آثار الفسق ومصير الفاسقين
لقد جعل الله سبحانه وتعالى لنا مرايا نميّز من خلالها صحة مسيرتنا نحو هدف الخلق. إحدى هذه المرايا هي قوله تعالى في الآية 24 من سورة التوبة، التي تنبهنا إلى أن حب الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيله يجب أن يكونوا على رأس أولوياتنا. فإذا غاب هذا الحب عن قلوبنا، فإننا نقع في الفسق.
الفسق هو تفضيل الكمالات المحدودة على الكمال اللامحدود، وهو انحراف عن أصلنا الإنساني. لا يهم حينها إن كنا أطباء بارعين، أو مهندسين متميزين، أو حتى علماء مشهورين، لأننا بالفطرة نطلب الكمال المطلق. وعندما ننشغل بالمحدوديات، نخسر حقيقتنا ونصبح أسرى لجانبنا الحيواني. من الطبيعي أن هذا الابتعاد عن الأصل سيؤدي إلى خسائر وحرمانات عديدة في حياتنا الدنيا والآخرة.

تحدثنا سابقاً عن مفهوم الفسق وعلامات الفرد الفاسق. في هذا الدرس، نعتزم الحديث عن مصير الفاسقين ومن ينحرف عن الصراط المستقيم. يمكن دراسة مصير الفاسقين من جانبين؛ أحدهما مصيرهم في الدنيا والآخر مصيرهم في الآخرة. سنقوم في ما يلي بشرح هذين المصيرين.
مصير الفاسقين في الدنيا
إنّ من سمات سلامة النفس لدى الإنسان، والتي تدلّ على نضج شخصيته وتُعدّ عاملاً في تمتّعه بالحياة، هي: الرحمانية، والسرور، والسكينة، وهندسة الأولويات في القلب وترتيب المحبوبات فيه. من المسلّم به أنّ هذه الخصائص تنطبق على مَن يسير على الصراط المستقيم؛ أمّا الفاسق فلا يمتلك أيّاً من هذه السمات؛ لأنّ نظام المحبوبات في قلبه مُنْقَلَب، فبدلاً من أن يكون الله وأهل البيت والجهاد في سبيله على رأس محبوبات قلبه، تصبح الكمالات المحدودة كالمسكن والسيارة والزواج والدراسة العليا ونيل الشهادات والثروة والمنصب وأمثالها هي أولى اهتمامات حياته. من الطبيعيّ أنّ مثل هذا الشخص ينحرف عن المسار الطبيعيّ والفطريّ للحركة نحو الخلود، وبالتبعية لن يحقّق الهدف من خلقه وهو التشبّه بصفات الله؛ بل يزداد ابتعاداً عنه يوماً بعد يوم.
لا يشعر الفاسق بأي انسجام أو علاقة روحية مع عائلته السماوية، ولذلك فإنه يعيش كمن لا أهل له، يبحث دوماً عن العاطفة من الآخرين. وبسبب اضطراب نظام المحبة في قلبه، تختل روحه ويعيش في حالة من الحزن، والقلق، والتوتر، والوحدة، والاكتئاب، والحسد. ولا يستطيع أن يكون سعيدًا أو مطمئنًا على الإطلاق.
يسعى الفاسق باستمرار للحصول على العزة والسعادة والسكينة من الكمالات المحدودة الدنيوية، غافلًا عن أن هذه المحاولات تتعارض مع طبيعة نفسه التي تطلب الكمال اللامحدود. قد يجد تسلية مؤقتة في هذه الأشياء، لكنها سرعان ما تتلاشى، ويُصاب بالتعب والملل بسبب التناقض بين روحه اللامحدودة والكمالات المحدودة.
هذه هي عاقبة من يغفل عن حقيقة إنسانيته ويُعرض عن محبوبه الأزلي. وباختصار، يمكن القول إن الشخص الفاسق لن يرى يومًا سعيدًا في الدنيا، ولن يتذوق لذّات عميقة ودائمة فيها أبدًا.
