العلاقة بين غاية خلق الإنسان ومعرفة الله والأئمة(عليهم السلام)
من أهم المواضيع التي تبرز في علم الإنسان والتي تشغل مساحة واسعة من التأمل والتفكر، هي الغاية من خلق الإنسان. ويمكن القول بلا مبالغة أن كل ما يُطرح في هذا المجال يرتبط بشكل جوهري بهذه الغاية السامية. من خلال هذا المنظور نتأمل هذا سؤال: ما هي العلاقة بين معرفة الله ومعرفة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؟ قد لا يبدو للوهلة الأولى أي ارتباط ظاهر بين هذا السؤال وغاية خلق الإنسان، ولكن حين نتعمق في تحليل المفردات خطوة بخطوة، يتجلى لنا الترابط الوثيق والعميق بين هذه المفاهيم.
لم يخلق الله سبحانه وتعالى أي مخلوق عبثًا، بل لحكمة بالغة، وقد اختص الإنسان بأسمى وأعظم غاية في الخلق؛ فقد خلقنا الله لنصل في نهاية المطاف إلى الكمال و نبلغ الصفات الإلهية، وإن لم ننل هذه الغاية فإننا نكون كجنين يولد ناقصاً أو يُجهض. فالجنين السليم هو ذلك الذي يعرف مقصده وغايته النهائية معرفة حقيقية، وهذه المعرفة تدفعه نحو تطوير الوسائل الضرورية للوصول إلى غايته؛ وهنا تتجلى أهمية المعرفة في الوصول إلى الهدف.
نحن البشر، وبالنظر إلى الغاية السامية من خلقنا – وهي السعي نحو الكمال الإلهي والوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل – ندرك مدى أهمية معرفة الله سبحانه وتعالى. فلا يمكننا التخلّق بأخلاقه إلا إذا عرفناه معرفة حقيقية. ومن هنا تنكشف حقيقة أساسية، وهي أن طريق معرفة الله يبدأ أولًا بمعرفة النفس وفهم حقيقتها. وفي هذا المعنى يتجلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَن عَرَفَ نَفسَه فَقَد عَرَفَ رَبَّه”.[1]
أما المرحلة التالية فهي تستلزم وجود نماذج مثالية ذات سمات فريدة ومميزات خاصة، نستضيء بهديها في اجتياز مسار تحقيق غاية وجودنا بأعلى كفاءة وأدنى نسبة من الانحراف عن المسار المستقيم. ومن خلال التمعن في خصائص هذه النماذج المثالية، يتجلى لنا الدور المحوري لأهل البيت(عليهم السلام) في تحقيق الغاية السامية من خلق الإنسان. وهنا تتلاقى المرحلتان – الأولى والثانية – في نقطة مركزية جوهرية، ألا وهي استكشاف العلاقة الوثيقة بين معرفة الله سبحانه وتعالى ومعرفة الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
يتمحور هذا البحث حول استجلاء طبيعة هذه العلاقة وأبعادها.
الصلة بين غاية الخلق ومعرفة الخالق
في بداية هذا البحث، ذكرنا أنه من خلال دراسة تحليلية يمكن إثبات أن معرفة الله وأهل البيت(عليهم السلام) مترابطتان ارتباطًا وثيقًا. نبدأ في إثبات ذلك بالإشارة إلى ما روي عن الإمام الرضا(عليه السلام) في قوله: “إِنَّ أَوَّلَ عِبَادَۀ اللَّهِ مَعْرِفَتُه”[2]. وقد بيّنا في دروسنا السابقة أن عبادة الله هي غاية خلق الإنسان، وشرحنا كيف يمكن لهذه العبادة أن تقودنا إلى تحقيق الهدف من خلقنا. غير أن الوصول إلى أي هدف يتطلب فهمه أولًا، وإدراك سبب السعي إليه، ثم التعرف على أفضل الطرق والنماذج التي تُمكّننا من تحقيقه. إنّ الله سبحانه وتعالى هو الكمال المطلق، وقد فطرنا على محبّة هذا الكمال والسعي نحوه. غير أن الكمال المطلق لا يمكن إدراكه دون تجلٍّ ظاهر محسوس، إذ لا سبيل لنا إلى التواصل مع ذات الله المجردة. ومع أن جميع المخلوقات تعكس أسماء الله وصفاته الكمالية، إلا أن هذا الانعكاس يبقى محدوداً. فعندما تتجلى العظمة الإلهية في صور محدودة كجمال الدنيا وكمالاتها الفانية، لا تجد قلوبنا المتعطشة للكمال المطلق ما يروي ظمأها، وحيث إننا لا نستطيع في بُعدنا المادي الوصول المباشر إلى معرفة الله، فإننا نقع في الحيرة والتيه بالتأكيد.
