هل يمكن لعبادة عمياء أن تحقق الغاية من خلقنا؟
ألم نتساءل يومًا عن الدافع الحقيقي وراء أفعالنا الصالحة والعبادات؟ هل الله سبحانه بحاجة إلى أعمالنا أو صلواتنا وصيامنا؟ من المؤكد أن غاية العبادة لا تكمن في أداء طقوس جوفاء، كصلاةٍ مجردةٍ من الخشوع، أو ترديدٍ آليٍّ لعبارات وجُمل. ولا شك أن الله غنيٌّ عن عباداتنا، فلو كفر أهل الأرض جميعًا، لما نقص ذلك من عظمته شيئًا. فما هي إذًا غاية العبادة وأعمال الخير؟؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نستعرض مفهوم معرفة الذات، وغاية خلق الإنسان. وكما تعلمنا سابقًا، فإن فإن بُعدنا الإنساني، أو ذواتنا الحقيقية الخالدة هو نفخة إلهية، وحبّنا الفطري للكمال المطلق – أي لله – نابع من هذا البُعد الإنساني العميق داخلنا.
بالتالي، لن تتحقق السعادة الحقيقية والطمأنينة الدائمة – في الدنيا والآخرة –إلا بتحقيق الوصول إلى الله. ووصال المحبوب هنا يعني الاتحاد معه، بحيث لا يكون هناك أي فاصل بيننا وبينه. والوصال هنا لا يعني اتحادًا ماديًا، فالله منزه عن المكان والزمان، بل هو اتحاد روحي، وتقرب إلى صفاته وأسمائه الحسنى.
بعبارة أخرى، التشبّه بالله هو أعلى غاية لخلق الإنسان، وهو الهدف الأسمى الذي وُجدنا من أجله. لذا، ينبغي أن تكون جميع عباداتنا وأعمالنا الخيّرة وسيلة لتحقيق هذا الهدف. بحيث نصبح مرآة تعكس رحمته، كرمه، عفوه، إحسانه، ستره، وجميع كمالاته. فإذا لم تؤثر العبادة في نفوسنا ولم تغرس فينا قيم إلهية، فإنها تصبح عبادة جوفاء، تجهد الجسد دون أن تنير الروح.
يمكننا تشبيه ذلك بشخص التحق بنادٍ لتعلم الفنون القتالية، لكنه لا يرى التدريب مجرد تمارين، بل وسيلة لاكتساب المهارة والتشبه بمدربه. كل حركة وكل تمرين يؤديه داخل النادي يصب في تحقيق هدفه الأكبر. كذلك يجب أن تكون عباداتنا وأعمالنا، لا مجرد طقوس، بل تمارين روحية تُمكّننا من بلوغ الكمال الإلهي واكتساب الصفات العليا. ولكن هل كل عمل خير، أو كل عبادة نؤديها، يقودنا بالضرورة إلى اكتساب المقامات الروحية الرفيعة؟ هل كل بذل وعطاء، وكل صلاة ودعاء، يضمن لنا الوصول إلى تلك الغايات السامية؟
عبادة عمياء مهالدورة
نتوقع دائمًا ممن يظهرون التدين والالتزام بالعبادة أن يتحلوا بأخلاق حسنة وسلوك قويم، لكننا كثيرًا ما نصاب بالدهشة عندما نجد أن الأمر ليس كذلك دائمًا. فما السبب؟ السبب هو أن هؤلاء الأشخاص لا يمارسون العبادة عن معرفة حقيقية أو بهدف التقرب إلى الله، بل هم منشغلون بمظاهرها وشكلها الخارجي فقط، غافلين عن جوهرها وروحها. لذا، فإن عباداتهم تصبح عبادات عمياء بلا أثر حقيقي، بل قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية. خذ مثلاً شخصًا محافظًا على الصلاة، لكنه سريع الغضب، كثير التكبر، يعاني من الحسد، أو يتصرف بعدوانية تجاه الآخرين. هذا يدل على أن صلاته لم تمنحه أي زادٍ روحي أو قوة داخلية، لأنها لم تحقق هدفها الأساسي: بناء النفس، واكتساب المعرفة، والسمو بالروح نحو العبودية الحقيقية.
