ما هو الوجود؟ ولماذا من المهم فهم مراتبه وأنواعه؟
ربما إذا سُئلنا عن ماهية الوجود، لانصرف أذهاننا فورًا إلى مكتبات ذات رفوف شاهقة وممرات متداخلة، أو إلى دروس الفلسفة المملة. لكن الحقيقة أننا نحن أنفسنا جزء من هذا الوجود، ونحمل في داخلنا مراتب مختلفة منه. ومع ذلك، ولكن غالبًا ما نكتفي بمجرد القول “أنا موجود”، دون أن نتأمل في ماهية هذا الوجود، مما يجعلنا نقع في خسارة كبيرة، إذ إن عدم فهمنا العميق لحقيقة الوجود يمنعنا من إدراك الله باعتباره الوجود المطلق. فنحن ننظر إلى الوجود نظرة عامة وسطحية، ونادراً ما نميز بين أبعاده المختلفة.
إنّ الخوض في ماهية الوجود، وتبيان خصائصه وأبعاده المتشعبة، يقتضي منّا تجاوز قيود المألوف، وتحطيم أغلال العادة. فحالنا في ذلك كحال سمكةٍ، لا تدرك ماهية الماء الذي يحيط بها، لفرط ملازمتها له. فإدراك الوجود، الذي نألفه ونلازمه أكثر من أيّ شيء آخر، ليس بالأمر الهيّن. إنّنا ندرك وجودنا المادّيّ إدراكًا جيّدًا، ونتفاعل معه تفاعلاً وثيقًا، ولكنّ وجودنا لا يقتصر على المادّة والمحسوس فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أبعاد أخرى، كالبُعد الخياليّ، والوهميّ، والعقليّ، وماوراء العقليّ، حيث نتمتّع بوجود فاعل ومؤثّر.
بالتالي، حين نتحدث عن الوجود، فنحن لا نبحث عن حقيقة منفصلة عن أنفسنا أو عن العالم المحيط بنا، لأن الوجود حاضر في كل شيء بنفس المستوى، لكن ظهوره يختلف من كيانٍ لآخر بحسب سعته وقابليته. وهذا الاختلاف في سعة وقابلية الكائنات هو ما يؤدي إلى تباين مظاهر الوجود وتجلياته. في هذه المقالة، سنستعرض ماهية الوجود، خصائصه، وأبعاده ومراتبه المختلفة.
أنواع الوجود
إن الخطوة الأولى نحو إدراك ماهية الوجود تكمن في فهم خصائصه المتنوعة، وأهمها خاصية كونه منشأً للأثر. وفي نظام الكون، تتجلى ضروب الوجود وأنماطه المختلفة، وسوف نستعرض في الآتي بعضًا من هذه الأنواع مع تقديم أمثلة توضيحية.
الوجود الحسي والخيالي
إذا كان هناك خاتم في يدك، فإن الآخرين لا يستطيعون إدراكه إلا من خلال النظر إليه، أي عبر حاسة البصر. أما أنت، فترى الخاتم وتلمسه في آنٍ واحد، أي أن علاقتك به تتم عبر حاستي البصر واللمس معًا. وهذا يعني أنك تدرك وجوده من خلال الحواس، وهو أدنى مراتب الوجود، ويُعرف باسم الوجود الحسي.
والآن، لكن ماذا لو أخفيت الخاتم داخل قبضة يدك؟ في هذه الحالة، لن يتمكن الآخرون من رؤيته، لكنهم سيظلون على يقين بوجوده، لأنهم علموا مسبقًا بوجوده في يدك. في هذه الحالة، لا يعتمد إدراكهم للخاتم على البصر، بل على قدرة أخرى تكشف لنا بُعدًا مختلفًا من الوجود، يُعرف بـ قوة الخيال.
إن قوة الخيال، على عكس الحواس، تُلغي المادة لكنها تحتفظ بالشكل، والصورة، والحجم، وتُخزنها في الذاكرة. على سبيل المثال، نحن نحفظ عنوان منزلنا بفضل قوة الخيال. ما ندركه من خلال هذه القوة هو نوع من الوجود له تأثير فعلي في حياتنا، فلو فقدنا قوة الخيال كالقدرة على تذكّر عنوان منزلنا، أو ملامح وجه أحبّتنا كالأب، الأم، أو الزوج، سنجد صعوبة في العيش. إذن، عند البحث عن ماهية الوجود، نجد أننا لا نقتصر فقط على الوجود الحسي، بل هناك نوعٌ آخر أكثر أهمية، وهو الوجود الخيالي.
