الفرق بين مساري الفسق والإيمان يكمن في ترتيب المحبوبات حسب الأولوية
ماذا نعلم عن مساري الفسق والإيمان في الحياة؟
حاليًا، هل نسير في طريق الفسق أم الإيمان؟
ما أهمية هذا السؤال في حياتنا؟
في رحلة الحياة، نحن دائمًا في مواجهة اختيارات متعددة. لكن هل تعلم أن هناك اختيارًا واحدًا يُحدد مصير سعادتك وطمأنينتك في الدنيا والآخرة؟ إنه الاختيار بين مساري الفسق والإيمان.
نحن جميعًا، بلا استثناء، نبحث عن السعادة والسكينة. لكن السعادة الحقيقية لا تتعلق فقط بما نحققه في هذه الحياة القصيرة، بل تمتد إلى أبديتنا التي لا نهاية لها. نحن كائنات خُلقنا لنعيش إلى الأبد. جئنا إلى هذه الدنيا لفترة وجيزة، وسنعود بعدها إلى الله سبحانه وتعالى. المسألة المهمة هي أننا، بإرادتنا التي منحنا الله إياها، نحدد مكانتنا في الحياة الأبدية؛ لذلك فإن أعظم قرار في حياتنا هو ذلك الذي يضمن لنا السعادة في الآخرة. مع كل هذه التفسيرات، نستنتج أن الاختيار بين مساري الفسق والإيمان هو الاختيار الأهم في حياتنا، لأن اختيار أحد هذين المسارين لا يحدد فقط مستوى سعادتنا وطمأنينتنا في الدنيا، بل يحدد أيضًا مكانتنا في الأبدية. عندما نختار مسار الفسق، فإننا نفتح الباب للحزن والاضطراب في حياتنا الدنيا، ونُعرض أنفسنا للشقاء الأبدي. أما عندما نختار طريق الإيمان، فإننا نجد الطمأنينة والسعادة في الدنيا، ونصل إلى سعادتنا الأبدية التي هي الغاية الحقيقية لوجودنا. الفسق، في جوهره، هو الانحراف عن التوازن والخروج عن الصراط المستقيم. أما الإيمان، فهو ذلك اليقين القلبي والطمأنينة التي تملأ روح الإنسان حين يرتبط بخالقه.

جميعنا، سواء كنا ندرك ذلك أم لا، نقف عند مفترق طرق بين الفسق والإيمان، ولهذا السبب ينقسم جميع البشر إلى فئتين رئیسیتين: المؤمنين والفاسقين.
أول نقطة جديرة بالاهتمام، والتي تم تناولها في الدروس السابقة أيضًا، هي أن الفسق والإيمان مرتبطان بشكل مباشر بترتيب محبوباتنا حسب الأولوية. في هذا الدرس، سنلقي أولًا نظرة على هندسة المحبوبات وعلاقتها بالفسق والإيمان، ثم نناقش طريقَي الفسق والإيمان وخصائص كل منهما.
الفسق والإيمان مرهونان بترتيب أولويات المحبوبات
نحن في الدنيا أمام مسارين رئيسيين: الفسق والإيمان. ولكي نفهم العلاقة بين هذين المسارين وترتيب محبوباتنا، يجب أن نلقي نظرة موجزة على طبيعة هذه المحبوبات. كلٌ منا في حياته يتعامل مع خمسة أنواع من المحبوبات، والتي ترتبط بأبعاد وجودنا الخمسة. هذه المحبوبات عبارة عن: المحبوبات الجمادية، النباتية، الحيوانية، العقلية، وماوراء العقلية. الجانب الماوراء العقلي أو الإنساني هي الروح التي نفخها الله فينا، والتي تعشق الكمال المطلق واللامحدود، أي الله سبحانه وتعالى. ولذا فإن الحالة الطبيعية لنا كإنسان هي حب الله، والسير نحوه، والسعي لنيل رضاه، لأن الله هو المحبوب والإله الحقيقي لجانبنا الإنساني. وإلا، نكون قد وقعنا في الانحراف أو الفسق. هناك قاعدة مهمة في هندسة المحبوبات وهي أنه إذا كانت محبوبات مثل الأسرة، والأقارب، والأموال، والعمل أكثر حبًا لدينا من الله، وأهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الله، فإننا نكون من الفاسقين. ولكن إذا كان الله، وأهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في قمة أولويات محبوباتنا، فإننا نُعدُّ إنسانًا حقيقيًا.
يمكن تقسيم البشر بشكل عام إلى ست مجموعات بناءً على محبوبات قلوبهم: خمس مجموعات تسير في طريق الفسق ويُطلق عليها “الفاسقون”، والمجموعة السادسة تسير في طريق الإيمان وتُعرف بـ”المؤمنين”. فيما يلي، سنتعمق في فهم مساري الفسق والإيمان ونستعرض خصائص هذه المجموعات الست
مسار الفسق
الذين ينشغلون في حياتهم بالسعي وراء الكمالات الجمادية، النباتية، الحيوانية أو العقلية بدلاً من التوجه نحو هدف الخلق(لماذا وُلِدتُ؟ ما هو هدف الله من خلق الإنسان؟)، وهو التقرب من الله والتشبه به، يقعون في طريق الفسق. هؤلاء الفاسقون ينحرفون عن فطرتهم الإنسانية، ويفقدون جوهرهم الإنساني. يصنّف الله سبحانه وتعالى الفاسقين في القرآن الكريم بناءً على باطنهم وقلوبهم إلى خمس فئات: كالحجارة أو أشد قسوة منها، كالحيوان أو أدنى مرتبة منه، وكالشيطان. سنشرح كل فئة بإيجاز:
القلب الذي يُشبّه بالحجارة ينشأ بسبب التعلّق بالمحبوبات الجمادية مثل البیت، والسيارة، والأموال، أو الذهب والمجوهرات، أي أن الجمادات تصبح أحبّ إلى هؤلاء الأشخاص من المحبوبات الإنسانية. القلب الحيواني ينشأ عندما تغلب الكمالات الحيوانية مثل الشهوة، حب السلطة، أو التعلق بالعائلة على الكمالات الإنسانية، مما يؤدي إلى طبيعة باطنية تشبه الحيوان
والقلب الأدنى من الحيوان أو القلب النباتي، فهو القلب الذي تنحصر اهتماماته في حدود الكمالات النباتية، كالتغذية، وجمال الجسم، والتكاثر.
