التنافس الإيجابي: متى تكون مقارنة الذات بالآخرين بناءة؟

جدول المحتويات
مقارنة الذات بالآخرين وتأثيرها على صحة الروح

مقارنة الذات بالآخرين وتأثيرها على صحة الروح

تُلازمنا مقارنة الذات بالآخرين كظلٍّ لا يفارقنا في مختلف مراحل الحياة، فتحتلّ جزءًا كبيرًا من قلوبنا وأفكارنا. نعلم جميعاً أن جزءاً من رحلتنا الأبدية يقضى على هذه الأرض، وهو عالم مادي بخصائصه وأحداثه الفريدة. من الطبيعي تماماً أننا مضطرون، خلال فترة إقامتنا في هذه الدنيا، إلى السعي للحصول على الإمكانيات والأدوات اللازمة للحياة. لكن ما يحدث في خضم ذلك، ويمكن أن يؤدي إلى انحراف هذا المسار الطبيعي، هو أننا ننسى أن هذه الممتلكات هي مجرد أدوات لقضاء فترة حياتنا المؤقتة في الدنيا. الأسوأ من ذلك، هو أن بريق هذه الممتلكات وجاذبيتها قد يأسر قلوبنا ويستهلك أرواحنا. فجأة نجد أنفسنا نصنّف ما نملكه: هذا “رائع”، وهذا “مقبول”، وذاك “لا يستحق الاهتمام”. تصبح الممتلكات المبهرة مصدرًا للفخر والاعتزاز، بينما لا نجد أي قيمة في الأشياء البسيطة التي نمتلكها. هنا تبدأ المقارنات. نراقب الآخرين، نحكم على أنفسنا بناءً على ما لديهم، وندخل في سباق خفي حول المكاسب الدنيوية. ينعكس ذلك على اختياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وسلوكنا. وبمرور الوقت، يصبح تقبّل فكرة أن أحدهم يملك أكثر منا أمرًا مؤلمًا وصعب التحمل. في هذه الحالة، يصبح معيار قيمتنا هو حجم ممتلكاتنا وشكلها، وكلما زاد بريقها، زاد شعورنا بأننا أكثر تميزًا واستحقاقًا لاحترام الآخرين. تظهر هنا أسئلة جوهرية؛ لماذا تستحوذ ممتلكات الدنيا المؤقتة على قلوبنا بهذا الشكل؟ كيف يمكن أن تكون المقارنة أو المنافسة أمرًا إيجابيًا وبناءًا؟ وكيف نحرر أرواحنا من قيود الدنيا ومغرياتها المحدودة؟ في هذا المقال، سنتناول الإجابة عن هذه الأسئلة ونسلط الضوء على معنى المنافسة الصحية وكيفية تحويل المقارنة إلى أداة لبناء الذات بدلاً من إضعافها.

دوافع الميل إلى مقارنة الذات بالآخرين وتوصيف المنافسة الإيجابية

إن ميلنا إلى مقارنة أنفسنا بالآخرين والسعي وراء الكماليات الدنيوية ينبع غالبًا من تغلّب الأبعاد المادية والحيوانية في نفوسنا على أبعادنا الروحية. هذا الميل يعود إلى الإصابة بمرض خطير يُعرف بـ نسيان الذات. بمجرد أن تبتعد قلوبنا عن المحبوب الحقيقي وننسى “لا إله إلا الله”، تظهر المحبوبات الحيوانية والمزيفة وتستولي على قلوبنا. ومن أخطر نتائج التعلق بالماديات أنها تشوش الرؤية وتمنع الإنسان من إدراك الحقيقة. من يقع في فخ هذه الكماليات يشبه من يعاني من ازدواج الرؤية، فلا يستطيع التمييز بين الأصل والزيف. في هذا الوضع، يفقد الإنسان القدرة على فهم المعنى الحقيقي للعزة والذل، فيرى عزته فقط في حيازة الممتلكات المادية، ويعتبر الحرمان منها ضربًا من الذل. هذه النظرة المشوهة تؤدي إلى قيم خاطئة تجعل الإنسان يضفي أهمية إلى أمور سطحية لا قيمة لها، بينما يفقد إدراكه لأهمية الأمور الجوهرية. ويمكننا أن نلاحظ هذا الخلل بوضوح في سلوكيات الناس، من حرصهم على مقارنة أنفسهم بالآخرين إلى سباقهم المحموم لتحقيق تفوق مزيف، كامتلاك أحدث الهواتف، أغلى المنازل، أو أرقى السيارات. هذه المقارنات تُقلّل من قيمة الإنسان الحقيقية، وتجعل روحه أسيرة لاحتياجاته الجسدية.

في زحام الحياة، توجد نفوس نقية تجاوزت أسر الأنا المزيفة، واكتشفت الأنا الحقيقية. هؤلاء هم من اختاروا طريق العزة الحقيقية، بعيدًا عن أوشاح الكبرياء والتفاخر والأمور الوهمية من خلال اختيار أسلوب الحياة الإنسانية. فهم يسعون جاهدين لاقتناء الثروات الأبدية الحقيقية،[1] والتي هي نفس الأسماء والصفات الإلهية التي تزين الروح وتخلدها.