الوجود الوهمي
لا تقتصر أبعاد الوجود على الوجود الحسي والخيالي فقط، بل هناك مستوى آخر يُعرف بـ الوجود الوهمي.
تخيّل شخصًا يحتضن طفلًا بحب ويقبّله ويضمه إلى صدره بحنان. عندما نرى هذا المشهد، ندرك وجود العاطفة والمودة الموجودة بينهما، ولكن هل لهذه المشاعر كيان مادي ملموس؟ هل يمكن رؤيتها أو لمسها؟
كما ذكرنا، فإن مقياس الوجود هو كونه منشأ للأثر، فإذا رأينا أناسًا يضحّون بحياتهم من أجل حبّهم لأسرهم، أو وطنهم، فهذا يدل على أن المشاعر مثل الحب، والكرامة، والذل، والفخر، والكراهية لها أثر حقيقي، وبالتالي فهي موجودة. هنا يكمن الفرق بين الوجود الوهمي وغيره من المستويات الأخرى. فهو لا يشبه الوجود المادي، لأنه بلا شكل محسوس، ولا يشبه الوجود الخيالي، لأنه ليس تصورًا عامًا، بل مرتبط بشيء محدد. فمثلًا، حب الوطن، حب الأم، أو حب الزوجة، كلها مشاعر ذات طابع شخصي تنبع من الفرد نفسه. وهذا ما يُعرف بـ الوجود الوهمي. فهو بلا مادة أو صورة، لكنه أكثر تأثيرًا وقوة من الوجود الخيالي.
في الواقع، يُدار العالم بالكامل عبر هذه الأمور الوهمية. فالأحلام، والأحزان، والطموحات، والكراهية، والفخر، والعواطف كلها تنتمي إلى هذا النوع من الوجود، وهي غالبًا ما تمنح الحياة طابعًا جميلًا وساحرًا. فإننا على استعداد للتضحية بكل شيء من أجل حب شخص ما، وقد نبذل أرواحنا لإنقاذ طفلنا المريض، لكن هل يمكن رؤية هذا الحب أو لمسه؟ هل له شكل أو حجم؟ لا، ومع ذلك، فهو حقيقة قائمة، وله تأثير عظيم في حياتنا.
إذن، عندما نتأمل ماهية الوجود، نجد أن له أبعادًا متعددة، بعضها لا يتخذ شكلًا ماديًا، لكنه لا يقل تأثيرًا أو أهمية عن غيره.
الوجود العقلي
شكل آخر من أشكال الوجود، والذي يأتي في مرتبة أعلى وأسمى هو “الوجود العقلي أو العلمي”. وهو وجود أكثر شرفًا، وقداسة، وتأثيرًا، وقوة من الوجود الوهمي. عندما يسعى شخص لاكتساب العلم ويصبح أستاذًا أو عالمًا، فإن حجمه، ووزنه، أو مظهره الخارجي لا يتغير، لكن معرفته تزداد. من خصائص الوجود العقلي أنه لا يقتصر على فرد واحد، بل يمكن لعدد لا يحصى من الأشخاص امتلاكه؛ أي أن الكثيرين يستطيعون تحصيل العلم، ويصبحون أطباء أو مهندسين، أو يتعلمون أي نظرية مكتشفة أو معادلة علمية.
بما أن العلم مصدر تأثير، إذن فهو وجود حقيقي. ومن خلاله، صنعنا الكاميرا، والكهرباء، والساعة، والمركبات الفضائية، والطائرات، والأدوية، ولكن لا يمكننا رؤية العلم أو الإشارة إليه بأيدينا. إن الجامعة ترتقي بوجودنا العقلي من مستوى الدبلوم إلى البكالوريوس، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه، وكلما بذلنا مزيدًا من الجهد، زادت سعة وجودنا وتمكّنا من تحقيق اختراعات واكتشافات جديدة في المجالين العقلي والعلمي.
