ما هو مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال؟ هل فهمناه بشكل صحيح؟

جدول المحتويات
""" الكمالية أو الطموح نحو الكمال خاصية فطرية للإنسان لا يمكن قمعها أبدا """

نقد على قمع مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال من قبل علماء النفس

“إذا رأيت بعض صفات الكمالية في نفسك، لا تيأس!”

ربما سبق لك أن واجهت مصطلحات “الكمالية” أو “الطموح نحو الكمال“. قد يستخدم البعض هذه المصطلحات بفخر، في حين يلجأ  آخرون إلى علماء النفس أو الطب النفسي بسبب الآثار السلبية التي يعتقدون أنها تنجم عنها. من الواضح أننا جميعًا نتفاعل بطريقة أو بأخرى مع هذا المفهوم، ولكن نظهر استجابات متنوعة ونتعامل معه بأساليب مختلفة. السؤال هنا يتمثل في:

– ما هو مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال وما هي الصفات التي يشير إليها؟

– أين تكمن جذوره وأصوله؟

– هل هناك اختلاف بين  الكمالية و الطموح نحو الكمال؟

– ما هي أنواع الكمالية وما هي المشاكل التي يمكن أن تحدث نتيجة التعرض لها؟

– باختصار هل تُعتبر الكمالية شيئ جيدًا أم لا؟

لكي نفهم مفهوم شيء ما فإن الخطوة الأولى هي التركيز على تعريف أهم جزء منه، وهو هنا مفهوم الكمال. في التعريف العام، يعني الكمال أن يكون الشيء كاملاً، وعادة ما تُفسر الكمالية بأنها الحاجة إلى أن يكون شيئا مكتملًا أو يبدو كاملاً. قد تُعتَبَر الكمالية في نظرة أولية شرطًا لتحقيق النجاح، ولكن في الواقع، يعبر هذا النمط عن الشخص الذي يضع لنفسه أهدافًا غير واقعية باستمرار ويجعل حياته مريرة بسبب التشدد الزائد والشعور بالرضا الذاتي المنخفض تجاه نفسه، ويُعرَف ذلك بالكمالية. في الحقيقة، ما يميز بين المفهومين، الكمالية أو طلب الكمال وبين تحقيق النجاح، هو الشعور بالندم، والجهد الزائد المفرط، والانتقاد المستمر للنفس وللآخرين.

ميزات الكماليين

ربما يكون أحد أفضل الطرق لفهم خصائص أي شيء هو رؤية مثال عملي عنه. من خلال هذا الوصف، فإن استعراض خصائص الأشخاص الكماليين يساعدنا بالتأكيد على فهم مفهوم الكمالية بشكل أفضل:

– الشخص الذي يضع معايير عالية لنفسه عادة وإذا لم يصل إليها يشعر بالفشل والاكتئاب والقلق.

– يقارن نفسه دائمًا بالنموذج المثالي للإنسان.

– يتراجع عن إكمال مهامه خوفًا من الفشل.

– ينفق وقتًا طويلًا في أداء الأعمال البسيطة، لأنه يريد أن يكون الأفضل في كل شيء.

– ينتقد دائمًا الآخرين وأعمالهم، لأنه لا يرى أي شيء خاليًا من العيوب.

– يتجنب تسليم المهام للآخرين، لأنه يعتقد أنهم غير قادرين على إنجازها.

من بين السمات الأخرى لشخصية من يسعى نحو الكمالية، يمكن الإشارة إلى وجود تفكير زائد إما الكل أو اللاشيء، التركيز الشديد على نتائج الأعمال، التهاون في العمل وتأجيله بسبب الخوف من إنجازه بشكل غير كامل وانخفاض تقدير الذات، كل ذلك من علامات الكمالية. بالطبع قد لا تظهر جميع هذه الصفات في الشخص الكمالي في وقت واحد، ولكن بشكل عام، يمكن التعرف على كون الشخص كماليا من خلال رؤية بعض هذه الصفات.

بعدما نتعرّف على سمات الأشخاص الكماليين من منظور علماء النفس، يُسعدنا أن نلقي الضوء أيضًا على أهمية التباين بين الأفراد الناجحين والكماليين:

يمكننا القول إن التركيز المفرط على محاولة السيطرة على الأمور يعدّ مؤشرًا واضحًا لتحديد كمالية غير صحية، فالشخص الكمالي يركز باستمرار على نقائصه ونواقصه ويلوم نفسه على نقاط ضعفه، حتى لو حقق نجاحًا، بينما الشخص الناجح سعيد بتحقيق أهدافه وإنجازاته ويتعلم من أخطائه ونقاط ضعفه.

