رؤية في حديث: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية
تُعتبر رواية “ميتة جاهلية” من أشهر الروايات بين الشيعة والسنة، وهي منقولة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). فقد روى الإمام الصادق (عليه السلام) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إمامَ زَمانِهِ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً”. وبناءً على هذه الروايةِ، فإنّ عدم معرفة الإمام يُؤدّي إلى ميتة جاهلية. الجاهلية مصطلحٌ يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن فترة ما قبل الإسلام. لكن هل يقتصر مفهوم الجاهلية على نمط حياة العرب البدو في ذلك الزمان؟ وهل يمكن أن نجد له تجليات في عالمنا المعاصر؟ من هو الإمام المقصود في الأحاديث الشريفة؟ ما هو مفهوم المعرفة والإدراك المطلوب للإمام؟ ماذا يعني مصطلح “ميتة جاهلية”؟
بالنظر إلى أنَّ الروايات والأحاديث الإسلامية تحمل معارف فطرية وتخاطب الناس في كل زمان ومكان، يمكننا أن نستنتج أن لكل عصر إمامه الخاص، وأن واجبنا هو التعرف على إمام عصرنا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما المقصود بمعرفة الإمام؟ هل يكفي أن نعرف اسمه وصفاته الظاهرية ونسبه لنكون قد بلغنا المعرفة الحقيقية؟ أم أن المعرفة تتجاوز هذه الأمور الظاهرية؟
للابتعاد عن المخاطر في أي مجال، يجب أن ندرك ماهية العوامل المهددة وأن نحمي أنفسنا منها. وهذا ينطبق أيضًا على “ميتة جاهلية”، حيث يجب أن نحدد العوامل الخطرة التي تؤدي إليه ونتجنبها. ولا يمكننا تحقيق ذلك إلا من خلال فهم دقيق لمفهوم الجاهلية.
فبالرغم من أن البعض ينظر إلى الجاهلية كفترة تاريخية مضت، فإننا اليوم أمام مصطلحات مثل “الجاهلية الحديثة” و”الجاهلية المقدسة”، مما يستدعي الوقوف على هذه المفاهيم.
فما هي الجاهلية؟ وما هي أنماط الحياة الجاهلية؟
ومن هو الإمام في زماننا؟
وما هي المعرفة الحقيقية المطلوبة لإمام عصرنا؟
وكيف يمكننا تجنب الميتة الجاهلية؟
هذه الأسئلة وغيرها، تسعى هذه الأسطر إلى الإجابة عنها وتسليط الضوء على هذا الموضوع الهام.
دراسة مفهوم الجاهلية وأنواعها
يتبادر إلى أذهان البعض أن الجاهلية فترة زمنية سبقت ظهور الإسلام، اتسمت بابتعاد الناس عن الحضارة والعلم، وانتشار عاداتٍ باليةٍ مثل وأد البنات، والحروب القبلية، وشرب الخمر، والمقامرة، والربا. لكن، هل تنحصر الجاهلية حقًا في ذلك الزمان وتلك السلوكيات؟ هل يخلو عالمنا اليوم من سلوكياتٍ وعاداتٍ خاطئةٍ، وإن اتخذتْ أشكالًا مختلفةً؟
إنّ الجاهلية، في جوهرها، تعني تغلب الأهواء والشهوات على المجتمعات الإنسانية، وخضوعها لحكامٍ مستبدين، ممّا يؤدي إلى ضياع الفضائل وانتشار الرذائل. هذه هي الجاهلية التي نراها اليوم، الجاهلية الحديثة! والفرق بينها وبين الجاهلية الأولى – كما وردت في القرآن الكريم – هو أن جاهلية اليوم مُسلّحةٌ ومُجهّزةٌ بسلاح العلم، ممّا يجعلها أشدّ خطرًا وتأثيرًا. [1]
لا تقتصر الجاهلية على نمط حياة بدويّ أو مجتمع مُحدّد، بل تتجلّى في أشكال وصور متنوّعة في مختلف المجتمعات والثقافات. فهي قد تتّخذ شكلَين: “جاهلية مقدسة” و “جاهلية حديثة”.
الجاهلية الحديثة
تتجلى الجاهلية الحديثة تحت قناع يُدعى العلوم الإنسانية والحضارة، وتظهر بشكل أكبر في المجتمعات التي تُعرف اليوم بالمتقدمة؛ مجتمعات شهدت نموًا سريعًا في العلم، وتمكن علماؤها من تحقيق اختراعات متطورة، لكن الوحشية فيها تفوق بكثير ما كان عليه الحال في فترة الجاهلية قبل الإسلام. ففي الجاهلية الحديثة، تتعرض النباتات والحيوانات والبيئة والإنسان لظلم وتجاوزات أكثر مما كان في الجاهلية الأولى. هذه النوعية من الجاهلية تسود في العديد من مناطق العالم التي تدعي التقدم والحضارة.