بل إن حالنا في الآخرة سيكون انعكاسًا مباشرًا لما اكتسبناه من صفات إلهية في الدنيا. تمامًا كما أن الجنين في رحم أمه يحتاج إلى أعضاء سليمة ليتمكن من العيش بعد الولادة، فإن الإنسان في الدنيا يحتاج إلى اكتساب الصفات الروحية اللازمة ليتمكن من الحياة في الآخرة. فإذا لم يحصل على هذه الصفات خلال حياته، فإن عباداته وأعماله ستكون بلا فائدة حقيقية. جميع أعمالنا في الدنيا – من صلاة وصيام وذكر وتلاوة القرآن وحج وخدمة الأسرة وحتى المشاركة في العزاء – يجب أن تكون وسائل لاكتساب الصفات الإلهية مثل الرحمة، والمغفرة، والحلم، والصبر، والشكر، والجود، والكرم. فإذا لم تثمر هذه العبادات في نفوسنا، فإنها تفقد قيمتها، بل قد تتحول إلى سببٍ لمزيد من الغفلة، فينخدع الإنسان بظنّ أنه في طريق النمو الروحي، بينما هو واقع في وهم النمو. ومن أخطر مظاهر هذا النمو الوهمي أن يتفاخر الشخص بأعماله الصالحة، ويرى نفسه أرقى وأفضل من غيره لمجرد أنه يؤدي عبادات معينة أو يقوم بأعمال خيرية، بينما في الحقيقة لم يحقق الهدف الحقيقي من العبادة.
كثيرًا ما نجد أنفسنا منجرفين نحو عبادات روتينية، وأعمال لا روح فيها ولا أثر، وكأننا نؤدي واجبًا لا نفهم مغزاه. فما الذي يدفعنا إلى هذا المسار الخاطئ؟ إن العوامل الأساسية تكمن في ثلاثة أمور: غياب معرفة النفس، واضطراب ترتيب المحبوبات في قلوبنا، والهجمة الشرسة التي يشنها الشيطان على أرواحنا من اليمين. سنناقش هذه الأسباب بإيجاز في الفقرة القادمة.
عدم معرفة النفس؛ عامل مؤدي إلى العبادة العمياء
لا شك أن السير نحو الهدف الذي خُلقنا من أجله يبدأ بمعرفة حقيقة ذواتنا. فالإنسان الذي يجهل حقيقته، ولا يدري من أين أتى وإلى أين المصير، كيف له أن يسلك طريق اكتساب المعرفة والتشبه بصفات الخالق؟ مثل هذا الإنسان، بدلًا من أن يتوجه إلى الله بجوهره الإنساني، يواجهه بجوهره الحيواني، فتصبح شعارات التوحيد و”لا إله إلا الله” مجرد كلمات جوفاء بالنسبة إليه. ذلك أن هذه الشعارات صُممت لتخاطب بعدنا الإنساني، لا بعدنا الحيواني. فبعدنا الحيواني لا يدرك عمق هذه الشعارات، بل يتوق إلى آلهة ومعشوقات تناسب طبيعته.