أنواع الكمالية

الآن وبعد أن تعرفنا على مفهوم الكمالية وسمات الأشخاص الكماليين، من الأفضل أن نتعرف أيضًا على أنواع الكمالية. تقسم معظم الدراسات والأشخاص البارزين في هذا المجال، الكمالية إلى ثلاث فئات مختلفة:

  • الكمالية الموجهة نحو الذات (Self-Oriented)

التي يمكن تقسيمها إلى “الكمالية القياسية الشخصية” و”الكمالية النقدية للذات”. في الحالة الأولى، يحتفظ الشخص بمجموعة من المعايير التي تحفزه في ذهنه ويتمسك بها، بينما في الحالة الثانية، يتوقع الشخص الكثير من نفسه، و بسبب عدم تحقق أهدافه، يعاني من قلق وإحباط ويدين نفسه باستمرار بسبب فشله.

هي نوع من الكمالية حيث يشعر الفرد بضغط وتوقع كبير من الآخرين والمجتمع ليكون مثاليًا. هذه التوقعات التي يمكن أن تأتي من قبل أشخاص مثل الوالدين، الأصدقاء أو بيئة العمل، قد تؤدي إلى إدمان الشخص عليها. وفي النهاية، نتيجة للخوف من الطرد وانتقاد الآخرين، يصبح الفرد عديم الثقة بالنفس، مضطربًا متشككًا في قدراته.

في هذا النوع من الكمالية، يتوقع الشخص الكثير من الآخرين و يشكك بقدراتهم وأدائهم ويتوقع بشكل زائد منهم. قد يؤدي سلوكه حتى إلى إثارة الغضب وقد يحرمه من القدرة على إقامة علاقات حميمية وصحية وموثوقة مع الآخرين.

بغض النظر عن أنواع الكمالية، يوجد هناك تصنيف آخر في رؤية علماء النفس، يفصل مفهوم الكمالية الإيجابية عن السلبية. فبينما يركز العديد من علماء النفس على الجوانب السلبية للكمالية ويعتبرونها بشكل عام انحرافًا غير صحي، إلا أن بعضهم يقدر الجوانب الإيجابية للكمالية ويرون أن الكمالية الصحية قد تكون دافعًا للتحفيز وزيادة معدلات النجاح، وتحسين أداء الأفراد.

في الواقع، ما يميز مفهوم الكمالية الإيجابية عن السلبية هو الشعور الذي ينشأ نتيجة هذه الكمالية. إذا كان الشخص قادرًا على قبول أخطائه و يستطيع تكييف نفسه مع تغيير الظروف، أو الظروف التي لا يسيطر عليها، فإن كماليته تعتبر إيجابية.  ولكن إذا أدى إلى قلق وندم وتوقع الكمالية، يُنظر إليه على أنه كمالية سلبية.

الملاحظة المثيرة للانتباه هنا هي أن جميع الأفراد، وفقًا لهذا التعريف، يشاركون بطريقة ما في الكمالية، إذ يستخدم بعضهم ذلك بشكل إيجابي، في حين يفقد البعض الآخر القدرة على السيطرة عليها.

جذور الكمالية

عندما نلقي نظرة متأنية حولنا، سنجد أن الأشخاص المختلفين يحظون بتقدير وتشجيع الآخرين بسبب إنجازاتهم المختلفة. يمكن أن يلعب هذا الدعم الذي يحظون به دورًا كبيرًا في تشكيل الشخصية الكمالية؛ إذ يميل الأفراد الذين يحققون النجاحات المتكررة إلى التوجه نحو هذا الميل بشكل أكبر. من ناحية أخرى، قد يؤدي عدم تجربة التشجيع والدعم اللازمين في سن الطفولة إلى تكوُّن الشخصية الكمالية؛ حيث يُثير الشعور المتكرر بعدم الاعتراف من الآخرين نوعًا من الشعور بالنقص وعدم الأمان لدى الفرد، ويعزِّز جهوده لتحقيق الكمال وخلوِّه من العيوب. وعلى الرغم من ذلك، لا يعتبر علماء النفس للكمالية مسببًا محددًا، بل يراها نتيجة لتفاعلات معقدة بين العوامل الوراثية والبيئية. بالنسبة لهم، فإن العوامل مثل اضطرابات الوسواس التعليمي، ووجود الوالدين الذين يسعون للكمال أو النقد أو الصرامة، وتجارب الخوف والسلوكيات غير الصحية في الطفولة، كلها تُعتبر دوافع محتملة لتشكيل الشخصية الكمالية.