الجاهلية المقدسة
الجاهلية المقدسة تعني أن نتمسك بظاهر الدين فقط، ونعتقد أن كتاب الله وحده كافٍ للهداية. ولكن يجب ألا ننسى أن القرآن يحمل دور الدستور في الدين، وكما في إدارة المجتمعات البشرية لا يكفي وجود دستور فحسب، بل نحتاج إلى سلطات مختلفة كالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، فإن إدارة الإنسان أيضًا تتطلب أكثر من مجرد النصوص العامة. القرآن يحتوي على الكليات والتعليمات الدينية العامة، أما التفاصيل الدقيقة للقوانين وكيفية تطبيقها، فلا بد أن تُستقى من مصدر آخر. وقد أشار الله في القرآن إلى ضرورة تبين الآيات،[2] ووضع مهمة التوضيح على عاتق المتخصص المعصوم، وهو النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
إذا لم يكن هناك مختص معصوم في المجتمع يقوم بالتفسير، فإن هذا المجتمع سيتجه تدريجياً نحو الظلام والجاهلية. إذن، يمكن القول إن الجاهلية المقدسة تظهر في المجتمعات التي تتبنى ظاهر دين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحتكم إلى شرائعه وأحكامه، ويظن أهلها أنهم مؤمنون بالدين والنبي والقرآن. ولكن تحت هذه المظاهر المقدسة، تُرتكب جريمة كبرى، وهي ما أشارت إليه أدعية الأئمة (عليهم السلام) بـ”المصيبة العظمى”. والمصيبة العظمى تعني إقصاء المتخصص المعصوم من المجتمع.
يحذر الله في القرآن، من خطر إقصاء المتخصص المعصوم والوقوع في الجاهلية، فيقول: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»[3]

بحث في مصداق الإمام ومفهوم المعرفة في حديث “میتة جاهلية”
تقتضي حكمة الله تعالى وربوبيته ألا يترك أي قوم دون هادٍ أو قدوة يُقتدى به. [4] فوجود هذه الهداة والقدوات هو ضمانةٌ لئلا يكون للناس على الله حجة. [5] وبناءً على هذا، فإنه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لابد أن يكون هناك هداةٌ يقودون الناس إلى الطريق المستقيم. وقد أشار النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسيره لعبارة “أولي الأمر” في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[6] إلى أسماء أهل البيت (عليهم السلام)،[7] وبذلك حدد مهمة الأئمة المعصومين الذين سيخلفونه في قيادة الأمة.
ومن الأسئلة التي تُثار حول حديث “المیتة الجاهلية”: مَن هو المقصود بالإمام في هذا الحديث؟ في ضوء ما سبق شرحه عن مفهوم الجاهلية، فإن الإمام هو ذلك الهادي المعصوم الذي يجب أن نلجأ إليه لفهم حقيقة الدين، ونعتمد عليه في إيجاد الطريق الذي يوصلنا إلى الهدف من خلقنا. في كل عصرٍ یوجد هناك إمامٌ يجب على الناس أن يعرفوه ويُدركوه. وإمام زماننا هو الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي يعيش في فترة الغيبة. لفهم معنى معرفة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه)، يجب أولًا أن نعرف ما هي المعرفة بشكل عام، ثم نحدد المعرفة الخاصة به.
مفهوم معرفة الإمام في حديث میتة جاهلية
تشير أولى فقرات حديث میتة جاهلية إلى معرفة الإمام. قد تم استخدام عبارة “لَمْ يَعْرِفْ” بدلاً من “لَمْ يَعْلَمْ” في نص الرواية! تشير العبارة الأولى إلى المعرفة، بينما تشير الثانية إلى العلم. العلم هو مجموعة شاملة من المعلومات وقدرة عقلية تؤدي فقط إلى کسب العلوم؛ أما المعرفة فهي مجموعة من الإدراكات والشهود الجزئية التي تخلق قدرة عملية وتعتبر نوعًا من الثروة. في حياتنا، لدينا العديد من الأمثلة المتعلقة بالعلم والمعرفة؛ على سبيل المثال، معرفة قانون السير، قواعد اللغة، أو المبادئ العامة للسباحة هي نوع من العلم والمعلومات، بینما القيادة، والتحدث بلغة أخرى، والسباحة هي معرفة وثروة.
السبب في أن الرواية تشير إلى “المعرفة” بدلاً من “العلم” بالنسبة للإمام، بنغنى أن المعرفة بالإمام تحفزنا على الحركة. العلم بالإمام يعني الدراية على اسمه، ونسبه، وفي كثير من الحالات قد يكون أعداء الإمام أكثر دراية بهذه المعلومات من أصدقائه؛ مثال على ذلك هو واقعة الطف والتي حدثت للإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، حيث كانت قوات العدو على دراية بجميع المعلومات العائلية، والجذور للإمام، لكن بسبب عدم معرفتهم لم يتمكنوا من إدراك أنه الحق المطلق، وأنه لا ينبغي لهم الوقوف ضده؛ لذا فإن معرفة الإمام ليست مجرد معرفة الاسم والخصائص الظاهرة والعائلية، بل هي مقدمة لحكم الإمام المعصوم، والارتباط، والخدمة، والعيش معه. يجب أن يكون نمط حياة من يرتبط بمعصوم متخصص مختلفًا عن بقية البشر.