وفي القلب الشيطاني، يُسلّم الإنسان نفسه لرغبات الشيطان بدلاً من الخضوع لله تعالى، وفي النهاية يصبح شبيهًا بالشيطان. أما القلب الأشد قسوة من الحجارة فهو القلب الذي سيطرت عليه الكمالات الجمادية، النباتية، الحيوانية والعقلية لدرجة تجعله قاسيًا وغير متأثر بأي نصيحة أو وعظ. بشكل عام، يكون الإنسان في طريق الفسق عندما يفضل في اختياراته، علاقاته، أفكاره وسلوكياته الكمالات المحدودة على القيم الإنسانية اللامحدودة.
ونظرًا لأن هذه الكمالات المحدودة لا تشبع طبيعتنا الإنسانية التي تسعى إلى الكمال المطلق، يعاني الفاسق من مشكلات متزايدة مثل الضغوط النفسية، القلق، الاكتئاب، واليأس. وكلما ابتعد عن محبوبه الحقيقي والمطلق، زادت معاناته وتفاقمت مشكلاته.
المثير للتأمل أن جميع البشر، معرضون للسير في طريق الفسق والخسران، إلا فئة المؤمنين الذين يتحركون في طريق الإيمان.
طريق الإيمان
كما ذكرنا، لا يسير في طريق الإيمان إلا الذين تكون محبوباتهم الإنسانية، مثل الله، وأهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد في سبيل الله، هي الغالبة والحاكمة على قلوبهم. في هذا الطريق، يسعى الإنسان نحو هدف خلقته، وهو التقرب من محبوبه الحقيقي، الله، ويتحلى برغبات وميول إنسانية. لذا، وحدهم هؤلاء يتمتعون بباطن إنساني نقي وقلب سليم. وقد وصف الله تعالى خصائص الذين يسيرون في طريق الإيمان بقوله: “وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”.
فالمؤمن الحقيقي لا يكتفي بأن يكون هو نفسه صاحب إيمان وأعمال صالحة، بل يتحمل مسؤولية تجاه الآخرين، ويتحلى بروح التواصي بالحق والصبر، ويترك أثرًا إيجابيًا في من حوله.
النقطة المهمة والجديرة بالانتباه هي أن السير في طريق الإيمان يتطلب معرفة النفس(
الفرق بين علم النفس وعلم الانسان|حقيقة واحدة مع تفسيرين مختلفين)، أو بمعنى آخر، علم الإنسان. فمن المؤكد أنه إذا لم نتعرف على ذواتنا الحقيقية(ما معنى “الأنا الحقيقية” في الوجود الإنساني؟ تعريف لمفهوم “أعلى من العقل” أو “ماوراء العقل”) ومعشوقنا الحقيقي، سنقع أسرى للمحبوبات الجمادية، أو النباتية، أو الحيوانية، أو حتى العقلية.
من أبرز صفات المؤمن في طريق الإيمان أنه يعيش في حالة من الرحمة والسكينة والسعادة الداخلية المستمرة، لأنه مرتبط بمحبوبه الحقيقي، الله، الكمال المطلق، وكلما اقترب منه، زادت مشابَهته له. لذلك نجد أن المؤمن يتسم بالرأفة واللطف مع عائلته ومع الآخرين. كما أنه خالٍ من الرذائل مثل الحسد، والضغينة، والغضب السريع، والطمع، والتعلق بالدنيا. وفي النهاية، ينتقل بقلب سليم إلى الآخرة، ليحظى بالسعادة الأبدية.
تحدثنا في هذا الدرس عن طريقي الفسق والإيمان وخصائص كل منهما. إذا كانت محبوبات الإنسان المحدودة، مثل المال، والمكانة، والمتع الجسدية، أعزّ على قلبه من محبوباته الإنسانية، مثل الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد، فإنه في طريق الفسق ويُطلق عليه لقب “فاسق”. أما إذا كانت محبوباته الإنسانية هي الأهم والأعز، فإنه يسير في طريق الإيمان ويُعرف بـ”المؤمن” أو “الإنسان الحقيقي”. يُصنّف الفاسقون حسب نوع قلوبهم إلى خمس فئات: كالحجارة، أشد قسوة من الحجارة، كالحيوان، أدنى من الحيوان، وكالشيطان. وذكرنا أن الفاسق، بسبب تعلقه بالمحبوبات المحدودة وعدم إشباع قلبه الذي يميل إلى الكمال المطلق، يعيش حالة من الاكتئاب والقلق والغضب واليأس. أما المؤمن، فبفضل قربه من الله ومحبوبه الحقيقي، يتمتع برحمة داخلية، وحب، وفرح، وسلام دائم.
برأيكم، أيُّ مسارٍ يختاره الشخص الذكي: الإيمان أم الفسق؟