على العموم، هناك فئة من الأفراد الذين يظهرون علامات الكمالية أسرع من الآخرين نظرًا لخلفياتهم الشخصية أو الاجتماعية؛ فعلى سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين ينغمسون في مهامهم بشكل مفرط، وأولئك الذين يعانون من مشاعر سلبية مثل القلق والاكتئاب والتقلبات العاطفية، يكونون أكثر عرضة لظهور الكمالية. ورغم أن كونهم ملتزمين بالواجب قد يكون مؤشرًا إيجابيًا يعكس حالة من الدقة والتحذير، إلا أن ذلك غالبًا ما يساهم في ظهور الكمالية بشكل إيجابي بدلاً من السلبي.

ثمة نقطة أخرى مهمة يجب الانتباه إليها، وهي أن ميولنا وسماتنا، بغض النظر عن كونها إيجابية أو سلبية، قد تظهر بشكل أكبر في بعض المجالات، و ليست الكمالية استثناءً من هذه القاعدة. يمكن معرفة الكمالية أكثر وضوحًا في الحالات التالية:

– امتلاك الشخص صورة عقلية سلبية وغير واقعية حول مظهره

– الحساسية المفرطة تجاه الأمور الدراسية

– الحساسية تجاه احتياجات وتوقعات الآخرين والخوف من جعلهم يشعرون بالحزن أو الإحباط بسبب التطلعات المتزايدة والخوف من الطرد.

– فرض الضغط على الأطفال لتحقيق التفوق في المدرسة، الرياضة، إلخ، أو الانتقاد المفرط لأدائهم

– طريقة التواصل والتعبير، والأنشطة البدنية والرياضية، وخاصة عند القيام بها بمفردك، والاهتمام المفرط بالنظافة والجمال في المنزل، واتباع روتين يومي صارم ومحدد في الأمور اليومية، وجدول النوم، أو النظام الغذائي.

آثار الكمالية وطرق علاجها

لقد قمنا بتحليل مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال من الناحية النفسية، كما شرحنا خصائص الكماليين، وأنواع الكمالية، والفروق بين الكمالية الإيجابية والسلبية، والعوامل المؤثرة في إثارة الكمالية، والمجالات التي تظهر فيها هذه الاتجاهات بشكل أكبر. نريد التركيز على آثار سلبية للكمالية من منظور علماء النفس.

من وجهة نظر علم النفس، يمكن أن يؤدي التوتر الناتج عن مستوى عالٍ من الكمالية إلى إثارة القلق، والاكتئاب، واضطراب في الأكل(فقدان الشهية أو زيادة في الشهية بشكل عصبي)، واضطرابات النوم أو اضطرابات عقلية أخرى، وانخفاض في تقدير الذات، وفقدان الطاقة والقدرة، وظهور مشاعر الغضب والإحباط واليأس، واضطراب الوسواس القهري، وغيرها من التحديات النفسية الشائعة. فما هي الخطوات التي يوصي بها علماء النفس لمعالجة مشاكل الكمالية؟

بوجه عام، هناك حلول متعددة لعلاج أي مشكلة قد تنطوي على تخفيف الأعراض أو تحقيق التحسن الشامل. وبما أن مفهوم الكمالية عادة ما يُنظر إليها بصورة سلبية في علم النفس، فقد تم اقتراح أساليب علاجية متعددة لمعالجة مستويات مختلفة من هذا السلوك. يعتقد بعض علماء النفس أن الكمالية في مستوياتها المنخفضة قد تؤدي إلى مشاكل وآثار سلبية متعددة، وعندما تكون عميقة ومتجذرة، قد تتحول إلى اضطراب يستلزم الاستعانة بمساعدة مستشار أو أخصائي نفسي.

يقوم عالم النفس أو المستشار بمساعدة الأفراد في تحليل المعتقدات الأساسية التي أدت إلى تكوين الكمالية من خلال دراسة التجارب الأولية، مما يساعد الشخص على فهم متى يمكن أن تكون الكمالية ميزة له ومتى تصبح نقطة ضعف له. في النهاية، الهدف هو التغلب على الشعور بالندم وعدم الكفاية الذاتية. خلال عملية علاج الكمالية، يسعى المتخصصون لمساعدة الأفراد على اكتشاف أساليب جديدة للتفكير في الأهداف والإنجازات باستخدام العلاج السلوكي المعرفي أو ما يُعرف بـ CBT.

