ملكات نفسانية؛ ماهيتها وكيفية اكتسابها

جدول المحتويات
ما هي ملكات نفسانیة؟ وكيف تتأصل الملكات في الإنسان؟

ما هي ملكات نفسانیة؟ وكيف تتأصل الملكات في الإنسان؟

قد يصادف القارئ في كتب الأخلاق مصطلح “ملكات النفس” مرارًا وتكرارًا. وكلمة “ملكات” هي جمع “ملكة”، وتعني في اللغة الرسوخ والثبات. إن نفس الإنسان عند الولادة تكون صفحة بيضاء خالية من أي نقش أو صفة. ومع مرور الوقت، تكتسب قدرات وصفات، تثبت في وجودها عن طريق التكرار والاختيار. وفي الاصطلاح، تسمى هذه الصفات الروحية “ملكات النفس”. بمعنى آخر، ملكات النفس هي الصفات الراسخة في النفس، التي تتكون بفعل التكرار والممارسة. وهي التي تحدد شخصية الإنسان وتوجه سلوكه.

تعدّ كل ملكة بمثابة أداة مفيدة وفعالة تحت تصرفنا. لنأخذ القيادة كمثال، فهي تبدو صعبة وشاقة على المبتدئين، تتطلب تركيزًا شديدًا وحذرًا مستمرًا، وتحمل في طياتها مخاطر جمة. ولكن، عندما يتقن المرء فن القيادة، يصبح قادرًا على التحدث مع الآخرين، وتناول الطعام، والاستمتاع بمشاهدة المناظر الطبيعية، وقطع المسافات الطويلة في وقت قصير، دون أن يتعرض لأي حادث.

الأمر ذاته ينطبق على ملكات النفس، فالحفاظ على حضور الذهن والقلب في الصلاة، على سبيل المثال، يبدو أمرًا يسيرًا على الذين اكتسبوا ملكة الحضور والخشوع، بينما يجد فيه عامة الناس صعوبة بالغة. ويمكن تقسيم ملكات نفس الإنسان إلى عدة مجموعات رئيسية:

ملكات جسدية: وهي مهارات تتجلى بشكل أساسي في أعضاء الجسم وتنعكس في القدرات الحركية، مثل إتقان السباحة وركوب الخيل. هذه الملكات تعكس قوة الجسد ومرونته، وهي ثمرة التدريب والممارسة.

ملكات ذهنية: وهي قدرات ذهنية، مثل ملكة التركيز أو القدرة على التحليل والاستنباط.

● ملكات روحية وقلبية: هذه الملكات تشكل موضوع مقالتنا هذه، وهي الصفات الروحية والقلبية. وتشمل ملكات إيجابية كالسخاء والحلم، وكذلك ملكات سلبية كالبخل والحسد.

نجد في جلّ الكتب والمؤلفات توصيات متكررة بضرورة التمرّس بالصبر، والصدق، والكرم، والسخاء، حتى تصبح هذه الصفات ملكات راسخة في نفوسنا. بحيث نصبح دومًا منصاعين لملكة الصبر، والصدق، والكرم، ونجعل كل واحدة من هذه الصفات ملكة متوجة على عرش وجودنا. ولا شك أن هناك فرقًا شاسعًا بين شخص يحاول جاهدًا أن يكون صادقًا، وآخر أصبح الصدق ملكة متأصلة فيه. على سبيل المثال، عندما يقول شخص ما: “لا أستطيع أن أحمل الضغينة في قلبي أبداً”، فهذا يعني أن نقاء القلب قد استحوذ على نفسه، وبالتالي لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له بسهولة. وكما هو الحال مع الصفات الإيجابية، فإن الصفات السلبية أيضًا قد تتحول إلى ملكات. فالشخص الذي لا يستطيع أن يكبح جماح بصره، يعني أن فجور النظر قد أصبح ملكة حاكمة على نفسه.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف تتحول أفعالنا إلى ملكات راسخة في نفوسنا؟ وكيف تصبح أعمالنا جزءًا لا يتجزأ من شخصيتنا؟ للإجابة عن هذا السؤال، من الضروري أولًا أن نتعمق قليلًا في مفهوم الفعل وعلاقته بالمُلكية، ونتساءل: هل كل فعل يؤدي بالضرورة إلى اكتساب صفة أو ملكة؟

العلاقة بين العمل والملكة

لقد تعلمنا فيما سبق أن هذه الدنيا دار عمل، وأن مهمتنا فيها هي السعي والاجتهاد نحو التكامل. ليس العمل مجرد حركة جسدية، بل هو بذرة تنمو وتثمر، وتؤدي إلى الصيرورة وتحقيق الكمال. علينا أن نتهيأ للحياة الأبدية، وأن نكتسب القدرة على التناغم مع طبيعة الحياة الأبدية في الجنة. إن جميع أعمالنا، سواء كانت في مجال الحياة الزوجية، أو تربية الأبناء، أو الدراسة، أو خدمة المجتمع، أو حتى العبادات، وحتى الأعمال المقدسة كجهاد والشهادة، إذا لم تؤد إلى زيادة قربنا من الله تعالى، وإلى التشبه بصفاته، فإنها لن تجلب لنا سوى المكاسب المادية، ولن تنفذ إلى قلوبنا.

فمهما جمعنا من معلومات، فإنها لن تثمر إلا ثقلًا في قلوبنا، وبعدًا عن الطريق الصحيح المؤدي إلى الله. العلم وحده لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى عمل يجسد معانيه، ويحقق أهدافه. إن نوعية حياتنا في البرزخ، وكيفية حشرنا في القيامة، ومصيرنا في الحياة الآخرة، كل ذلك هو تعتمد على أعمالنا، ونتاج خياراتنا، وعلاقاتنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا في هذه الدنيا.