لقد تحدثنا سابقًا بالتفصيل عن أهمية اكتساب الأسماء والتخلق بأخلاق إلهية. نحن نعلم أننا البشر، نسخ فريدة من خلق الله وصفوة عالم الخلق، وهذه المكانة الرفيعة ليست بسبب تفوقنا السطحي مثل القدرة على الكلام أو التمتع بالعقل، بل بسبب الروح التي نفخها الله فينا. لقد جئنا لنكون تجسيدًا كاملًا لصفات الله. فكروا بعمق في هذه الجملة. الله هو القدرة الوحيدة في الكون، وكل ما يشاء يتحقق. عندما يصبح شخص ما تجليًا كاملًا لله، وتكون إرادته متوافقة مع إرادة الله، فإنه أيضًا سيخلق كل ما يشاء! وهذه مجرد لمحة من الكمالات التي يمكن للإنسان أن ينالها في ظل عبوديته لله. أما الأسماء والكمالات الأخرى، فلكل منها عظمة لا توصف، ومن المؤكد أن فهم معناها الحقيقي في هذا العالم ليس متاحًا للكثيرين؛ فإذا رأى شخص ما قيمته في هذا المستوى، فإنه يشعر بالخزي من التنافس مع الآخرين على جيفة الدنيا.[2]

إنّ التفوّقات المادية والدنيوية، إذا لم تكن في سياق نضوج الجانب ما وراء العقلي واكتساب الكمالات الإنسانية، فلن تؤدي إلا إلى الخِزْيِ والهوان؛ صحيحٌ أن هذا الخِزْي قد لا يكون مرئيًا في الدنيا، ولكنه سيظهر بمجرد أن تُرفع أستار المادة وينكشف باطن العالم. لذلك، يحذّر الله، بوصفه مربيًا، البشر من أيّ تنافس في الأمور الدنيوية، ولا يجيز المنافسة إلا في موضع واحد، ألا وهو التنافس على اكتساب الأسماء الإلهية والكمالات الإنسانية. في هذه الحالات، لا يمنع الله الناس من التنافس فحسب، بل يشجعهم على السرعة والتسابق في هذا الطريق، مستخدمًا ألفاظًا مثل “سارعوا”[3] و”سابقوا”[4]. إن استخدام الله أحيانًا لكلمة “سرعة” وأحيانًا لكلمة “السبق” في أحيان أخرى، يحمل دلالات خاصة تتعلق ببنية الرياضية للنفس ونوع حركتها في مسار السلوك، سنتناولها في مقالات لاحقة.

كيف يمكن التحرر من فخ المقارنة والتنافس في الممتلكات الدنيوية؟

بناءً على ما تقدم، فإن أهم وسيلة للخلاص من الوقوع في شرك مقارنة أنفسنا بالآخرين في الأمور التي لا قيمة لها، هي عدم نسيان الغاية من خلقنا وتذكير أنفسنا والآخرين بها بشكل متكرر، وذلك من خلال قوة التفكير. فالتفكير والتعقل نعمة خاصة من الله للإنسان، حتى أن العقل يُعتبر بمثابة الْحُجّة فيما بين الْعباد و بين اللَّه.[5] إذا تأملنا قليلاً في القوة الرحمية للدنيا، سنعرف أنها مجرد أداة للنمو الروحي والإعداد للتحرك نحو الأبدية والآخرة، وينبغي أن تكون ممتلكات الدنيا في خدمة هذا الهدف. بعبارة أخرى، يجب أن نرى الدنيا كما هي حقًا؛ أي كنادٍ رياضي لتهذيب الروح ووسيلة لتحقيق هدف الخلق. فالدنيا ليست هدفًا نهائيًا، ولن يعيش أحد فيها خالداً. لذا ينصحنا الله بعدم الانخداع بزخارف الدنيا الزائفة وعدم الوقوع في شباك ملذاتها وممتلكاتها الوهمية. كما يجب ألا نحزن أو نشعر بالاكتئاب بسبب ما نفتقده من ممتلكات دنيوية، ولا نفرح أو نتفاخر بما نملك،[6] لأنّ لا اللذات تدوم إلى الأبد ولا الآلام. بالطبع، الوصول إلى هذه النقطة ليس بالأمر اليسير، ويتطلب تلقينًا مستمرًا. التلقين هو أهم أداةٍ تثبّت مخرجات الفكر على القلب وتُبقيها راسخة، ولا يصل أحدٌ إلى مبتغاه دون تلقين. سنتحدث بالتفصيل في المستقبل عن الآثار الخارقة للتلقين في نمو الروح وتكاملها، وفي اكتساب القلب السليم.

ما هي الطرق الأخرى التي تعرفونها للتخلص من الحسد والمباهاة ومقارنة أنفسنا بالآخرين في الأمور المادية؟ شاركونا تجاربكم ووجهات نظركم في هذا الموضوع.


[1]  «و في ذلك فليتنافس المتنافسون.» (سورة المطففين، الآية 6)

[2] . قال امیرالمؤمنین (علیه السلام) إِنَّمَا اَلدُّنْيَا جِيفَةٌ وَ اَلْمُتَوَاخُونَ عَلَيْهَا أَشْبَاهُ اَلْكِلاَبِ فَلاَ تَمْنَعُهُمْ أُخُوَّتُهُمْ لَهَا مِنَ اَلتَّهَارُشِ عَلَيْهَا(غرر الحكم، ج1، ص 273)

[3] « وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات…» (سورة آل عمران، الآية 133.)

[4] «سابِقُوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض…» (سورة الحديد، الآية 21).

[5] . عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ حُجَّهُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ النَّبِىُّ وَ الْحُجَّهُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَ بَيْنَ اللَّهِ الْعَقْلُ » ( الكافى ، ج 1 ، كتاب العقل و الجهل ، ح 22 ، ص 17

[6] «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ۗ والله لا يحب كل مختال فخور؛ لكي لا تشعروا بالأسى على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل متكبر فخور» (سورة الحديد، الآية 23).

اكتب رأيك