إن جميع الأدوات والسيارات والحواسيب التي نستخدمها اليوم هي نتاج العلم، ولكن أين يوجد العلم نفسه؟ هل يمكننا لمسه أو رؤيته بالعين المجردة؟ لا يمكن تحديد مكان وجود العلم ماديًا، لكنه حاضر داخل العقول، إنه يكمن في داخلنا، والعالِم الحقيقي هو ذلك الشخص الذي، حتى لو فُقدت جميع كتبه، يستطيع إعادة تدوينها من جديد، بل وإنتاج معرفة جديدة. إذن بعد الوجود الحسي، والخيالي، والوهمي، اكتشفنا أن هناك نوع رابع من الوجود وهوالوجود العقلي.
معنى الوجود والعدم
المفهوم الذي يُطرح غالبًا في مقابل الوجود أو الكينونة، والذي يساعدنا على فهم ماهية الوجود، هو مفهوم العدم واللاوجود. ذكرنا سابقًا أن العدم بحد ذاته غير موجود، فـ العدم يعني اللاوجود، واللاوجود يعني عدم وجود شيء؛ وإذا كان العدم موجودًا، فإنه يتحوّل إلى وجود! لذلك، يمكننا القول إن الوجود لا حدود له ولا نهاية. إذا تأملنا المكان الذي نجلس فيه، فلن نجد أي نقطة تخلو من الوجود، إذن فهو لا متناهٍ ولا ينتهي إلى عدم.
من المستحيل أن يكون للوجود نهاية. تمامًا كما لو تصورنا أن هناك فراغًا من العدم بعد المجرات، وهذا غير منطقي، لأننا إذا قلنا إن الوجود ينتهي عند نقطة معينة، فالسؤال التالي سيكون: وماذا بعد ذلك؟ هل يوجد شيء بعد هذه النهاية أم لا؟ وبما أن العدم لا وجود له في الواقع، فهذا يعني أن ما بعد الوجود هو المزيد من الوجود، أي أن الوجود مستمر بلا انقطاع. وهكذا، نصل إلى نتيجة حاسمة: لا يمكن تحديد الوجود أو تقييده بالعدم. إذن، لكي نفهم ماهية الوجود فهمًا صحيحًا، نحتاج إلى استيعاب مفهوم العدم واللاوجود بشكل دقيق.
خصائص الوجود الذاتية
عند تعريف الوجود وخصائصه الجوهرية، نجد أن:
- الوجود غير محدود في جميع أشكاله.
- الوجود واحد لا متناه ولا يتعدد، لكنه يتجلى في صور مختلفة.
جميع الأشياء التي نراها ليست سوى أجزاء من الوجود، مما يعني أن الوجود كيان واحد ومترابط. لو كان هناك وجودان منفصلان، لكان بينهما حد فاصل، وهذا الفاصل إما أن يكون وجودًا أو عدمًا. وبما أن العدم لا وجود له، فلا يبقى إلا الوجود، مما يعني أن الوجود واحد لا يتجزأ، حتى لو ظهر بأشكال مختلفة. على سبيل المثال، بين يدنا والهاتف الذي نحمله، هناك ثلاثة أشكال مختلفة من الوجود: اليد، الهاتف، والهواء بينهما، وجميعها أشكال مختلفة للوجود. فالوجود واحد متصل لا يمكن تقسيمه أو تصور فراغ داخله، ولا يمكن افتراض وجود كيانين مستقلين منه. لأننا إن تصورنا وجودين منفصلين، فلا بد أن هناك ما يفرّق بينهما، وإذا كان هذا الفاصل عدمًا، فهو غير موجود منطقيًا، وإن كان وجودًا، فهذا يعني وجود ثلاثة كيانات، وحينها يحتاج كل اثنين منها إلى فاصل، مما يؤدي إلى تسلسل لا نهائي بلا نتيجة. وهكذا، نستنتج أن الوجود واحد، لا نهائي، وفريد، وهذه ثاني صفة من صفات الوجود.
- لا بداية للوجود.
