كيف تتحقق سنخية النفس مع الأسماء الإلهية؟
ربما سمعنا جميعًا عبارات مثل: “الورد مظهر الجمال”، “الجبل مظهر الصلابة”، أو “الأم مظهر الحنان”. ومنذ بداية الدراسات حول علم الإنسان، قد أكّدنا مرارًا على أن الإنسان هو أكمل مظاهر الله وأسماءه. ولكن ما العلاقة التي تربط بين طرفي هذه العبارات، بحيث يكون أحدهما مظهرًا للآخر؟ ما الرابط بين الورد والجمال، وبين الجبل والصلابة، وبين الأم والحنان؟ وما سنخية النفس مع الأسماء الإلهية التي استحق الإنسان معها يُوصف بأنه أكمل مظهر لله؟
كلمة “المظهر” تعني موضع التجلي والظهور لغويًا، وعندما نقول إن الورد مظهر الجمال، أو الجبل مظهر الصلابة، أو الأم مظهر الحنان، فهذا يعني أننا نستطيع أن ندرك هذه الصفات ونتخيلها بصريًا من خلال هذه الأشياء؛ فالورد، والجبل، والأم تجليات لهذه الصفات. بناءً على هذا التعريف، إذا كان الإنسان مظهرًا لله، فما هي الصفات الإلهية التي يتجلى بها؟
بما أن ذات الله غير قابلة للإدراك والظهور، فإن الإنسان لا يمكنه إلا أن يكون مظهرًا لأسماء الله وصفاته، وليس لذاته. وكل مخلوق يعكس هذه الأسماء والصفات بقدر ما يمتلك من استعداد وقابلية. لكن هل ينطبق هذا الأمر على النفس البشرية أيضًا؟ هل يمكننا القول إننا نظهر الأسماء الإلهية فقط بمقدار ما نمتلك من استعدادات وما اكتسبناه من صفات، أم أن سنخية النفس مع الأسماء الإلهية أمرٌ مطلق وشامل لجميع البشر في كل الأحوال؟
للإجابة على هذا التساؤل، وفهم طبيعة العلاقة بين النفس والأسماء الإلهية، لا بد من التعرف بعمق على النفس وخصائصها. والمقصود بالنفس هنا هو تلك النفخة الإلهية التي أودعها الله في كل إنسان،[1] والتي تختلف عن الأصل المادي والترابي الذي يظهر في العالم الطبيعي. علينا أن نتساءل: عندما نفخ الله من روحه في الإنسان، ما يغرس في فطرته من الصفات؟ وكيف تسهم هذه الصفات في ارتقاء الإنسان إلى مقام المظهَرية الكاملة لله؟ وهل كلُ البشر، على تنوّع صفاتهم وخصائصهم، يُعدّون مظهراً كاملاً لله؟ أم أن هناك شروطًا معينة؟ في هذا الدرس، نسعى للإجابة عن هذه الأسئلة بعمق وتفصيل.
هل سنخية النفس مع الأسماء الإلهية أمرٌ ذاتي وخفي أم عملي وظاهر؟
سبق أن أشرنا في الدروس الماضية إلى الطبيعة الرياضية للكون. فكلمة “الرياضيات” تستدعي لا محالة معاني القاعدة، القانون، الحدّ، والمقدار. وحين نقول إنّ عالم الخلق رياضي، فمعنى ذلك أنّ جميع مكوّنات هذا العالم تخضع لحدودٍ ومقادير، وتسري عليها قوانين الرياضيات، بما في ذلك النفس الإنسانية التي تمتلك بدورها بنية رياضية محددة. وللنفسِ الإنسانيةِ أيضاً بناءٌ رياضيٌّ. فمعرفةُ هذه النفس والرياضيات التي تحكمها، تعيننا على فهم علاقتها بمكوّنات الكون الأخرى، وعلى رأسها علاقتها بالله وأسمائه وصفاته.