بالطبع، هناك حلول مبتكرة تُساهم في علاج الكمالية، فمنها تحديد أسبابها المبكرة وترك القواعد الصارمة، بالإضافة إلى التركيز على النقاط الإيجابية، واختيار الأهداف بناءً على الواقع، اعتماد خطوات تطويرية صغيرة تدريجية نحو تحقيق النجاح، وفهم الفارق الجوهري بين العمل الدؤوب والسعي للتميز والكمالية. هذه الاستراتيجيات تُعتبر فعّالة بشكل كبير في التغلب على الكمالية.

الفرق بين الطموح نحو الكمال و الكمالية

عندما نبحث عن موضوع الكمال، غالبًا ما نواجه مفهومين هما: الكمالية و الطموح نحو الكمال. يُستخدم في اللغة الإنجليزية، مصطلح perfectionism سواء كان الحديث عن رفع المعايير في مجال علم النفس وعلوم السلوك، أو عند استخدامه في الفلسفة والأخلاق والسياسة لتعريف الخير والصلاح بشكل ملموس. أما في اللغات الأخرى، فقد يستخدم بعض الأشخاص مصطلح الطموح نحو الكمال في علم النفس والكمالية في الأخلاق والفلسفة والسياسة. بينما يعتقد البعض أنه ليس هناك حاجة لتفريق هذين المصطلحين، وأن الأشخاص سيفهمون المعنى بناءً على سياق الدراسة الخاصة بهم، ولا يمكن أن يخطئوا في فهمه. لذلك، يكاد يُعتبر هذان المصطلحان مترادفين.

في الواقع، نحن من يحدد معنى هذه الكلمات ووزنها. وهذا هو الحال أيضًا بالنسبة لمفهوم الكمالية و الطموح نحو الكمال. يُستخدم مصطلح الكمالية في علم النفس، بينما يُستخدم مصطلح الطموح نحو الكمال في الفلسفة الإسلامية، وكلاهما يشير إلى مفهوم واحد، وهو السعي والرغبة في الكمال. الفرق الوحيد هو أنه عند استخدام مصطلح الكمالية، تُعتبر الرغبة غير المرغوبة التي نميل إليها عن غير قصد بأثر سلبي، بينما عند استخدام مصطلح الطموح نحو الكمال، فإن الرغبة الداخلية التي نسعى إليها بصورة إيجابية.

مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال من وجهة نظر الفلسفة الإسلامية

كما أشرنا سابقاً، يتعين علينا دائماً السعي إلى فهم جذور وأصول أي موضوع. يختلف مفهوم الكمال في الفلسفة الإسلامية عن الفهم الشائع للتفوق والطموح نحو الكمال والكمالية كما يُفهم في مجالات أخرى. وهذا التباين يمثل الفارق بين النظرة الفلسفية الإسلامية والنظرة النفسية فيما يتعلق بمفهوم الكمالية والطموح نحو الكمال. فعلى سبيل المثال، تنظر الفلسفة الإسلامية إلى الكمالية أو الطموح نحو الكمال كصفة أساسية للإنسان وتُعتبره قيمة جوهرية، بينما يُنظر إليهما في علم النفس عادةً على أنهما سمات سلبية ومضرة. وهذا يمثل الفارق البارز بين النظرة الإسلامية والنظرة النفسية تجاه مفهوم الكمالية.

من منظور الفلسفة الإسلامية، يعتبر الكمال في أي شيء مجموعة من القدرات والتأثيرات التي يبرزها الشيء. بمعنى آخر، الكمال في أي شيء هو الغاية التي يتطلع إليها ذلك الشيء بكل جدية واجتهاد. وبالتالي، يمكن القول إن مفهوم الكمالية أو الرغبة في الكمال يُعتبر واحدًا ومتماثلاً في علم النفس والفلسفة الإسلامية، إذ ينطلق كل منهما من رغبة الفرد في تحقيق الكمال؛ لكن يتباين التعريف الذي يُقدم للكمال والمنطلق الذي يتم اعتماده في هذا الصدد.

في الحقيقة، ترى الفلسفة الإسلامية أن جذور ميل الإنسان نحو الكمالية تنبع من رغبته في اللانهاية. بما أنّ الإنسان له جذور غير مادية واللانهائية، يرغب دائماً في اللانهاية، حيث يسعى بلا كلل لما يتناغم مع جوهره. وتتجلى هذه الرغبة في اللانهاية والسعي نحو الكمال في جميع جوانب وجوده.

