ما هو تعريف علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام؟ ولماذا لا نستفيد من هذه العلاقة كما ينبغي؟
● كيف نحدد علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام، بوصفهم أعظم وأهم المخلوقات في هذا الكون؟
● ما هو دور أهل البيت عليهم السلام في حياتنا؟
●لماذا يقتصر مفهوم علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام في كثير من الأحيان على ذكرى مواليدهم أو استشهادهم؟
●من الذي حدد نصيبنا من أعظم وأجل شخصيات الكون بهذا القدر الضئيل والمحدود؟
قد يكون ميلنا الفطري نحو الرغبة في اللانهائية هو ما يدفعنا إلى الرغبة في التواصل مع الشخصيات البارزة، فنحن نبذل جهدًا للتواصل مع الشخصيات التي نعتبرها كبيرة ومؤثرة، فمثلاً نحاول الحصول على توقيع من لاعبنا المفضل، أو نلتقط صورًا تذكارية مع المشاهير، ونشعر بالفخر إذا تذكرنا شخص مهم، بل ونعتبر مقابلة شخصية بارزة إنجازًا نفخر به. ولكن رغم كل ذلك، فإننا غافلون عن أعظم الشخصيات الحقيقية في الكون، وهم أهل البيت(عليهم السلام)، ولا نشعر بأي خسارة بسبب غفلتنا عنهم. كثيرًا ما نختزل علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام في حدود زيارة مراقدهم، أو سرد قوائم طويلة من الطلبات، أو قراءة الزيارات. وهذا الاختزال يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة هذه العلاقة، وينم عن عدم إدراك لذواتنا الحقيقية ومكانتنا السامية، وعدم معرفة بأهل البيت عليهم السلام. فنحن نقتصر على اعتبارهم ملاذًا أو وسيلة لتحقيق حاجاتنا، دون أن ندرك طبيعة العلاقة الحقيقية التي تربطنا بهم و إنها علاقة ذات أبعاد حقيقية وحقوقية، تضمن لنا السعادة والراحة في الدنيا والآخرة.
العلاقة الحقيقية مع أهل البيت عليهم السلام
إن جزءًا كبيرًا من أخطائنا ينبع من رؤيتنا الخاطئة للعالم، والتي تؤدي إلى تشويش في تحديد مسار حياتنا ومراحلها، وبالتالي، إلى فهم غير صحيح لعلاقتنا بأهل البيت عليهم السلام. فعندما نعتبر الولادة في هذا العالم بداية حياتنا، فإننا نغفل تلقائيًا عن جزء من وجودنا الذي سبق هذه الحياة، والذي نعود إليه بعد نهايتها. ونتيجة لذلك، بدلًا من إعطاء الأولوية للآخرة التي جئنا منها وإليها نعود، فإننا نولي الأهمية لعائلتنا الدنيوية، ونقدر علاقاتنا الدنيوية أكثر من اللازم. في حين أن حقيقتنا تشكلت قبل ولادتنا، وفي علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام. فنحن نرتبط بهم وجوديًا، ونشترك معهم في جوهرهم، وقد خلق الله الجزء الأسمى والإنساني منا من جوهرهم، وهم أول تجليات الله وأكملها. فأهل البيت عليهم السلام هم عائلتنا الحقيقية السماوية، وهم يحبوننا كأبناء لهم بمقياس أبدي. ومن هذا المنطلق، فإنهم أقرب إلى حقيقتنا وجوهرنا، وبالتالي، فإن لهم حقًا علينا يفوق بكثير حق والدينا الأرضيين. وعليه، ينبغي أن تكون علاقتنا بهم أعمق وأقوى وأصدق من أي علاقة أخرى نعيشها في هذا العالم. لكننا للأسف نغفل عن هذه الحقيقة العظيمة، فنحرم أنفسنا من شعور الإنتماء إلى أشرف وأعظم المخلوقات، ونفوّت فرصة بناء علاقة حب حقيقية مع عائلتنا الأصلية، ذلك الحب الذي يمكن أن يكون مصدرًا دائمًا للأمان والقوة في مسيرة حياتنا، فينقذنا من الانكسارات والخيبات، ويعوض لنا نقص هذا العالم المادي الفاني.
إن إدراك هذه العلاقة الوجودية مع أهل البيت عليهم السلام لا يغيّر فقط نظرتنا إلى أنفسنا ويحرّرنا من السلوكيات السطحية والوهمية، بل يجعلنا نرى بلوغ مقامهم كعائلتنا السماوية، أمرًا غير مستحيل. عندها، ننتقل من إنسان لا يرى في الحياة سوى تحقيق النجاحات الدنيوية والكمالات الطبيعية والعقلية، إلى إنسان يسعى لتحقيق هدفه الأسمى، وهو التشبه بالله، مصدر الكمال المطلق.
