هل العلم والمعرفة مفهومان متشابهان؟
كثيراً ما سمعنا عن كلمتي العلم والمعرفة. لكن ماذا نعرف عن معناهما الدقيق؟
ما العلاقة بين العلم والمعرفة؟
وأيهما أكثر أهمية؟
يعتقد بعضنا خطأً أن العلم والمعرفة مترادفان، ويُستخدمان مکان بعضهما البعض، بينما أن العلم والمعرفة، رغم ارتباطهما، يختلفان اختلافاً جوهرياً. يشير العلم أو الحکمة إلى اكتساب المعلومات والفهم العام حول شيء ما، بينما تعبر المعرفة عن الإدراك الجزئي واليقين القلبي. العقل هو منبع العلم، بينما القلب هو منبع المعرفة واليقين. فالذي يصل إلى المعرفة ليس عالِمًا فقط، بل هو إنسان يمتلك جوهرة ثمينة وقيمة.
جميعنا كبشر بطبيعتنا نحب اكتساب المعرفة والمعلومات في مجالات مختلفة، لدرجة أن بعضنا قد يصاب بشهوة العلم، فنشترك باستمرار في أنواع مختلفة من الدورات التدريبية أو نواصل دوماً قراءة الكتب المتنوعة ونسعى لكسب معلومات كثيرة حول مواضيع شتى. يجب أن لا ننسى بالطبع أن اكتساب العلم والمعرفة أمر جيد ومرغوب فيه، وقد أوصى به الحکماء كثيرا، لكن الموضوع المهم هنا هو الهدف من تعلم العلم. هل غايتنا هي تخزين كم هائل من المعلومات في أذهاننا فقط، أم أن لدينا هدفاً آخر؟ هل هناك فائدة عملية للمعلومات التي نكتسبها في حياتنا وهل تساعد في حل مشاكلنا النفسية والأخلاقية، أم لا؟
على سبيل المثال، إذا كنا قد قرأنا عدة كتب عن كيفية كظم الغيظ والتحلي بالأخلاق الحميدة، فهل أحدثت معلوماتنا فرقاً في سلوكنا، أم أننا ما زلنا نتصرف بنفس الغضب والعبوس كما في السابق؟؟!
في هذا الدرس سنتناول العلاقة بين العلم والمعرفة، وسنستعرض الفرق بينهما ونكتشف أهمية كل منهما.
العلاقة بين العلم والمعرفة
العلم أو الحكمة يشكلان الخطوة الأولى نحو المعرفة أو التمكُّن. فعندما نحصل على العلم، فإننا في الحقيقة نكتسب معلومات تقودنا إلى مستوى المعرفة. ومع ذلك، فإن العلم والحكمة بمفردهما لا يكفيان لمنحنا المهارة أو القدرة العملية، بل هما نتيجتان لاكتساب المعرفة. ولكن ما هي المعرفة؟ المعرفة هي علم يتجاوز مرحلة العقل ويصل إلى القلب. بمعنى آخر، المعرفة هي علم نضج وثمر نتيجة للتكرار والممارسة والتلقين.
المعرفة تمنح القوة والقدرة وتصبح مصدراً للتأثير، لكنها تحتاج إلى تطبيق لتؤتي ثمارها. على سبيل المثال، قراءة دليل القيادة تُزوّدنا بمعلومات مفصّلة عن قواعد وآداب القيادة، لكن امتلاك هذه المعرفة لا يعني أننا نستطيع القيادة فوراً، بل يتطلب إتقان القيادة وقتاً وممارسة مستمرة. لنصبح سائقين مهرة، علينا أن نجلس خلف عجلة القيادة ونطبق ما تعلمناه عملياً، ومع التكرار والممارسة نصقل مهاراتنا تدريجياً حتى نصل إلى الاحتراف. عندما نبلغ هذه المرحلة، تصبح هذه المهارة جزءاً لا يتجزأ من كياننا، ولا يمكن لأي أحد أن ينزعها منا. فهي تندمج تماماً مع وجودنا لدرجة أننا نقوم بأشياء مثل الضغط على المكابح، أو استخدام التنبيه، أو تغيير التروس بشكل تلقائي دون الحاجة إلى التفكير الواعي، بل تتولى نفسنا هذه المهام بسلاسة وبدون مجهود ذهني.
إذن، يمكننا القول إن المعرفة هي نتاج مزيج من العلم والتطبيق العملي. فعندما يصل الإنسان إلى المعرفة، يتحول إدراكه العقلي إلى يقين قلبي راسخ. على سبيل المثال، أغلبنا يعلم أن جثة المتوفى لا تملك القدرة على إيذائنا، ومع ذلك نشعر بالخوف منها. السبب هو أن هذا العلم لم يتحول إلى معرفة ويقين داخلي. في المقابل، المُغَسِّل لا يخشى التعامل مع الجثة أو البقاء وحيداً معها؛ لأنه وصل إلى يقين راسخ بأن الميت لا يمكن أن يضره. الفارق هنا هو أن علمنا بهذا الأمر نظري فقط، بينما المُغَسِّل اختبره عملياً حتى صار يقيناً وشهوداً في نفسه.