إن أعظم فرق بين النفس الإنسانية وسائر المخلوقات هو نفخة التي قد أودعها الله في الإنسان. هذه النفخة، هذا السر الإلهي، هو جوهر الاختلاف بيننا وبين سائر المخلوقات. إنه البصمة التي تحمل في طياتها سر التشابه والانسجام بين نفوسنا وبين الخالق العظيم، بحيث تكمن جميع الأسماء والصفات الإلهية موجودة فينا بشكل ذاتي وخفي؛ أي أننا جمیعًا نمتلك فطريًا صفات الرحمة الإلهية منها المغفرة، والقدرة، والحكمة. ولكن السؤال هو: هل نحن بالفعل متصفون بهذه الأسماء والكمالات في واقعنا العملي؟
لنتأمل مثالًا بسيطًا: تصور طفلاً لأبوين رياضيين أو فنانين أو علماء، فمثل هذا الطفل يرث من والديه قابلية طبيعية لأن يكون رياضيًا، أو فنانًا، أو عالمًا. لكن لا يمكننا أن نصفه بأي من هذه الصفات إلا إذا قام بتطويرها وتنميتها من خلال التدريب والممارسة. والأمر ذاته ينطبق على النفس الإنسانية؛ فكما أن الإنسان يحتاج إلى الجهد والتدريب ليصبح شاعرًا، أو كاتبًا، أو مغنيًا، فإنه يحتاج أيضًا إلى العمل والسعي الذاتي ليُفعّل الأسماء الإلهية الكامنة فيه، بحيث تتحول من حالة كامنة بالقوة إلى كمال ظاهر بالفعل.
بعبارة أخرى، إن سنخية النفس مع الأسماء الإلهية أمرٌ ذاتي في جوهره، لكنه يتطلب جهدًا عمليًا لتحقيقه على أرض الواقع. مدى تحقق هذه السنخية يعتمد على القدرات والقوات الفردية؛ فكما أن الأجساد تختلف في بنيتها وصحتها ولياقتها، كذلك الأنفس، رغم اشتراكها في الأصول العامة والقدرات الكامنة، تختلف من حيث مستوى تفعيل هذه القدرات والوصول بها إلى مرحلة الفعلية والكمال.
إذن فإن سنخية النفس مع الأسماء الإلهية لها بُعدان: أحدهما خفي وذاتي، وهو مشترك بين جميع البشر، إذ أن كل إنسان يحمل الأسماء الإلهية في أصل فطرته. أما البُعد الظاهر فهو خاص بمن يسعى جديًا لتحصيل هذه الأسماء من خلال العمل والتطبيق العملي. وكما أشرنا سابقًا، فإن مجرد امتلاك المعرفة أو الصفات الفطرية لا يكفي لاکتساب الأسماء الإلهية، بل يحتاج إلى جهد متواصل حتى تتحول معرفته إلى ملكة ثابتة وكمال ظاهر.
استراتيجيات اكتشاف مدى سنخية النفس مع الأسماء الإلهية
لكي نكتشف مدى سنخية النفس مع الأسماء الإلهية على أرض الواقع، علينا أن نعدّ عدد الأسماء التي استطعنا أن نكتسبها بالفعل. وكما أشرنا سابقًا، فإن الاسم هو ثمرة اتحاد الذات مع الصفة، أي أن الإنسان لا يُنسب إليه اسم معين إلا إذا تجلت فيه تلك الصفة وأصبحت جزءًا من كيانه. فمثلًا، لا يُطلق على شخص اسم “سائق” لمجرد أنه حصل على رخصة قيادة، بل يُسمى كذلك عندما يكتسب مهارة القيادة من خلال الممارسة المستمرة. وبالمثل، لا يُدعى الإنسان “طبيبًا” إلا بعد أن يدرس الطب ويمارسه لسنوات.
نحن نستخدم الأسماء لتعريف كل كمال أو صفة مؤثرة، وبذلك لا نكتفي بتمييزها عن غيرها، بل نوضح أيضًا أنها تجسيد لذلك الكمال. فمثلًا، اسم “نجّار” أو “خطّاط” يدل على أن الشخص يمتلك كمال النجارة أو الخط. وبنفس المنطق، فإن كل اسم من أسماء الله الحسنى يعبر عن كمال معين؛ فالشخص الذي يكتسب اسم “الرحمن” يعني أنه وصل إلى كمال الرحمة. وبالتالي، كلما ازدادت أسماؤنا الإلهية، زادت كمالاتنا، وصرنا أقرب شبهًا بالله تعالى.
مع ذلك، من المهم أن نعيد التأكيد على أن اختلاف النفوس يؤثر في كيفية اكتساب الأسماء الإلهية. فبالرغم من أن كل إنسان يمتلك في ذاته جميع الأسماء الإلهية، إلا أن سلوكه هو الذي يحدد أي من هذه الأسماء سيظهر في حياته. لذلك، علينا أن نختار من بين الأسماء الإلهية ما يتناسب مع طبيعة نفوسنا، لأن هذا الاختيار يحدد سرعة وكفاءة تقدمنا نحو الكمال الذي خُلقنا من أجله.
