ما هو مرض الروح والنفس؟ كيف ولماذا تمرض أرواحنا؟

جدول المحتويات
ما هو مرض الروح والنفس؟ كيف ولماذا تمرض أرواحنا؟

كيف يؤثر مرض الروح والنفس على القلب؟

في عالم يسوده منطق رياضي دقيق، لا بد أن يكون للمرض تعريف دقيق. وبما أن المرض يُعرف على أنه غياب الصحة، فإن فهم المرض يتطلب أولًا فهمًا دقيقًا للصحة.

الرياضيات التي تحكم الكون المادي، فإنها تحكم أيضاً أنفسنا وأجسادنا، ولا نعتبر أجسادنا في حالة صحية سليمة إلا إذا كانت جميع المقاييس والنسب الدقيقة لأجزائها في حالة من التناسب والتوازن. إن غياب هذا التوازن، أو بمعنى آخر ظهور المرض، غالباً ما يتجلى في صورة ألم أو ضعف أو اضطراب أو معاناة، مما يسبب لنا المتاعب.

المرض هو شيء نهرب منه عادة ولا نرغب في الوقوع فيه، ولا يختلف هذا الأمر بين النفس والجسد. فكما أننا بحاجة إلى جسد سليم لنعيش في الدنيا ونستفيد من خيراتها، فإننا بحاجة أيضاً إلى قلب سليم للسير نحو الآخرة. لذلك، ينبغي علينا ليس فقط معرفة العوامل التي تؤدي إلى صحة قلوبنا، بل أيضاً تشخيص العوامل المسببة للأمراض وأعراضها بدقة؛ لأن الحفاظ على الصحة لا يمكن أن يتحقق دون الابتعاد عن مسببات المرض.

نحن غالباً ندرك وجود المرض في أجسادنا عندما تفقد قدرتها على الأداء الطبيعي أو التطور الإيجابي، لكن هذه الحالة لا تقتصر على الجسد فقط؛ فالنفس المريضة تفتقر أيضاً إلى الكفاءة اللازمة وتُحرم غالباً من الفرح، والسكينة، واللطف. إن مرض الروح والنفس يجعلنا عاجزين عن الاستمتاع بالحياة وما أُعطينا من نعم متنوعة في الدنيا. وبدلاً من ذلك، نجد أنفسنا غارقين في التذمّر، والعناد، وسوء الخُلق، مما يُحوِّل حياتنا وحياة من حولنا إلى معاناة مريرة.

في هذا الدرس، سنتعرّف على مفهوم المرض، وأسبابه وأعراضه، وتعريف الشخص المريض، وأهمية علاج مرض الروح والنفس.

سبب الأمراض

نواجه في أجسادنا أحياناً حالات ناتجة عن الإهمال أو الإفراط في تلبية احتياجات جزء معيّن منها. على سبيل المثال، قد نتناول الطعام بكميات زائدة مما يؤدي إلى آلام في المعدة، أو لا نحصل على قسط كافٍ من النوم فنُصاب بالصداع. أو قد نُرهق أجسادنا بالعمل الزائد مما يُسبب أضراراً في المفاصل، أو نستخدم الهواتف المحمولة بإفراط، مما يلحق الضرر بعيوننا وعمودنا الفقري.

وبما أننا نرى أجسادنا ونتعامل معها بشكل يومي، فإننا نستجيب بسرعة لأي مشكلة صحية تصيبها. ومع ذلك، فإن أنفسنا تحتاج إلى نفس القدر من الاهتمام، فهي أيضاً معرّضة للتأثر بالعوامل المختلفة التي تواجهها. صورة غير لائقة، صحبة سيئة، موسيقى مزعجة، أو بيئة غير مناسبة، جميعها قد تكون سبباً في مرض الروح والنفس بنفس القدر.

على الرغم من تعدّد العوامل التي تساهم في مرض الروح والنفس، إلا أن التغذية تُعدّ من أبرزها، ومن الصعب تجاهلها. ذلك لأن كل ما نراه، ونسمعه، ونشعر به، يُمثّل مدخلاتٍ أساسيةً للنفس؛ فهي المواد الأولية التي تُبنى عليها تصوراتنا، وأوهامنا، وسائر أنشطتنا العقلية وما وراء العقلية. فإذا لم نحسن العناية بأعيننا وآذاننا وأفواهنا وسائر حواسنا، سنشعر بتأثير ذلك على قُدراتنا الأخرى عاجلاً أو آجلاً.

إن الأفكار السلبية، والأحقاد، والحسد، وسرعة الانفعال، وغيرها من الأمراض النفسية، لا تنشأ فينا تلقائياً، بل هي نتيجة مباشرة لما نُغذّي به أنفسنا. هذه الدنيا قائمة على قوانين دقيقة ونظام محكم، وما نحصده هو ثمرة ما نزرع. التغذية غير السليمة لا تُسبب المرض فحسب، بل تُضعف شهية النفس لما هو فوق العقل، فتحرمنا من الوصول إلى الهدف الأسمى من الخلق، وتسرق منا الفرح والسكينة. النفس التي تُفرط في تلبية رغباتها الدنيویة، وتملأ قلبها بمحبوبات وهمية وحسية، تترك قلبها خالياً من المعشوق الحقيقي، وبهذا تفقد توازنها وتُصيب نفسها بالمرض.