أهمية اکتساب العلم والمعرفة
لا يمكن للعقل السليم أن ينكر أهمية وقيمة طلب العلم والحکمة. لقد تحدث العديد من العلماء والحكماء عن قيمة العلم وحثّوا على تعلمه. لكن النقطة المهمة هنا هي أن العلم وحده لا ينفع. لابد أن يؤدي العلم والعمل بما تعلمناه إلى تحقيق الهدف الرئيسي، وهو المعرفة واليقين القلبي.
لذلك، إذا لم نطبق ما تعلمناه من العلوم ولم نسعَ للوصول إلى المعرفة الحقيقية، فإن علمنا لن يكون عديم الفائدة فحسب، بل قد يتحول إلى ضرر، بل وحتى أداة يستخدمها الشيطان لإغوائنا، مما يجعلنا متكبرين ومغرورين، وفي النهاية يقودنا إلى الانحراف عن الصراط المستقيم.
في الحقيقة، كما أشرنا سابقًا، كل ما نتعامل معه يحتوي على نار ونور؛ يمكن أن يكون وسيلة للوصول إلى الجنة أو الجحيم. فالعلم، على الرغم من أن جوهره نور، إلا أنه إذا لم يُطبّق عمليًا ولم يخدم الجانب الإنساني والإلهي في وجودنا، فإنه يتحول إلى نار وفتنة لنا.
والآن، بعد أن فهمنا قيمة العلم وأهمية السعي لاكتساب المعرفة، يبرز تساؤل مهم: ما هي أعظم معرفة يجب علينا تحصيلها؟
أعظم الثروات
من المؤكد أننا نحتاج إلى اكتساب الثروات في جميع أبعاد وجودنا(تعریف أبعاد الوجود الإنساني؛ هل لدى الإنسان بعدًا آخر غیر البعد الجسدي؟)، سواء كانت مادية، نباتية، حيوانية، أو عقلية، وقد يؤثر فقدان العديد من هذه الثروات على حياتنا بشكل كبير. ولكن بما أن هذه الثروات محدودة بعالم الدنيا، فإن المشاكل الناتجة عن عدم امتلاكها تقتصر أيضًا على هذا العالم وتنتهي بالموت. وبالتالي، فإن غيابها لا يشكل مشكلة حادة في مسار نموّنا وتكاملنا. هناك ثروة واحدة فقط، إذا لم نحرص على اكتسابها، فإننا سوف نتعرض إلى مشاکل خطيرة في حياتنا الدنيوية والآخروية معًا، وهي الثروات المتعلقة بالجانب الإنساني وماوراء العقل(ما هو ماوراء العقل؟ وما هو الجزء الإنساني من وجودنا وما هو دوره؟)؛ لأنه كما ذكرنا سابقًا، فإن حقيقتنا كإنسان تكمن في جانبنا الماوراء العقلي أو قلبنا، ولذاك فإن أعظم ثرواتنا الحقيقية، الذي نحتاجها بشدة في حياتنا الدنيوية والآخروية، هي القلب السليم.
القلب السليم هو القلب الذي اكتسب أسماء وصفات الله تعالى، مثل الرحمن، الرؤوف، الغفور، الشكور، الصبور، الجواد، وغيرها من الأسماء، بحيث يصبح متشبه بمعشوقه الحقيقي أي الله سبحانه وتعالى من جميع النواحى. لقد خُلقنا لتحقيق هذا الهدف، وسنُحاسب في الآخرة بناءً على هذه الثروات. تعتمد سعادة كل شخص في الآخرة على عدد أسماء الله وصفاته التي اكتسبها خلال حياته.
إن الثروات الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية تكون مفيدة لنا فقط عندما تُستخدم في سبيل الجانب الماوراء العقلي؛ أي أن تسهم في التقرّب من الله واكتساب أسمائه الحسنى. تماما كالشخص الذي يستخدم ثروته في أعمال الخير ومساعدة الآخرين، فيُصبح متصفاً باسم الجواد. لا توجد هناك نعمة ولا نقمة، ولا خير ولا شر في الحياة، إلا وهي ميدان لظهور أسماء الله واكتساب الثروات الإنسانية وازدياد المعرفة الوجودية لدينا.

تناولنا في هذا الدرس تعريف العلم والمعرفة، والعلاقة بينهما، وأهمية كل منهما. فالمعلومات والوعي الذي نكتسبه من خلال القراءة أو حضور الدروس يُطلق عليه اسم العلم والمعرفة العقلية. لكن المعرفة أو “الثروة” تختلف عن العلم. عندما نبدأ بتطبيق ما تعلمناه عمليًا، نقترب تدريجيًا من اكتساب هذه الثروة أو المعرفة الحقيقية. فالمعرفة تمنح القوة والقدرة، وتصبح مصدرًا للتأثير.
الغاية من وجودنا والهدف من خلقنا هو الوصول إلى هذه الثروة في الجانب الإنساني أي ما وراء العقلي، واكتساب أسماء الله الحسنى. بشكل عام، فإن العلم الذي لا يؤدي إلى اكتساب المعرفة الحقيقية أو الثروة يصبح عديم الفائدة. إنه كحال شخص يتعلم علم الأخلاق لكنه يظل أسير السلوكيات السلبية كالحسد، الكراهية، أو سوء الخلق.