفکرات، الأحزان والمسرات، الضغائن والأحقاد، المعنویات، وکل ما تکتسبه الأم أثناء الحمل والرضاعة، ینتقل إلى الجنین، مشکّلاً بذلك بنیته الأساسیة وشاكلته. کما أن الأب، بالإضافة إلى نقل الصفات الوراثیة الخاصة إلى ولده، یؤثر أیضاً من خلال المدخلات التی یقدمها للأم أثناء الحمل والرضاعة.
في الحقيقة لا يوجد هناك اكتساب غير مؤثر، فكل ما يلج إلى بنية وجودنا يستحوذ على النفس ويؤثر فيها تأثيراً بالغاً. وبتعبير آخر، الإنسان رهين عمله، وحالنا الراهنة ما هي إلا نتاج مكتسباتنا الماضية. ولكل جزء من أجزاء وجودنا، سواء أكان حساً أم خيالاً أم وهماً أم عقلاً أم ماوراء العقل، له مكتسباته الخاصة؛ فالألوان والصور والروائح والملامس بأنواعها، جميعها تترك بصماتها على النفس. فعلى سبيل المثال، رؤية لون معين تبعث فينا البهجة، بينما قد يثير لون آخر فينا الحزن والغضب، وكذلك الروائح، فإن الزكية منها تنعش النفس وتجدد حيويتها. أما الأفكار والتخيلات، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، فلها آثارها الخاصة على النفس.
من الأهمية بمكان أن ندرك أن مكتسبات كل مرتبة من مراتب وجودنا تؤثر تأثيراً بالغاً في المراتب العليا. فما تستخلصه الحواس يترك بصمته على الخيال، وما يختزنه الخيال ينعكس على الوهم، وما يتوصل إليه الوهم يصب في العقل، وما يبلغه العقل يؤثر في القلب أو ما وراء العقل.
إنّ المرء الذي يغفل عن صيانة سمعه وبصره، لا يستطيع أن يُرسّخ في ذهنه تصورات روحانية سامية، بل يقع أسيراً لتخيلات مشوبة بالدنس. وإذا ما تلوثت هذه التخيلات، سرعان ما تتشوه الأوهام، وتتبعها المعقولات والأفكار الزائفة. وكثير من مخاوفنا وقلقنا تنبع من هذا الأصل. لنضرب مثالاً على ذلك: نعلم جميعاً أنّ الجثة جسد هامد لا يملك القدرة على إلحاق الأذى، ومع ذلك، يرتعد الكثيرون خوفاً من البقاء بمفردهم مع جثة. ذلك لأنّ قوة الوهم لديهم قد غلبت على عقلهم، فمع أنّ عقلهم يُدرك عدم خطورة الميت، إلاّ أنّهم يخشون الخلوة به. لا يقتصر تأثير قوة الوهم على العقل فحسب، بل يمتدّ ليشمل الإيمان والاعتقاد القلبي. فكم منّا يؤمن في قرارة نفسه أنّ الصدقة تُنمّي المال، لكنّنا نتردّد عند الإنفاق، لأنّ قوة الوهم قد تلوثت بخوف زائف، فأوهنت بذلك دعائم الإيمان.
على هذا المنوال، فإن أرواحنا وأفئدتنا رهينة لما تكتسبه وتستوعبه من خير وشر عبر الحواس والخيال والوهم والعقل وما وراء العقل. فإذا ما اتسمنا الآن بحدة الطبع وسرعة الانفعال والكسل والاضطراب، فإنما هو نتاج لأفكارنا وخياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا، وبكلمة جامعة، هو حصيلة ما اكتسبناه في الماضي.
الجنة والنار: تجليات النفس أم حقائق خارجية؟
لقد شغلت قضية الجنة والنار أذهان المفكرين والعلماء على مر العصور، وتعددت الآراء حول طبيعة العلاقة بينهما وبين أفعال الإنسان. فهل هما مكانان مخلوقان مسبقًا ينتظران الإنسان بعد الموت، أم أنهما تجليات داخلية للنفس تتشكل وفقًا لأفعالها؟ هل أنواع العذاب واللذات الموجودة في الجنة والنار هي تجليات للنفس، أم أنها واقع منفصل عنها؟
تتّضح الإجابة عن التساؤلات المطروحة جلياً في ضوء ما تم بيانه سابقاً، إذ أن الإنسان رهنٌ بأفعاله، فلا انفصال بين العمل والجزاء المترتب عليه. وبعبارة أخرى، فإن سعادة الإنسان أو شقائه، ودخوله الجنة أو النار، ما هي إلا انعكاس لأعماله الدنيوية. فنحن في هذه الحياة الدنيا نعيش في كنف تجليات ذواتنا، وكذلك الجنة والنار، ليستا سوى تجسيد لأفعالنا. فكل ما نلقاه من نعيم أو عذاب في الآخرة هو نتاج ما اكتسبته أفكارنا وجوارحنا في هذه الدنيا. فليس الله سبحانه وتعالى هو من يهيئ لنا الجنة والنار، بل نحن من يشيدها بأعمالنا. فكل فرد منا قادر على بناء جنةٍ دائمة النعيم، أو نارٍ لا تنتهي عذابها.
إننا، في جوهر الأمر، نجني ثمار ما اكتسبته أيدينا. فكل ما نكتسبه من خبائث ودنايا، إنما يلوث نفوسنا ويدنسها. ومن تلوثت مكاسبه، لا يجد في الطاهرات النيرات متعة، بل إن روحه لتستطيب الخبائث، وتألفها، لما بينها من سنخية ومشاكلة.
إن النفوس الطاهرة تتوق إلى الصفاء، والقلوب الملوثة تهوى الآثام. فمن يغذي فكره ووجدانه بمفاسد الظنون، وسموم الحسد، وأحقاد الضغينة، وفظاظة الأخلاق، لا يجد إلى السعادة والسكينة سبيلًا. وإنما تتجلى بواطننا وتظهر آثارنا بمقدار ما اكتسبناه من خصال، لا بما حوته عقولنا من معلومات. فإذا لم تكن مكاسبنا سليمة نقية، لم يكن لنا عاقبة إلا الزيغ عن الحق وجحده. وكثيرًا ما نعلم قبح فعل من الأفعال، ولكننا لا نملك عنه انصرافًا، بل قد لا نجد في أنفسنا إرادة لذلك. وذلك لأن ما اكتسبناه في سالف أيامنا قد استعبد شخصياتنا، وسلبنا القدرة على السلوك القويم ورد الفعل السديد.
لقد تناولنا في هذا الدرس حقيقة جوهرية، مفادها أن الإنسان رهين بأفعاله، وأن نفسه تستجلب وتكتسب من خلال كل عمل يأتيه، ما يتجلى في نهاية المطاف في صورة جنة أو نار. ففي واقع الأمر، نحن من نصنع جنتنا أو جحيمنا بمكتسباتنا، سواء كانت حسنة أو سيئة.
[1] سورة المدثر، الآية 38