من الجدير بالذكر أن نطاق اكتساب الأسماء الإلهية يختلف من شخص لآخر، إذ إن لكل فرد قدرة خاصة على تحقيق بعض الأسماء دون غيرها، وفقًا لاستعداده وظروفه الشخصية. فقد يستطيع شخص ما أن يسير في طريق الله متجليًا باسم معين لسنوات، لكنه يتوقف عند اسم آخر، غير قادر على تحقيقه. لهذا السبب، من الضروري أن يتعرف كل فرد على الاسم الإلهي الذي يناسبه في رحلته الروحية، ليتمكن من السير في طريق التكامل والارتقاء بأفضل صورة ممكنة.
دور معرفة النفس في تعزيز ظهور الأسماء الإلهية
الطبيب الذي يدرك خفايا جسم الإنسان، يكون على بينة من مكنوناته واحتياجاته ونواقصه، وبناءً على هذه المعرفة، يستطيع أن يصف العلاج المناسب. والأمر نفسه ينسحب على النفس؛ فإذا أحسنّا معرفتها، نستطيع بيقين أن نقر بتناسبها مع أسماء الله الحسنى، وأن نستخرج هذه الأسماء من أعماق نفوسنا عبر التأمل العقلي والروحي. وهذه حقيقة أشار إليها الله تعالى، خالق الإنسان، وكذلك الائمة(عليهم السلام)، بصفتهم أفضل وأكمل المرشدين إليه. فقد نوّه الله في القرآن الكريم إلى أن آياته تتجلى في وجود الإنسان ونفسه، وهي ظاهرة للعيان. [2] كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ‘من عرف نفسه، فقد عرف ربه”.[3]
إذا تأملنا في ذواتنا وعرفنا أنفسنا حق المعرفة، فسنتمكن من رؤية تجلى الأسماء الإلهية فينا، ولن نحتاج إلى البحث عنها في أي مكان آخر، لأن الله قد تجلى فينا جميعًا بشكل كامل. وكلما زاد وعينا بالأسماء والصفات الإلهية داخل أنفسنا، كلما أصبحت شهاداتنا لهذه الحقيقة أصدق وأعمق وأكثر تأثيرًا. فشتان بين قول “لا إله إلا الله” ممن شهد بقلبه أنه لا إله غير الله، وبين من يشهد بهذه الحقيقة بلسانه فقط.
إن معرفة الذات تساعدنا على فهم شامل لقدراتنا الكامنة والظاهرة. هذا الفهم هو الخطوة الأولى نحو التحرك باتجاه الهدف الذي حدد لخلقنا. لا يمكننا أن نكون تجسيدًا حقيقيًا لصفات الله إلا عندما تتحول أسماؤه وصفاته في داخلنا إلى قدرات ومهارات، بحيث تصبح ذات تأثير ملموس. على سبيل المثال، لتجسيد اسم الرحمن، يجب أن نثبت أننا نستطيع أن نكون رحيمين تجاه جميع مخلوقات العالم، كما يفعل الله.
تناولنا في هذا الدرس موضوع سنخية النفس مع الأسماء الإلهية، وبيَّنَّا أن الله، حين نفخ من روحه في الإنسان، أودع فيه جميع أسمائه وصفاته بشكل فطري. لكن السبيل إلى أن يصبح الإنسان مظهرًا حقيقيًا لهذه الأسماء يكمن في استخراجها من أعماق نفسه وتجسيدها في أفعاله وسلوكياته. ورغم التشابه بين البشر، تمتلك كل نفس خصوصيتها الفريدة، إذ تستوعب وتُظهر من الأسماء الإلهية بمقدار استعدادها وقابليتها. ومن هنا، فإن معرفة النفس تساعدنا على إدراك مدى سنخيتها مع الأسماء الإلهية، وتوجيه جهودنا لزيادة هذا الارتباط.
والآن، ما رأيكم؟ ما الطرق الأخرى التي يمكننا من خلالها اكتشاف وإثبات هذه السنخية؟
[1] . وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي؛ سورة ص، الآیة72
[2] سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ؛ سورة فصلت، آية 53
[3]من عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 2، ص 32