يمكننا رؤية هذه الحقيقة حتى داخل أنفسنا؛ فلم يكن هناك وقت لم نكن فيه موجودين، ولم يأتِ وجودنا من عدمٍ محض، لأن العدم لا يمكن أن يكون مصدرًا لشيء، بما هو غير موجود أصلاً، وما لا وجود له لا يمكن أن ينتج أي أثر أو يوجد شيئًا آخر. وإذا افترضنا أن هناك وجودًا قبل الوجود، فإننا لن نتمكن من تحديد نقطة بداية له، فكلما عدنا إلى الوراء، سنجد أن الوجود كان موجودًا دائماً، بلا بداية محددة. وهكذا، فإن الوجود أزلي، لا مبدأ له ولا خالق.
- لا نهاية للوجود
تماما كما أن الوجود بلا بداية، فهو أيضًا بلا نهاية، وهو أزلي أبدي. وحتى لو حاولنا إعدام شيء موجود تمامًا، كأن نهدم بناءً، فإننا في الواقع لا نعدمه، بل نحوله من شكل إلى آخر. فالوجود لا يفنى، بل يتحول ويتجدد.
- الوجود يحوي في داخله جميع الكمالات الممكنة.
كل صفة من صفات الكمال التي يمكننا تصورها، سواء كانت كمالات جمادية، نباتية، حيوانية، أو عقلية، موجودة داخل دائرة الوجود. وبما أن الوجود لا متناهٍ، فليس له حد أو نهاية، مما يعني أن لا شيء يمكن أن يوجد خارج الوجود. لو كان هناك شيء يمكن أن يخرج من دائرة الوجود، فإما أن يدخل في وجود آخر، أو أن يتحول إلى العدم. وبما أن العدم غير موجود، فمن المستحيل أن يخرج أي شيء من الوجود. ولهذا، فإن الوجود مستغنٍ بذاته، مكتفٍ تمامًا، ولا يحتاج إلى أي شيء خارجه، لأنه ببساطة لا يوجد شيء خارج عنه.
الاحتياج هو نقص، ومن يمتلك كل شيء لا يحتاج إلى شيء. إذا كان لدينا شيء بالفعل، فلن نكون بحاجة إليه مرة أخرى حتى نسعى للحصول عليه، وهذا ما يُعرف في المصطلح العلمي بـ “استحالة تحصيل الحاصل”. على سبيل المثال، لن يخطر ببال أستاذ جامعي أبدًا أن يلتحق بالدورة لمحو الأمية، لأنه لا يحتاج إليها، لأنه قادر على القراءة والكتابة، بينما الشخص الأمي يسعى إليها لأنه يشعر بالحاجة إليها.
وبذلك نصل إلى خلاصة فهم ما هو الوجود:
الوجود غير محدود، وهو واحد لا يتعدد، ليس له بداية ولا نهاية، فهو أزلي وأبدي، ولا يوجد شيء خارج عنه، كما أنه مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى إلى غيره.
حدود الوجود
إن الوجود في جميع أشكاله غير محدود ولا نهائي، سواء كان وجودًا ماديًا، خياليًا، وهميًا، أو عقليًا. لفهم هذا المعنى بشكل أفضل، يمكننا استخدام مثال الماء: من الناحية العلمية، يتكوّن الماء من ذرات الهيدروجين والأكسجين، ولكن عندما ننظر إليه، لا نراه مجرد ذرات منفصلة، بل نراه ماءً واحدًا متكاملاً.
وكذلك هو الحال مع الوجود: فهو كيان واحد غير محدود، حتى لو كانت داخله الكائنات، المجرات، والأشياء المختلفة. فذات الوجود غير متناهية بطبيعتها، ولذلك لا يمكن أن يكون هناك وجود محدود، لأن المحدودية تتناقض مع طبيعة الوجود. بالتالي، فإن جميع أشكال الوجود – سواء المادي، الخيالي، الوهمي، أو العقلي – غير محدودة ولا نهائية.