إن استيعاب هذه العلاقة الحقيقية مع أهل البيت عليهم السلام هو المفتاح الذي يحرّرنا من قيود الحياة المادية ويقودنا نحو الحياة الطاهرة النقية التي خُلقنا من أجلها. ولكن للحفاظ على هذه العلاقة البنوية الحقيقية، لا بدّ لنا من تغيير أسلوب حياتنا، والسعي لبلوغ سنخية حقيقية مع أهل البيت عليهم السلام، لأن العلاقة بهم لا تتحقق إلا إذا سعينا لنكون على شاكلتهم في الفكر والسلوك والروح.
ما معنى العلاقة الحقوقیة؟
إن علاقتنا الحقيقية بأهل البيت عليهم السلام تعود إلى فترة ما قبل ولادتنا في هذا العالم، وبمجرد أن تطأ أقدامنا هذه الأرض، تنشأ بيننا وبينهم علاقة أخرى، تُعرف بالعلاقة الحقوقية. هذه العلاقة تتشكل وفقاً للأنظمة والقوانين التي تحكم العالم المادي، مما يستتبع التزامات وحقوقًا متبادلة بين الأطراف.
في حياتنا، قد نجد أنفسنا في علاقات حقوقية متعددة ومتزامنة مع أشخاص مختلفين. فقد نكون في علاقة أبوة أو بنوة مع والدينا وأبنائنا، أو في علاقة تعليمية بين أستاذ وتلميذه، أو في علاقة عمل بين مدير وموظف، أو حتى كجيران، أو أقارب، أو شركاء في الدين، حيث تترتب علينا حقوق وواجبات متبادلة تجاه الآخرين. فالعلاقة الحقوقية تتحدد وفقاً للترتيب الاجتماعي، والوظائف التي نشغلها، والمسؤوليات التي نتحملها تجاه الآخرين.
لكن في الوقت ذاته، فإن وجود علاقة حقوقية لا يلغي العلاقة الحقيقية بين الأفراد، بل يمكن أن تتداخل العلاقتان دون أن تتناقضا. على سبيل المثال، نحن كمؤمنين نرتبط بعلاقة حقيقية كإخوة وأخوات في الإيمان، ومع ذلك، قد نكون أيضاً زملاء في العمل، أو جيراناً في حي واحد، مما يترتب عليه التزامات شرعية، عقلية، أخلاقية، أو اجتماعية تجاه بعضنا البعض. لذا، فإن العلاقة الحقيقية لا تعفينا من مسؤولياتنا الحقوقية، كما أن أداء حقوق الآخرين لا يعني التخلي عن العلاقة الوجودية التي تجمعنا بهم، بل إن إدراك كلا الجانبين ضروري لتحقيق التوازن في علاقاتنا الإنسانية.

العلاقة الحقوقية مع أهل البيت عليهم السلام
تتجلى علاقتنا الحقوقية بأهل البيت عليهم السلام في رابطة الإمام بالمأموم، فالإمام، رغم كونه أبًا حقيقيًا لنا في بُعد الوجود، ينظر إلينا بعين المحبة الأبدية، إلا أنه أيضًا يمتلك ولاية علينا، وهذه الولاية – التي تتجسد في النبوة والإمامة – تمثل صلتنا الحقوقية بهم، وهي العلاقة التي تأخذ بُعدها الفعلي مع وجودنا في هذه الدنيا. وفقًا لهذه العلاقة، فإن الإمام، باعتباره المثل الأعلى والمتخصص المعصوم، ليس فقط نموذجًا يُحتذى للوصول إلى التشبه بالله، بل هو أيضًا القائد الذي يرشدنا في طريق تحقيق خلافتنا الإلهية والوصول إلى الكمال الإنساني. ومن جهتنا، فإن مسؤوليتنا الحقوقية تقتضي منا اتباع الإمام التامة والاقتداء به كمتخصص معصوم يسعى ليرقينا إلى مقام خليفة الله في الأرض.
وهكذا، فإن علاقتنا بأهل البيت علیهم السلام تستوجب أمرين لا ينفصلان: الطاعة والمحبة. فمن جهة، وبناءً على العلاقة الحقوقية، فإنهم مربّون إلهيون تقع على عاتقهم مسؤولية قيادة جميع أبعاد وجودنا، بدءًا من البعد الجمادي، فالنباتی، فالحيواني، فالعقلي، وصولاً إلى البعد ما وراء العقلي؛ ومن الطبيعي أن تحقيق سعادتنا الحقيقية رهنٌ باتباعهم وطاعتهم. من جهة أخرى، وبناءً على العلاقة الحقيقية، فهم لنا كأبٍ وأمّ، لكن بحنانٍ ورعاية تفوقان بأضعاف محبة والدينا الأرضيين، مما يوجب علينا أن نؤدي حق البنوة الحقيقية لهم، فنحبهم بصدق، ونعيش معهم بروح الأبناء الذين لا يرون في غيرهم ملاذًا ولا في سواهم قدوةً وسندًا.