لذا فإن معرفة الله الحقيقية تستلزم أن نتعرف على أعظم تجلياته، وقد شاءت حكمته تعالى أن يكون هناك تجلٍ كامل ونموذج أمثل يعكس كماله المطلق. وهنا تكمن النقطة الجوهرية: أن نحذر من الخطأ في تحديد حقيقة هذا الكمال المطلق وتجلياته. وبما أن الجوهر الإنساني هو أساس وجودنا، فإن علينا أن نكتشف تجلي الكمال المطلق في هذا البعد الإنساني، ثم نتخذه قدوةً نسير على نهجه لتحقيق الغاية من خلقنا.
الأئمة(عليهم السلام) والغاية السامية من خلق الإنسان
إن الله تعالى قد أبدع الكون كله على أساس من القوانين والمعادلات الرياضية المحكمة ويجب على كل مخلوق أن يلتزم بهذه الأصول للوصول إلى الغاية المقدرة من خلقه. إن أعظم غاية للإنسان في عالم الخلق هو أن يرتقي إلى مقام الخلافة الإلهية ويحقق صفات الكمال الرباني. ويتطلب تحقيق هذا المبدأ العظيم ركنين أساسيين: معرفة الله سبحانه، ووجود قدوة كاملة ترشدنا إلى تلك القمة السامية.
لا يمكن للإنسان أن يعرف الله حق المعرفة إلا إذا أدرك حقيقة نفسه ووجوده. فجوهر نفوسنا ليس إلا انعكاسًا لنور النبي وأهل البيت (عليهم السلام). فمنذ البداية، جعلهم الله في مقدمة خلقه[3]، وأظهر نورهم في جميع المخلوقات. وأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي أن جعل أصل وجوده مرتبطًا بنور أهل البيت(عليهم السلام).
إن الله سبحانه وتعالى، حين أودع الروح الإلهية ونور أهل البيت(عليهم السلام) في صميم كياننا، قد جعل فينا شوقاً لا ينتهي وتعلقاً عميقاً بذاته المقدسة وبأهل البيت(عليهم السلام)، فأصبحت غاية كل فرد منا الفطرية أن نرتقي إلى مقام أهل البيت(عليهم السلام)، أي مقام الخلافة الإلهية. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف السبيل إلى هذا المقام الرفيع؟
الطريق الأمثل لتحقيق أي هدف هو فهمه بوضوح أولًا، والطريقة الأسرع والأضمن لفهم أي شيء هي التعرف على أكمل نموذج له. وهذا المبدأ ذاته ينطبق على معرفة الله سبحانه وتعالى.