نحن نسعى دوما لتحقيق رغبتنا في اللانهاية بطريقة ما، تمامًا كما نشرب الماء لإرواء العطش، ونتناول الطعام لإشباع الجوع، ونعبر عن مشاعرنا ومحبتنا في سياقات مختلفة مع أبنائنا وشركائنا وأصدقائنا. نسعى جاهدين لتحقيق هذا الشعور باللانهائية في كل جانب من جوانب حياتنا، ونطمح للوصول إلى أقصى ما يمكن في كل مجال. وعندما نبلغ هدفنا المرغوب، لا نكتفي بذلك بل نضع هدفاً جديداً أعلى لأنفسنا؛ في الحقيقة، فالإنسان يسعى لتحقيق أقصى ما يمكن بفضل رغبته الطبيعية في اللانهائية، ولكن في أي مستوى من مستويات الوعي الذاتي الذي نكون فيها، فنحن نفسر اللانهاية على ذلك المستوى ونبني حياتنا وأهدافنا وأمانينا على هذا الأساس. هذا السعي نحو اللانهاية لا حاجة لإثباته، فببساطة، يكفي أن نلقي نظرة على أنفسنا وأحلامنا لندرك ما إذا كان هناك سقف لرغباتنا؟ أم هل في كل مرة نفكر في تحديد نهاية لقائمة طموحاتنا الطويلة، ينشأ فوراً رغبة جديدة في عقولنا؟

ما هو جذر الكمالية في الإنسان؟

كما أشرنا سابقًا، تعتبر الفلسفة الإسلامية أن جذور مفهوم الكمالية والطموح نحو الكمال تتجذر في الرغبة الإنسان في اللانهاية. بما أن الإنسان كائن راغب في اللانهاية، لايزال يسعى بلا كلل نحو الكمال المطلق أو اللانهائي، إذ يجد السكينة والسلام فقط عندما يصل إلى مبتغاه المرغوب.

في الواقع، لدينا جميعًا الرغبة في اللانهاية، ولكن الخطأ يكمن في افتراضنا أن جذور هذه الرغبة اللانهائية تنبع من الجوانب المادية، ونحاول تلبية هذه الرغبة باستخدام الموارد المادية المتاحة. ومع ذلك، يدرك كل عقل سليم أن الموارد المحدودة لا يمكن أن تفي بتلك الرغبة في اللانهاية، وفي الحقيقة، فإن ذلك غير ممكن على الإطلاق.

الطموح نحو الكمال هو خاصية تنبع من الجانب اللانهائي من وجودنا، تمامًا كما العطش الذي لا يُروى إلا بالماء، فإن إرضاء الطموح نحو الكمال لا تُشبع إلا بالوصول إلى اللامتناهي. في الواقع، فإن روحنا تميل بشكل لا حدود له نحو تحقيق محبوبها اللانهائي وينابيعها اللا متناهية. حيثما تجد علامة على ضالتها أي الكمال المطلق، تتجه نحوها بنشوة، ولكن عندما تجدها بعيدة عن الكمال المرغوب، يخيم الإحباط عليها، فتسعى بحثًا عن كمال جديد.

من خلال فهم هذه التوضيحات حول مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال، نكاد ندرك السبب وراء اعتقاد الفلسفة الإسلامية بأنه لا يمكن قمع الكمالية. عندما نجد أنفسنا جائعين بشكل ملح ونبحث عن طعام لتلبية حاجتنا، لو قيل لنا بأن هذه الرغبة كاذبة ومجرد وهم وينبغي تجاهلها، كيف سنشعر؟ بالطبع، سنتجاهل تلك الكلمات ونواصل السعي للعثور على الطعام. في الحقيقة، شعورنا بالجوع واضح لدرجة أنه لا يحتاج إلى تأكيد خارجي.

عندما تنبع الرغبة من داخلنا، لا يمكن قمعها أبدا حتى إذا تمت جميع الجهود لإخمادها وقمعها، فإنها تظهر بطريقة أو بأخرى وتعبر عن نفسها، تمامًا كما لو أغلقنا مصدر ينبوع للماء، لا بد و أن يتسرب الماء من مكان آخر بالتأكيد.

