معنى حضور القلب وأهمية تحصيله في كل الأوقات
ما الذي نعرفه عن مفهوم حضور القلب وضرورة تحصيله؟هل يُوصى بحضور القلب في العبادات فقط؟ غالبًا ما نظن أن حضور القلب يقتصر على الصلاة والأعمال العبادية، وأنه لا حاجة لنا به في سائر الأوقات. ومع ذلك، حتى في صلاتنا، نادراً ما نحتفظ بتركيزنا وانتباهنا الكامل، فنبدأ الصلاة بحضور قلب، ثم تتشتت أفكارنا بعد اللحظة الأولى.
ولكن لا يقتصر حضور القلب على الصلاة والعبادات فقط، بل هو التوجه الباطني والقلبي إلى الله والشعور المستمر بأننا في محضره، بحیث نجد في الله أنيسًا لنا، ونستمتع بمناجاته والحديث معه.
ربما سمعتم هذا البيت الشهير لباباطاهر[1] الذي يقول: “طوبى لمن هم دائماً في صلاة…” هل كان الشاعر يقصد أننا يجب أن نكون في صلاة لیلاً ونهاراً ؟! بالتأكيد لا؛ بل كان يقصد أن نذكر الله في كل حين، ونستشعر حضوره في قلوبنا في كل لحظة. لأنه كما تعلمنا من الدروس السابقة، فإن علامة القلب السليم هي اتصاله الدائم بعالم الغيب.
ينبغي أن يكون القلب حاضرًا على الدوام مع الله كمعشوقه الحقيقي، فلا يغفل عن ذِكره لحظةً واحدة. لا يهمّ ما الذي ننشغل به، حتى لو كان عملًا اعتياديًا كالدراسة أو الطبخ أو السفر؛ المهم هو أن يبقى إحساس الحضور بين يديّ المعشوق حيًّا في قلوبنا؛ لأنّ غير ذلك سيحوّل ذلك العمل إلى حجابٍ ومانعٍ يحول بيننا وبين التواصل الحميم والعاشق مع الغيب.

كيف يمكننا أن نعزز شعورنا بحضور الله في قلوبنا وأرواحنا بشكل قوي ومستمر، بحيث لا نتأثر بالأحداث من حولنا؟ وما هي الآثار والفوائد التي يجلبها هذا الحضور لحياتنا؟
في ما يلي سنذكر طريقتان عمليتان للحفاظ على حضور القلب في الأوقات المختلفة، وكذلك آثار وفوائد هذا الحضور.
التعرف على جانبنا الإنساني وکیفية تغذيته
إنّ أولى الوسائل الفعّالة للحفاظ على حضور القلب في مختلف أوقات الليل والنهار هي معرفة وتغذية الجانب الإنساني فينا. فأساس سلامة قلب الإنسان يكمن في الذكر وحضور المعشوق الأزلي في قلبه دوماَ، ذلك لأنّ قلوبنا هي تلك نفخة الهية لا تنعم بالسكينة والطمأنينة إلاّ مع إلهها ومعشوقها الحقيقي. وما لم نعترف بهذا الجانب الإنساني، لن نتمكن من إحيائه وتنميته. فالوصول إلى قناعة راسخة بأني إنسان لا محبوب لي بحق إلا الله الواحد الأحد، هو الخطوة الأولى نحو تحقيق حضور القلب. ومتى رسخت هذه المعرفة، حان وقت التغذية والرعاية. في هذه المرحلة، علينا أن نقتدي بالأم التي لا يشغلها شاغل عن إطعام ورعاية طفلها العزيز، فلا نغفل نحن أيضاً عن تغذية ورعاية طفلنا الروحي الغالي، ونوصل إليه غذاءه المناسب، ألا وهو الأنس والخلوة مع الله.
ذكرنا سابقاً أن إدارة وسيطرة الأجزاء الدنيا من وجودنا يجب أن تكون دائماً تحت سيطرة الجزء الإنساني، أي القلب. وإذا انعكست هذه العلاقة، وسيطرت الأجزاء الدنيا على مملكة وجودنا، فلن نجد لذةً في ذكر الله، وهذا أمرٌ بالغ الخطورة. فإن لم يُسكِرنا القرآن، وهو كلامُ معشوقنا، ويُغرقنا في اللذة؛ وإن لم نستطع أن نستمتع بزيارة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم عائلتنا الحقيقية وأصلنا وجذورنا؛ وإن كان حضور مجالس ذكر الله يُزعجنا، وكنا نطلبُ الملذات الحيوانية والمؤقتة، فكل هذا يدل على تغلب الأجزاء الدنيا والحيوانية.
لنتذكر أنه إذا اهتممنا باستمرار بتغذية الأجزاء الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية من وجودنا، وأهملنا القلب، فإن حياة القلب ستكون في خطر، وتموتُ شيئاً فشيئاً. في هذه الحالة، ستمتلئ حياتنا بالقرارات والاختيارات والعلاقات الخاطئة. في مثل هذه الظروف، حتى مع التمتع بأعلى الدرجات العلمية، والثروة الطائلة، والزواج الناجح، أو أي نجاح وهمي أو خيالي آخر، سنظلُ عرضةً للأذى، ولن نكون قادرين على مواجهة الأحزان والقلق والأفكار السلبية.