اكتشاف حقيقة الله والوجود ما وراء العقلي
الإدراك الذي نصل إليه حول حقيقة الوجود من خلال تأملنا في أنفسنا، هو ما يُطلق عليه اصطلاحًا “الله” تبارك وتعالى. الله هو عين الوجود، والساري في جميع الأشياء. لقد أدركنا الله من خلال وعينا بوجودنا، ووجدنا أن صفاته تتمثل في: “وجودٌ مطلق، حاضر في كل مكان، واحدٌ لا نهائي. لا بداية له ولا نهاية، ومكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى أي شيء. لا فراغ فيه، وليس له نظير أو مثيل.”
وبذلك، نجد أن من أهم نتائج الحديث: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”[1] هو أن التأمل والتعقل والتفكر في الوجود يقودنا إلى الإيمان بوجود الله. نحن في الحقيقة كنا ندرك هذه الصفات مسبقًا بالفطرة، وكل ما فعلناه هو استرجاع ما نعرفه، وكأننا نتذكر حقيقة مألوفة لدينا. وهذه الحقيقة نجدها واضحة وجلية في سورة التوحيد، التي تعد بمثابة “هوية الله”، حيث تشرح لنا ببساطة ووضوح معنى الوجود، وتكشف لنا عن الإله الذي نبحث عنه ونتوق إليه، حتى وإن لم نكن نعرف اسمه، فهو في العلم، والقوة، واللذة، والوجود… لا محدود ولا نهائي. نحن جميعًا نسعى نحو اللامحدود، ونرغب بالفطرة في كل كمال بلا حدود؛ فنحن نرغب في الجمال الذي لا يزول، والعلم الذي لا ينتهي، والثروة التي لا تنفد، والعشق الذي لا يخبو. هذه الرغبة الفطرية في اللامحدود تؤكد أننا، حتى وإن كنا لا نعرف “الوجود اللامتناهي”، إلا أننا ننجذب إليه بالفطرة، ونتوق إليه بلا شعور.
قبل كل شيء، اسم الله الأول هو “هو”، أي أنه موجود، وعندما يظهر “هو” بصفاته ويتجلى لنا، يصبح “الله” مفهومًا لدينا. فالله هو عين الوجود اللانهائي الساري في كل شيء، ولا يمكننا فصله عن مخلوقاته. على عكس التصور الشائع، فإن الله ليس كيانًا منفصلًا عن العالم أو موجودًا في أقاصي الكون، بل هو أقرب إلينا من أنفسنا، و لا يخلو منه مكان ولا ذرة في الوجود. وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق(عليه السلام) عندما قال: “كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم”.[2] الله ليس كيانًا خيالياً في السماء، بل هو الحقيقة المطلقة المحيطة بكل شيء،[3] من أصغر الجسيمات في الكون، إلى كل ما هو معلوم وغير معلوم لنا.

ما هي علاقة الله بسائر المخلوقات؟
الله هو عين الوجود، وصفاته هي ذاتها صفات الوجود. إذا أردنا أن نتأمل في هذه الصفات، يمكننا القول بأن:
- الله محيط بكل شيء، أي أنه موجود في كل مكان ولا يخرج شيء عن إحاطته.
- الله داخل في جميع الأشياء، لكنه لا يمتزج بها ولا يختلط معها.
- الله خارج عن جميع الأشياء، لكنه ليس منفصلًا عنها بأي مسافة.
بعبارة أخرى، لا يمكننا التفريق بين الله والأشياء. وقد قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في هذا الشأن:
“داخلٌ في الأشياء لا بالممازجة، وخارجٌ عنها لا بالمباينة”،[4] أي أن الله خارج عن الأشياء، لكنه غير منفصل عنها.
لذلك لا يصح القول إن: “الأرض والمجرات والنجوم هنا، وفيما وراءها يوجد هناك كائن اسمه الله”، لأن الله هو الوجود اللامحدود، وهو حاضر في كل مكان حضورًا متساويًا، لكنه يتجلّى بمراتب ومظاهر مختلفة.
يمكن تشبيه علاقة الله بالأشياء بعلاقة النفس بالجسد. هل يمكننا أن نقول إن النفس داخل الجسد أم خارجه؟ لو كانت النفس داخل الجسد، لكان ينبغي أن تنقص إذا بُتر جزء من الجسد، بينما النفس تظل وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة. ولو كانت النفس خارج الجسد، لرأينا أنفسنا من الخارج كما نرى سائر الأشياء.