إن الله تعالى كيان لا حدود لكماله المطلق يتجلى بعدد مخلوقاته؛ غير أن كل مخلوق يعكس الأسماء والصفات الإلهية وفق سعته الوجودية. إن أهل البيت(عليهم السلام) هم التجلي الأسمى للصفات الإلهية وأرفع الخلائق منزلةً في الوجود. فكل مخلوق دونهم لا يمثل إلا تجلياً محدوداً للحق سبحانه، ولن يستطيع هذا التجلي المحدود أن يوصلنا إلى المحبوب المطلق الذي لا حدود لكماله. لذلك، من أراد معرفة الله والوصول إلى كماله المطلق، فلا سبيل له إلا عبر أهل البيت(عليهم السلام)، فهم الأبواب إلى الله، وبدونهم لا يمكننا معرفة الله حق المعرفة ولا الوصول إليه. وقد تجلت هذه الحقيقة في الزيارة الجامعة الكبيرة: “مَنْ اَرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ”.[4] كما عبّر الإمام الصادق(عليه السلام) عن هذا المعنى بقوله: “بِنا عُرِفَ الله و بِنا عُبِدَ الله”[5].أي أنَّ كل أسماء الله وصفاته تتجلى في ذواتهم الطاهرة، فهم الصورة المثلى للكمال المطلق، وهم النموذج العملي الذي يقودنا إلى تحقيق هدف الخلقة.
ما ذكرناه عن خصائص أهل البيت (عليهم السلام) يكشف عن سر وجودهم في حياتنا وارتباطهم المباشر بغاية خلقنا. فالوصول إلى منزلتهم ومقامهم السامي أمر ضروري لتحقيق الباطن الإنساني الخالد، وإذا أردنا أن نبلغ غاية خلقنا في أكمل صورها وأتم حالاتها، فلا سبيل لنا إلا اتباع هؤلاء العظماء الذين تجلت فيهم كافة خصائص الإنسان الكامل وصفات خليفة الله.

في هذه الدراسة، تناولنا العلاقة بين معرفة الله ومعرفة الأئمة (عليهم السلام)، معتمدين على نقطة محورية مشتركة لفهمها وتحليلها. أشرنا في البداية إلى أن الغاية من خلق الإنسان هي السعي للتشبّه بالصفات الإلهية والارتقاء إلى منزلة الخلافة الإلهية. ولا يمكن بلوغ هذا المقام إلا بمعرفة الله معرفة حقيقية، غير أن طرق هذه المعرفة محددة وليست متاحة بأي سبيل. إن لله تجلياتٍ في كل مخلوقاته، لكن علينا إدراك أسمى هذه التجليات وأكملها، لأن المظاهر المحدودة تمنحنا معرفة جزئية لا تكتمل بها الغاية السامية من الخلق.
استناداً إلى ما تقدم في بيان الإنسان الكامل، فإن أهل البيت عليهم السلام هم أكمل المظاهر وأسمى التجليات لله سبحانه وتعالى. كما أننا خُلقنا من أنوارهم المقدسة عليهم السلام، وإن كل ما يُنسب إلى هؤلاء الأئمة الأطهار هو في حقيقته جوهر باطننا وأصل وجودنا. ومن هنا فإن طريق الوصول إلى مقامهم الرفيع مُيسّر لنا في مسيرة تكاملنا.
لقد كانت غاية الخلقة مفتاحًا لاكتشاف العلاقة بين معرفة الله ومعرفة الأئمة (عليهم السلام). وأهم ما يجب أن لا نغفل عنه هو أن وجود أهل البيت (عليهم السلام) هو أعظم نعمةٍ من الله لنا، لأن الإنسان لا ينمو إلا في ظلّ قدوات عظيمة، سواء كانوا معلمين أو مربّين أو قادة روحيين. فالارتباط بهم يشبه علاقة التلميذ بأستاذه، حيث يقودنا الاقتداء بهم تدريجيًا إلى التشبّه بهم، لنصل إلى المقامات التي بلغوها، فنعرف الله حق معرفته، ونحقق الهدف الأسمى لوجودنا.
[1] مَن عَرَفَ نَفسَه فَقَد عَرَفَ رَبَّه؛ غررالحکم و دررالکلم، ص 558
[2] إِنَّ أَوَّلَ عِبَادَۀ اللَّهِ مَعْرِفَتُه؛ ابن شعبه الحرانی، تحفالعقول، ص 61
[3] أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورِی؛ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 57، ص 170
[4] مَنْ اَرادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ؛ زیارة الجامعة الکبیرة
[5] بِنا عُرِفَ الله و بِنا عُبِدَ الله؛ شیخ الصدوق، التوحید، ص 152