عدم ترتيب الأولويات في المحبوبات
أحد العوامل التي تحول دون أن تثمر عباداتنا في اكتساب الثروة الروحية هي عدم ترتيب الأولويات في المحبوبات. إذا لم نقم بتنظيم نظام محبتنا، ولم يكن بُعدنا الإنساني هو السائد على بقية أبعاد وجودنا، فإن أعمالنا الخيرية الصالحة، وعباداتنا – مهما كثرت – لن تمنحنا زادًا روحيًا حقيقيًا. فحين تكون المحبوبات الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية أكثر جاذبية من الإنسانية، مثل الله، وأهل البيت(عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الله، فإن قلوبنا لن تتمكن من الانشغال بالسعي لاكتساب الثروة الروحية الحقيقية. على سبيل المثال، إذا كان حافظ القرآن يعاني من التشاؤم، والبخل، والاكتئاب، هذا دليل على أنه لم ينهل من مائدة القرآن بقلبه وبُعده الإنساني، ولم يتذوق حلاوة أنوار هذا الكتاب الشافي، بل تعامل معه بعقله المجرّد أو عاداته المكتسبة. ولهذا لم يستطع أن يتذوق نور القرآن وفرحه العميق، وبقيت تلاوته مجرد ألفاظ بلا أثر حقيقي في نفسه.
وقوع في فخ الشيطان
كما نعلم، الشيطان هو عدونا اللدود،[1] وقد أقسم على إضلالنا مستخدمًا أربعة أنواع من الهجمات[2] لإبعادنا عن الطريق الصحيح. ومن أخطر أساليبه أنه يدفعنا نحو العبادة العمياء دون أن نشعر! قد يكون من الصعب تصديق ذلك، لكن الشيطان يصنع لنا جحيمًا بأدوات مقدسة واقتراحات تبدو إيجابية! تلك التي يزين بها لنا العبادة، ويحولها إلى فخ يوقعنا فيه. فهو يملأ حياتنا بالأعمال الخيرية، والمجالس الدينية، وقراءة القرآن، والأذكار، والعبادات المستحبة، لكنه يدفعنا إلى الإفراط والانشغال بهذه الأمور لدرجة الغفلة عن الهدف الحقيقي، وهو اكتساب صفات إلهية وتنمية ثروتنا الروحية. ليس هذا فحسب، بل إنه يُضخّم لدينا قيمة أعمالنا الصالحة حتى نشعر بالإعجاب بأنفسنا، ونقع في فخ الغرور. وعندها، بدلًا من أن تقربنا عباداتنا من الله، تصبح سببًا في ابتعادنا عنه! في هذه الحالة، تتحول العبادات من وسيلة للنمو الروحي إلى أدوات يسيطر عليها الشيطان، كما نرى في بعض الأشخاص الذين يتولون إدارة جمعيات خيرية أو مجالس دينية، لكنهم مع مرور الوقت يصبحون أكثر تكبرًا، وأشد سوءًا في أخلاقهم، بينما كان من المفترض أن تزيدهم هذه الأعمال تواضعًا ورقة في القلب!
لقد تناولنا في هذا الدرس موضوع العبادة الظاهرية العمياء، والأعمال التي قد لا توصلنا إلى المعرفة الحقيقية والارتقاء الروحي. وأوضحنا أن مجرد مظهر مقدس لعملما، لا يعني بالضرورة أنه نافع ومثمر، بل قد يكون مفسدًا وسببًا في الابتعاد عن الله. فبدلًا من أن تقربنا هذه الأعمال من الصفات الإلهية، قد تجعلنا أكثر بعدًا عن الله، كما نرى في بعض الأشخاص الذين، رغم سنوات طويلة من العبادة، والأعمال الخيرية، وخدمة الآخرين، لا يزالون يعانون من سرعة الغضب، والحقد، والغيرة، والانفعال الزائد. لقد ذكرنا أن غياب المعرفة الحقيقية للنفس، واختلال ترتيب الأولويات في التعلقات، ووساوس الشيطان من حيث لا نشعر، هي أهم العوامل التي تؤدي إلى ممارسة العبادة العمياء والأعمال غير المثمرة.
برأيكم، ما عوامل أخرى قد تدفع الإنسان إلى ممارسة عبادات عمياء وأعمال خيرية غير مجدية؟
[1] سورة الزخرف، الآية 62.
[2] سورة الأعراف، الآية 17.