إن المسألة ليست علاقة ظرف ومظروف، بل هي علاقة من نوع آخر، مثل علاقة الإنسان بأفكاره وخيالاته؛ فالفكر ليس داخل العقل ولا خارجه، بل هو متعلق به. وكذلك علاقة الله بالوجود هي علاقة تعلق، حيث إن الوجود كله تجلٍّ لله. سبق أن ذكرنا أن الخروج من دائرة الوجود أمر مستحيل، لذلك فإن تخيّل أن الله جالس في السماء العليا ويخلق الكائنات خارج ذاته هو تصوّر غير منطقي. فهذا التصور يعني تقييد الوجود، لأن الإله الذي يكون خارج ذاته يصبح محدودًا، بينما أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يحدّه شيء.
قد يتساءل البعض هنا: إذا كان الله قد خلق كل شيء، فمن الذي خلق الله؟ إن هذا السؤال هو في ذاته خاطئ، لأن الله هو الكائن الذي ليست له بداية ولا نهاية. لو كان هناك من أوجده، لكان ينبغي أن نسأل أيضاً: من أوجد ذلك الكائن؟ وهكذا يستمر إلى ما لا نهاية، وهو أمر غير منطقي. الله هو الوجود المطلق غير المحدود، وهو السبب الأول الذي لا سبب له، كما أشرنا سابقًا عند الحديث عن صفات الوجود.
ماهيّة المخلوقات
سبق أن تطرقنا إلى تعريف الوجود، وتوصلنا إلى أن الله والوجود لا حدود لهما، لكن يبقى السؤال: ما علاقة المخلوقات بالله؟ في الحقيقة، ليست المخلوقات سوى تجلّيات ومظاهر لله، وقد عبّر القرآن الكريم على مخلوقات الله بلفظ “وجه الله”. أن تكون المخلوقات وجه الله يعني أن كل كائن يعكس مظهراً من مظاهر الله. لكن لا ينبغي الخلط بين التجلي والذات؛ فمثلاً، قد يُجري شخص ما تغييرات كبيرة على مظهره لدرجة أننا لا نكاد نتعرف عليه، لكن جوهره يبقى كما هو. الذات ثابتة، في حين أن التجلي متغيّر، ويمكن أن يكون له عدد لا نهائي من مظاهر أو تجلّيات.
وبناءً على ذلك، فإن جميع المخلوقات تعتبر مظاهر الله، أي أنّها وجوه يُظهر الله بها نفسه لنا. ولهذا قال تعالى: “فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ”.[5] إننا نواجه في كل لحظة تجليات لا حصر لها لله، فكيف يمكن لأحد أن يشكّ في وجوده؟ الحقيقة أن الإله الحقيقي، الذي استعرضنا صفاته، لا يمكن الشكّ في وجوده، بل إن الشكّ فيه مستحيل.
وجودنا قائم بالله
نحن مظاهر لله، وكل أبعاد وجودنا قائمة به. ولإدراك طبيعة علاقتنا بالله، نستعين بمفهوم العلاقة بيننا وبين عالم الخيال، إذ أن علاقتنا بالله تشبه علاقة وجودنا الذهني بنا. لقد أوضحنا سابقًا أن مخيلاتنا ذات تأثير حقيقي، فهي ليست مجرد أوهام عابرة. فما دمنا نفكر في شيء ما، فإننا نمنحه حياة، وعندما نتخلى عن ذلك الخيال، فإنه يتلاشى في وجودنا. ومع ذلك، يظل ذلك الخيال كامنًا فينا، وقادرين على استحضاره متى شئنا. خذ على سبيل المثال، صورة منزل طفولتك في ذهنك، ثم تخلَّ عنها وتخيل مدرستك. هل يمكنك استعادة صورة منزل طفولتك مرة أخرى؟ الإجابة، بطبيعة الحال، هي نعم. ذلك لأن منزل الطفولة يظل حيًا في خيالك، وإن كان متلاشيًا في وجودك المادي، ويمكنك استحضاره متى أردت. فما دمنا منشغلين بخيال منزل طفولتنا، فإننا نمنحه حياة ونبقيه حاضرًا، وهذا تمامًا كعلاقة الله بنا، فكما أن الخيال قائم بنا، فإننا نتلقى باستمرار فيض الوجود من الحق المتعالي.