الاستعانة بقوة الإيحاء والتمرين
تُعدّ الاستعانةُ بقوة الإيحاء والتمرين من الوسائل الفعّالة الأخرى للحفاظ على حضور القلب. إننا، في مسيرتنا نحو الخلود، بحاجةٍ إلى اكتساب قلبٍ سليمٍ، وللوصول إلى هذه المرحلة، ينبغي علينا أن نوجّه قلوبنا، بالإيحاء والتمرين، نحو الشوق إلى الغيب؛ أي أن نتظاهر بالعشق ونُوطّد علاقتنا باللهِ وبالعائلة السماوية، حتى لو لم تكنْ قلوبنا مستعدة بعدُ ولم تكنْ تستمتع بالذكر بالقدر الكافي. إنّ هذا الإيحاء والتظاهر بذاته مفتاحٌ لفتوحاتٍ عظيمةٍ، وسرعان ما يفتح قفل القلب بعدَ فترة. ومع نضوج قلوبنا تدريجياً، تتعلم ذكر الله، حتى تصل في النهاية إلى مرحلة الدوام على الذكر؛ فحينئذٍ لا نغفلُ عن ذكر الله حتى في أسوأ الظروف. وجديرٌ بالذكر أنّه في بداية الأمر، قد لا تُبدي قلوبنا رغبة كبيرة في الذكر وتذكّر المعشوق، وذلك بسبب هيمنة المعشوقات الدنيا وضعف الجانب الإنسانيّ فينا؛ لكنْ، بما أنّ قلوبَنا مُنسجمة مع إلهها ومعشوقها الحقيقيّ، فإنّها بالتمرين والإيحاءِ ستنطلق في النهاية وتعشق.
فيما يتعلق بالتخطيط للمداومة على الذكر، يمكننا وضع المسبحة، ومفاتيح الجنان، والقرآن الكريم، وكل ما يذكرنا بالله، في متناول أيدينا، لكي نرجع إليها متى ما سنحت لنا فرصة للذكر والمناجاة. فعلى سبيل المثال، تستطيع المرأة التي هي ربّة البيت، أن تستغل هذه الفرصة، بالإضافة إلى الأجر العظيم الذي وعدها الله به على عملها، في بناء نفسها والتركيز على ذكر الله. وإذا لم يطاوعها قلبها، يمكننا استخدام وسائل مثل تشغيل الأدعية المسجلة، ومحاضرات أولياء الله، والموسيقى الفطرية التي تبعث على الحياة، في المنزل أو مكان العمل، لتحريك القلب. كما أن الحضور في المسجد وحرم الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يُعدّ نوعاً من التلقين الذي يحرك قلوبنا.
آثار حضور القلب وفوائده
كما ذكرنا، فإن حياة الإنسان الحقيقية تكمن في ذكر المحبوب وتذكره. فذكر الله ليس مجرد غذاء للروح وإحياء للقلب فحسب، بل هو أيضاً يمدنا بالشوق والقوة. في الواقع، عندما نتمرن على العيش مع عائلتنا السماوية، وأن نرى أنفسنا في حضرة الله وآبائنا السماويين والملائكة والشهداء، فإننا نصل تدريجياً إلى الإيمان بأنهم بجانبنا بكل قوتهم. وبالتالي، فإن نمط حياتنا سيختلف اختلافاً جذرياً عما كان عليه من قبل. حينها لن نعاني من القلق والخوف واليأس وانعدام الثقة بالنفس والشعور بالهزيمة. إضافة إلى ذلك، عندما يقيم القلب اتصالاً أوثق بعالم الغيب، يفقد الشيطان قدرته على السيطرة علينا، ويمكننا بسهولة أن نميز وساوسه وأساليب هجومه.
بشكل عام، كلما زاد مستوى حضورنا وانتباهنا القلبي لله، زاد مستوى نجاحنا وسعادتنا وراحتنا. فالمؤمن الحقيقي، لأنه يعترف ببعده الإنساني، يرى نفسه في حضرة الله في جميع أحواله. إن سر سعادة المؤمن الدائمة ونشاطه يكمن في هذا الحضور والاتصال الدائم بعالم الغيب. فهو نشط وحيوي في جميع أعماله الدنيوية، كالحياة الزوجية وتربية الأبناء والأنشطة الاجتماعية والسياسية وغيرها، ولا ينطوي على نفسه مكتئباً أو ينفعل غاضباً.
تحدثنا في هذا الدرس عن مفهوم حضور القلب، وذكرنا أن الانتباه القلبي والباطني لله لا يقتصر على الصلاة والعبادات فقط، بل يجب أن تكون قلوبنا حاضرةَ مع الله معشوقنا الحقيقي في كل حين، وألا تغفل عن ذكره وتذكره لحظة واحدة.
ما هي الطرق الأخرى التي جربتموها أو تعرفونها للوصول إلى حضور القلب؟ شاركوها معنا ومع القراء الآخرين.
[1] . بابا طاهر صوفي، وشاعر كردي اللوري عاش في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.