استنادًا إلى تعريف المعرفة، فإن القضية الرئيسية في معرفة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كمتخصص معصوم في زماننا هي تنظيم العلاقة الوجودية معه. علامة معرفة الإمام هي أن يكون نمط حياتنا بطريقة تجعلنا مؤثرين في إزالة موانع ظهوره. إذا لم نتواصل مع رحمنا الأصلي، وهو الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولم نبذل جهدًا لإزالة موانع ظهوره، فسوف نكون بلا شك مصاديق للذين يُحكم عليهم بموت الجاهلية بسبب عدم معرفتهم بإمامهم.
الموت الجاهلي: ثمن فقدان الصلة بالإمام
أعظم جريمة على مر التاريخ، هي حرمان المجتمع من متخصص معصوم. لماذا تعتبر هذه جريمة؟ تخيل مجتمعًا يضم أطباء ماهرين، ولكن يمنع هؤلاء الأطباء من ممارسة مهنتهم ويمنع المرضى من طلب علاجهم. أليست هذه مأساة؟ المتخصص المعصوم هو بمثابة طبيب الروح، وحضوره ضروري لشفاء المجتمع من أمراضه الروحية. فالمجتمع المحروم من هذا الطبيب يشبه المريض الذي لا يجد دواء لدائه. إن عدم معرفة المتخصص المعصوم كفيل بأن يؤدي إلى نفس العواقب الوخيمة كغيابه، وقد وصف الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه العواقب بـ”میتة جاهلية”. لنشبه الأمر بجنين في رحم أمه. فكما أن الدنيا تدير الجنين داخل رحم الأم بقدرةٍ مدبِّرةٍ وحكمةٍ بالغة، وإذا انقطع ارتباط الرحم بالدنيا ولو للحظةٍ واحدةٍ، فإن الجنين سيتعرَّض حتماً للهلاك، فإن الإنسان في رحم هذه الدنيا يحتاج إلى ارتباط وثيق بمن يمثل الحكمة الإلهية المطلقة، وهو الإمام المعصوم. فانقطاع هذا الارتباط يؤدي حتماً إلى سقوط وجودي أو خروج ناقص إلى المرحلة التالية من الوجود. وهذا السقوط يُشبه ب”الميتة الجاهلية”، الذي يعني ولادةً باطلةً إلى عالمٍ لاحقٍ دون تحقيق الغاية الوجودية المنشودة. فنحن لم نُخلَق في هذا العالم لنبلغ كمالات جمادية أو نباتية أو حيوانية أو حتى عقلية. لقد خلق الله الإنسان ونفخ فيه من روحه لغايةٍ سامية، وهي أن يصبح مظهراً لصفاته ويتشبَّه به، وصولاً إلى مقام “خليفة الله”. وهذا المقام لا يُدرك إلا من خلال الارتباط بالأنموذج الكامل الذي يجسّد التجلّي الإلهي في الأرض، وهم المعصومون المتخصصون. فهم يمثلون القناة الوحيدة التي تُوصل الإنسان إلى كماله الروحي والإنساني.
في هذا المقال الذي يتمحور حول حديث “ميتة جاهلية”، قمنا بدراسة مفهوم الجاهلية ووصف نوعين منها: الجاهلية الحديثة والجاهلية المقدسة. وتوصلنا إلى أن حكمة الله تعالى تقتضي وجود إمامٍ معصومٍ متخصّص في كل عصرٍ لهداية البشر، وهذا الإمام في عصرنا الحالي هو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ومن النقاط الجوهرية التي يجب على الجميع إدراكها هي معرفة الإمام؛ فمعرفته تتجاوز مجرد الاطلاع على المعلومات الظاهرية، بل يجب أن تنعكس هذه المعرفة في أسلوب حياتنا. فمن يضع حضور الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) في اعتباره في كل خياراته وعلاقاته وسلوكه وأفكاره ويسعى لإزالة العقبات التي تحول دون ظهوره، يمكنه أن يدَّعي أنه قد عرف إمامه حقا.
والسبب في أن عدم معرفة الإمام تؤدي إلى ميتة جاهلية، هو أن الإمام يمثِّل الرحم الأساسي والمكان الآمن الذي من خلاله نستطيع أن نولد ولادةً سليمة. تماما كما أن مصير الجنين الذي يخرج من الرحم هو الموت أو الإسقاط حتماً، فإننا بقدر ما عرفنا إمامنا وارتبطنا به، نكون قد ابتعدنا عن خطر ميتة جاهلية.
[1] بيانات السيد الخامنئي في لقاء مسؤولي النظام وسفراء الدول الإسلامية؛ 26/2/1394
[2] أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ؛ سورة النحل، الآية 44
[3]سورة آل عمران، الآية 144
[4] وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ؛ سورة الرعد، الآية 7
[5] رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ؛ سورة النساء، الآية 165
[6] سورة النساء، الآية 59
[7] خزاز الرازي، كفاية الأثر، ص 53