الطموح نحو اللانهاية هو مثل رغبتنا في الجمال، والزواج، أو الأكل والنوم، رغبة داخلية ويجب الرد عليها في مكانها. في قسم المشاكل الناتجة عن الكمالية، تم التطرق إلى بعض المشاكل والقضايا التي تنشأ نتيجة الرد الخاطئ على مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال والرغبة فيه. إن تجاهل أو قمع هذه الرغبة يؤدي إلى عواقب خطيرة سنتطرق إليها لاحقًا.

ما هي نتائج قمع الميل نحو الكمالية؟

لفهم العواقب الناتجة عن تجاهل رغبة ما، يكفي النظر إلى مثال بسيط؛ تخيل شخصًا يُنكر رغبته في تناول الطعام، فسيترتب عن ذلك: الضعف، وفقدان القوة والقدرة، وفي النهاية قد يصل إلى الوقوع في الغيبوبة أو حتى الموت. هذا هو المستقبل الذي يمكن تصوره لشخص يختنق رغبته في الطعام.

وهكذا، ينبغي لنا التعامل بشكل سليم مع الرغبة في الكمالية أو الطموح نحو الكمال، الذي ينبع من رغبتنا في اللانهاية، فإذا فشلنا في ذلك، فسوف ينتج عن ذلك شعور باليأس والحرمان من السعادة والسكينة. إذ نشعر بالضغوطات الناجمة عن عدم الاستجابة لتلك الرغبة في دواخلنا، ولكننا لا نملك القدرة على الاستجابة السليمة لها بسبب عدم الوعي بجذورها الحقيقية. وبالتالي، إمّا نفقد سعادتنا وسكينتنا، أو نجد أنفسنا في طريق مسدود بسبب عدم تحقيق هدفنا النهائي. يجدر بنا أن ندرك أن هذه الرغبة، بما أن لها جذورًا غير مادية، فإنها بشكل أساسي لا يمكن تلبيتها باستخدام الموارد المادية والمحدودة المتاحة في الدنيا. لذا، من أجل تحقيق هذه الرغبة وتحقيقها، يتعين علينا التعرف على الجانب اللا محدود وغير المادي للإنسان الذي يكمن في دواخلنا.

الرغبة اللانهائية في الكمال هي المحرك الحيوي لحياتنا وهي التي تجعلنا نخرج عن السكون والتوقف. وبما أن هذه الرغبة موجودة بشكل فطري فينا جميعًا، فإنها تظهر بشكل غير مدرك في أبعاد حياتنا المختلفة. نحن نسعى إلى الكمالات برمتها لأننا نعتقد أنه يجلبنا أقرب إلى مفهوم اللانهاية. ومن بين الكمالات نسعى إلى أعلى مستوى منها، لتقربنا أكثر إلى اللانهاية. في الحقيقة وبالرغم من محاولاتنا المتكررة والمستمرة، نجد أنفسنا في نهاية المطاف محبطين، لأننا لا نجد الكمال المطلوب واللا محدود الذي يتناغم معنا فطريًا. ونتيجة لهذا، نجد أنفسنا نتجه نحو آفاق جديدة من الكمال. إن قمع رغبتنا في الكمالية وتجاهلها لن يساعدنا، بل الوعي الكامل بجذور تلك الرغبة وتلبيتها بشكل صحيح هو ما يمكن أن يمهد الطريق للتقدم والنجاح في رحلتنا الحياتية.

في هذه المقالة، قمنا بتحليل الفرق بين مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال من وجهة نظر علماء النفس والفلسفة الإسلامية. ذكرنا أن علم النفس يعتبر مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال هو سعي الإنسان إلى الكمال والكمالية ويعتبرها غير مرغوبة وغير صحية، ويسعى إلى علاج وقمع هذه الرغبة، بينما تعتبر الفلسفة الإسلامية الكمالية خاصية جوهرية وفطرية للإنسان وتبحث عن جذورها في رغبتنا اللانهائية. تؤمن الفلسفة الإسلامية بأصالة الكمالية أو الطموح نحو الكمال وتعتقد أن هذه الرغبة لا يمكن الرد عليها بأدوات مادية ومحدودة في هذا العالم، لأن لها جذور لانهائية وغير مادية، بل يجب الرد عليها بأدوات متناسبة مع طبيعتها التي هي بعد إنساني ولانهائي.

ما رأيك في مفهوم الكمالية أو الطموح نحو الكمال؟ هل تنوي الرد عليها كرغبة داخلية أم تبحث عن طريق لقمعها أو تجاهلها؟

اكتب رأيك