إن حصيلة أعمالنا تُخزَّن في قلوبنا وأرواحنا، لأن القلب هو ثروتنا الحقيقية الوحيدة. وكما أن الجنين في رحم أمه لن يُولد سليمًا دون تكوّن الأعضاء وتشكّلها، كذلك قلوبنا وأرواحنا لن تصل إلى النمو والصحة الروحية دون عمل، ولا يمكن للملكات أن تترسّخ في نفوسنا. لتحقيق غاية الخلق والتشبّه بصفات الله، يجب أن نحوّل معارفنا إلى ممتلكات حقيقية، والعمل هو السبيل إلى ذلك. لا يُصبح أحد سائقًا بمجرد قراءة كتاب قوانين القيادة، بل لا بد له من الجلوس خلف المقود، ومواجهة الخوف والقلق، والتدرّب عمليًا حتى يُتقن القيادة. إذا أردنا تحقيق هدف ما في أي مجال – سواء كان ذلك في البعد الجمادي، أو النباتي أو الحيواني أو العقلي أو الإنساني – فلا بد لنا من التدريب المستمر والممارسة العملية في ذلك المجال المحدد. فلا يكفي امتلاك المعرفة وحدها، بل يجب أن نحولها إلى ملكات راسخة، مما يعزز قوتنا الروحية ويساهم في تطور نفوسنا. ومن رحمته تعالى أنه، بصفته الربّ والمربي، جعل لنا ساحات تدريب متعددة، مثل الزواج، والحياة الأسرية، وتربية الأبناء، حتى نخوض التجربة ونمارسها عمليًا، فنتدرّب من خلالها على اكتساب صفاته وأسمائه الحسنى، ونتشبّه به في  صفات كماله. فمن يتهرب من هذه التدريبات بدافع الكسل والخمول، لن يتحقق له النضج والصيرورة.

مراحل تحول العمل إلى ملكات نفسانية

كما ذكرنا، فإن فلسفة وجودنا في هذه الدنيا تقوم على الصيرورة والتكامل واكتساب الملكات. الملكة الحقيقية هنا تعني أن تترسخ الصفات الحسنة في أعماقنا، ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال السعي الدؤوب والممارسة المستمرة والتكرار المتواصل. فالقلب السليم، الذي ينبغي أن نحصل عليه ليكون بوابتنا إلى ولادةٍ روحيةٍ سليمةٍ في الآخرة، لا يُكتسب فجأة أو بين ليلة وضحاها، بل الصيرورة هي ثمرة جهدٍ متواصلٍ وممارسة دائمة. كل عملٍ نقوم به يترك بصمةً على قلوبنا، ومع تكرار هذه الأفعال، تصبح تلك البصمات أكثر عمقًا وثباتًا حتى تشكّل جزءًا من كياننا. جميع الملكات النفسانية مثل السخاء والعطاء والإيثار وحُسن الخلق وحُسن الظن، ليست سوى نتيجة طبيعية للتدريب المستمر والممارسة المتواصلة للأعمال الصالحة.

إن ترسيخ أي ملكة في النفس يتطلب مرور الزمن، فلا توجد صفة تنشأ أو تزول فجأة. وكما أن نمو الجسد لا يحدث في يومٍ وليلة، فإن النمو الروحي واكتساب الصفات الإلهية لا يمكن أن يكون أمرًا لحظيًا أو فوريًا. لإتقان ملكة الخط الجميل، لا بد من التمرّن المستمر على الكتابة، ولتحقيق الإجادة في القيادة، لا بد من الممارسة والتدريب العملي. وكما قيل: “التكرار يصنع الإتقان”. بنفس الطريقة، فإن الشجاعة أو مهارة الإلقاء لا تُكتسب بمجرد التمني أو الدعاء، بل تحتاج إلى خطوات عملية وتجارب متكررة. في كل مرة نقوم فيها بعملٍ ما، نقترب خطوةً أخرى نحو ترسيخ تلك الملكة في نفوسنا. فكل فعل، مهما كان بسيطًا، يسهم في تقوية النفس وتمكينها من تحقيق الكمال المنشود.[1] إن ساعة واحدة من اليقظة والمناجاة مع الله في جوف الليل تترك أثرًا بلا شك في تقرب العبد من ربه، لكن نورانيتها وأثرها الروحي لا يُدركان حقًا إلا بالمداومة عليها مرارًا وتكرارًا. فلا ينبغي أن نتوقع أن تُحدث عبادة ليلة واحدة تحولًا جذريًا في أرواحنا أو أن ترفعنا فورًا إلى مقام اليقين. هذا القانون لا يقتصر على الملكات النفسية الصالحة فحسب، بل يشمل أيضًا الصفات السلبية والفساد الروحي. فكل مرة نخلف فيها وعدًا، نخطو خطوة نحو الخيانة، وكل مرة نفرط في الأكل بوعي واختيار، تترسخ فينا الطبيعة الحيوانية ونبتعد عن الصفات الإنسانية الراقية. وبالمثل، فإن كل نوبة غضب وانفعال غير لائق ترسّخ في أعماقنا وحشية خفية، وتُنمّي فينا طباع الافتراس والعدوانية.

ما رأيك؟

هل سبق لك أن خضت تجربة في اكتساب صفة حسنة أو التخلص من عادة سيئة؟ ننتظر آرائك وتجاربك القيّمة.


[1] قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن یَعمَل یَزدَد قُوَّةً وَ مَن یُقَصِّر فِی العَمَلِ یَزدَد فَترَةً». غرر الحكم   (7991.7990)

اكتب رأيك