مصير الفاسقين في الآخرة
كما تعلمنا سابقًا، فإن محتوى قلوبنا هو الذي يحدد نوع ولادتنا وحشرنا في الآخرة. سيُبعث كل واحد منا يوم القيامة مع ما يحب قلبه والأشياء التي التي يكنّ لها أشدّ أنواع التعلق والميل. فإذا كانت محبوباتنا وميولنا نورانية سماوية، كان مقامنا الجنة؛ وإذا كان تعلقنا بالله ذاته، سننال منزلة أسمى من الجنة؛ أما إذا أسرنا في براثن المنافسات والمفاخرات الدنيوية، فمصيرنا جهنم؛
لذلك فإن أهم واجباتنا في هذه الدنيا هي الحفاظ على سلامة قلوبنا واكتساب “قلب سليم”. هو سيادة ثلاثة معشوقات أساسية، هي الله وأهل البيت(عليهم السلام) والجهاد في سبيل الله، على سائر المعشوقات والميول. وعلى هذا، يتضح جليًا أن الشخص الفاسق لا يستطيع اكتساب قلب سليم؛ لأنه لا يملك القدرة على إدارة معشوقاته وهندسة قلبه، ووفقًا لما ذكرناه في الدروس السابقة، فإن قيمته ستكون في مستوى الجماد أو النبات أو الحيوان على أقصى تقدير.
استناداً إلى قاعدة النسبة، عند وفاتنا وانتقالنا من رحم الدنيا إلى عالم البرزخ، نشهد ستة أنواع من الولادة: “السليمة”، “السليمة القوية”، “الضعيفة”، “المريضة”، “الناقصة”، و”المعاقة”. من بين هذه الأنواع، يُعتبر نوعان فقط مقبولين في البرزخ، وهما الولادة السليمة والولادة السليمة القوية. بناءً على ذلك، فإن الشخص الفاسق الذي لم يَكسب قلباً سليماً، لا يمكن أن يحظى بولادة سليمة أو قوية في الآخرة، وعند وفاته، سيولد بإحدى الصور الناقصة أو المريضة أو الضعيفة أو المعاقة، تماماً كطفل يولد مشلولاً أو أعمى أو أصم أو مريضاً أو مصاباً بمشاكل في القلب.
ثمة علاقة مباشرة بين سلامة القلب في الدنيا وسعادة الآخرة، بمعنى أن الولادة السليمة في الآخرة تستلزم نمط حياة سليمة في الدنيا يتناسب مع مقام الإنسان. لذا، من لم ينعم بالسعادة والطمأنينة في الدنيا، لن ينال السعادة في الآخرة. فالذي لم يُطهّر قلبه سيواجه مصاعب جمة في أول ليلة في قبره، لأنه لم يترك في قلبه الضيق مكاناً لله والأنبياء وأهل البيت(عليهم السلام).
كما أن الجسد يصاب بالألم والمرض بمجرد خروجه عن حالة التوازن، فإن الفاسق يفقد تدريجيًا مزاجه وفطرته السليمة بسبب تفضيله للكمالات المحدودة على الكمال اللامحدود. وبدلًا من الميل إلى الأمور الطاهرة والنقية، يصبح ميالًا إلى الأمور الخبيثة وغير الطاهرة والقبيحة، ويفقد حساسيته تجاه الذنوب والمعاصي. يستمر هذا الانحراف حتى لحظة الموت، حيث يظل على منهجه الفاسق ويهيئ لنفسه طريقًا نحو نار جهنم والحرمان من نعيم الجنة، إلا إذا بدأ مواجهة جادة لعلاج هذا المرض.
في هذا المقال، تناولنا عاقبة الفاسقين ومصيرهم، وبيّنا بما أن الفرد الفاسق، يُفضّل الكمالات المحدودة على الكمال المطلق اللانهائي، ينحرف عن مساره الفطري والطبيعي، ولا يبلغ الغاية من خلقه، وهي التشبّه بصفات الله سبحانه و تعالى. فهذا الشخص، برضاه بما هو أدنى من الله، يُفسد دنياه وآخرته.