إن وجودنا محض هبة متجددة في كل لحظة، فلو شاءت الإرادة الإلهية، لانعدمت كياننا وزال، لنتلاشى في الوجود المطلق ونرجع إليه. ومن أسماء الله الحسنى “الدائم”، إشارة إلى استمرار فيضه وعنايته بنا. فخلق الله ليس خلقًا آليًا، كالذي يشيد منزلًا ثم ينتهي عمله، لتبقى بنيته قائمة حتى بعد رحيله. بل إن صلتنا بالله من نوع آخر، فنحن في تلقٍ دائم للفيض الإلهي، ولو انقطعت عنا عناية الله للحظة، لتلاشينا تمامًا، فالله هو المالك والمدبر الحق.
إن وجودنا برمته مرهون بإرادة الله وفيضه، فهو أقرب إلينا من أنفسنا، بل هو أقرب إلينا من وجودنا الذهني الذي نتصرف فيه كيف نشاء. فالعلاقة بيننا وبين الله هي علاقة الفيض المستمر، والوجود القائم.
لقد تناولنا في هذا الدرس، مفهوم الوجود، وتدارسنا خصائصه الجوهرية. فتبين لنا أن الوجود، في جميع تجلياته، هو واحد لا يتعدد، وأزلي لا بداية له، وأبدي لا نهاية له. ومن أبرز سماته أنه جامع لكل الكمالات المتصورة، مما يجعله غنياً عن كل ما سواه. إن الله هو عين الوجود، المتصف بجميع خصائصه. ونحن ندرك الله باعتباره الوجود الساري في كل شيء، ونرى المخلوقات تجليات وظهورات لهذا الوجود الواحد. إن علاقتنا بالله هي علاقة تلقٍ دائم للوجود والفيض، بمعنى أن وجودنا قائم به، مستمد منه، ومتوقف عليه.
قد يبدو الحديث عن ماهية الوجود أمرًا نظريًّا لا يمسّ حياتنا مباشرةً، وقد يظنّ البعض أنّ مجرد وعينا بأنّنا “موجودون” كافٍ دون الحاجة إلى البحث في تفاصيله. لكنّ الأمر يزداد أهميةً حين ندرك أن سوء فهمنا للوجود يؤثِّر على رؤيتنا للحياة وموقفنا منها. فالخطأ في إدراك طبيعة الوجود يقود إلى تصوّرات خاطئة، وهذه التصورات تشكِّل الأساس الذي نبني عليه نظرتنا إلى العالم، ومنه تنبثق قراراتنا وسلوكياتنا وحتى قيمنا وأهدافنا.
إننا، بانحراف في تصورنا للوجود، نستعيض عن الإقرار بالله خالقًا مدبرًا، عالمًا بجلائل حياتنا وتفاصيلها، مهندسًا لها وفق قواعد رياضية لبلوغ غاية الخلق، نكتفي بإله مبهم، وسلبي وليد أوهامنا الذهنية. وإذ يغيب عنا إدراك ماهية الوجود وخصائصه، نقع في مغالطات في فهم مراحل الحياة، فنساوي بين الموت وفناء الوجود. والحق، إن مدى انتفاعنا بالبهجة والسكينة، وبلوغنا مقومات السعادة في الدنيا والآخرة، وثيق الصلة بفهمنا لمفهوم الوجود المطلق، أو الله. وإننا لفي خسران مبين إن رهنّا دنيانا وأخرانا بفهم خاطئ. لا سبيل لنا إلى السعادة دون إدراك صحيح لذواتنا، وموطن نشأتنا، وواقعنا المعيش، ومصيرنا المنتظر. وإدراك هذه الحقائق مرهون بفهمنا الدقيق لماهية الوجود ومراتبه.
[1] . غرر الحکم و درر الکلم، ص۵۸۸
[2] . بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٦٦ – الصفحة ٢٩٣
[3] . سورة النساء الآیة 127
[4] نهج البلاغة، خطبة رقم 184
[5] الآیة 115 سورة البقرة