ضرورة علاج المرض

عندما يُصيبنا المرض، يخرجنا من حالة التوازن ويُعيق قدرتنا على الأداء الطبيعي بقدر ما نستسلم له. ومن العجيب أن نجد إنسانًا عاقلاً يتجاهل مرضًا ألم به، وهو لا يتوانى عن مداواة حيوانه أو نباتته. فكيف يرضى الإنسان العاقل أن يترك مرضًا يعصف بقلبه وروحه دون عناية؟ نحن نحرص على تشخيص أي خلل في أعضائنا الجسدية، ونسارع إلى استشارة الأطباء المتخصصين لعلاجه. ولكننا نغفل غالباً عن أمراض نفوسنا، كالحقد والحسد والكراهية، رغم أنها تؤثر سلباً على صحتنا النفسية والجسدية على حد سواء. فالأمراض الجسدية قد تؤثر على حياتنا في الدنيا، بينما الأمراض التي تُصيب الروح والنفس لا تُدمّر فقط سعادتنا وراحتنا في هذه الدنيا، بل تمتد آثارها لتُفسد علينا نعيم الآخرة وخلودنا.

إن تشخيص الأمراض القلبية والنفسیة يتطلب من الإنسان أن يكون على معرفة عميقة بقلبه وأبعاده النفسية المختلفة. فمن الطبيعي أنه عندما نفتقر إلى المعرفة والوعي بشيءٍ ما، لن نتمكن من إصدار حكم بشأن صحته أو اعتلاله، ولا من اتخاذ الإجراءات المناسبة لإصلاح عيوبه. على سبيل المثال، لا نتوقع من شخص يجهل أمور السيارات أن يُشخّص أعطالها. لذلك، لتشخيص أمراض القلب والعمل على معالجتها، نحن بحاجة إلى معرفة حقيقية بذواتنا وأبعاد وجودنا، وإلا فإننا سنواجه حياة مليئة بالحزن والاضطراب.

معايير تحديد المرض

إن الخطوة الأولى في معالجة أي داء هي تشخيصه بدقة. ولكن قبل الشروع في التشخيص، لا بد لنا من وضع معايير محددة للصحة، ومعايير أخرى للمرض. فبهذه المعايير نستطيع تمييز الحالة الطبيعية عن الحالة المرضية، ونتعقب التغيرات التي تحدث في الجسم والتي قد تدل على بداية المرض. على هذا الأساس وُضعت لنا مرايا تكشف أمراض النفس والروح، لنتمكن فور تشخيصها من العمل على معالجتها.

من أبرز هذه المرايا القرآن الكريم. ففي الآية 24 من سورة التوبة، يوضح الله تعالى بشكل صريح علامات مرض النفس وخروجها عن حالة التوازن. فالقلب الذي يفضل البيت، الأسرة، التجارة، وغير ذلك على الله تعالى وأهل البيت والجهاد في سبيل الله، هو قلب خرج عن حالة التوازن. إن هذا القلب، بسبب سوء ترتيب أولوياته، يفقد سلامته ويصبح أكثر عرضة للوقوع في شراك الشيطان..

القلب السليم هو الموضع الوحيد الذي يليق بالمحبوب الأعظم، الله سبحانه وتعالى، وهو القلب الذي يرتبط بسهولة بالغيب. لكن كلما امتلأ القلب بالمحبوبات الدنيوية الزائلة، تعثّر في إقامة هذا الاتصال مع محبوبه الحقيقي. هذه العقبات تُخرج القلب عن حالته الصحية، وتصيبه بالمرض بدرجات متفاوتة حسب شدتها وتأثيرها. تمامًا كما نحتاج إلى ضبط جهاز الراديو لتلقي الترددات بشكل صحيح، كيف يمكننا أن نتوقع من قلب خرج عن توازنه أن يتواصل مع الله أو مع مظاهره كما ينبغي؟

قد تناولنا في هذا الدرس مرض النفس، ذلك الداء الذي ينشأ عن إهمال تغذية القوى الروحية، وعدم توازن القلب. فالقلب غير المتوازن كالسفينة التائهة في بحر الحياة، يسهل على الشيطان أن يجرفه إلى مهاوي الهلاك ويفقد قدرته على الارتباط بالغيب. إن مرض الجسد يقتصر على الحياة الدنيا، أما مرض النفس فيمتد إلى الآخرة، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قد وهبنا القدرة على تشخيص أمراض النفس، لكي نسعى إلى علاجها قبل فوات الأوان.

ما مدى اعتقادكم بأهمية معرفة أمراض النفس؟ شاركونا آرائكم حول هذا الموضوع.

اكتب رأيك