لماذا نُصاب بحسرة الماضي؟ وما دور الشيطان في هذا الأمر؟
“يا ليتني لم أقم بهذا العمل؟”
“لو أمكنني العودة إلى الماضي…”
هذه العبارات وتلك الحسرات مألوفة لدى الكثيرين منا. حسرات تنبع من التفكير والبقاء في الماضي، والتي تستمر في إبعاد أذهاننا عن الحاضر والمستقبل، مما يؤدي إلى ظهور حسرات جديدة في المستقبل!
هل أنت من الذين يعانون باستمرار من ألم التحسر على الماضي؟
هل يمكن التخلص من الأفكار السلبية وحسرات الماضي؟
هل تعلم من أين يأتي الشعور بحسرة الماضي؟
وهل لديك معرفة بما يُعرف بهجوم الشيطان من الخلف؟
كما ذكرنا في الدروس السابقة، فإن الشيطان شخصية حقيقية وخارجية، وهو اسم عام لكل كائن شرير ومخادع يحاول تضليل الإنسان أو إغواءه. يبذل الشيطان قصارى جهده ليغوينا من خلال إنتاج أفكار سلبية، وحسرة الماضي، وإغراءات خادعة ليبعدنا عن الطريق المستقيم. هذا الكائن الشرير يهاجمنا من أربع جهات: من الأمام، ومن الخلف، وعن اليمين، وعن الشمال،[1] ليجعلنا عاجزين عن بناء أبدية جميلة، وبالتالي، يجب أن نعتبره من أعدائنا الأشد خطراً وضرراً.[2]
إذا تأملنا قليلاً، سنجد أننا جميعاً، في أعماقنا، نقبل بالطبع أن الشيطان كائن مخادع ومضلل. فعلى سبيل المثال، نسمع كثيراً عبارات مشابهة لهذه في أحاديثنا اليومية مع الناس: «الشيطان يقول لي أن أضربه ضربة لا يقوى على النهوض بعدها»، «الشيطان يقول لي أن أفضحه»، وما شابه ذلك، أو عندما نريد التحدث عن شيء أو فعل، نقول: «عسى الشيطان ألا يسمع»، بمعنى أننا نفترض أن الشيطان قد يُحدث مشاكل في هذا الأمر عبر وساوسه ومكائده، ومع ذلك، للأسف، غالباً لا نأخذه بجدية ولا نسعى لدفع هجماته! إنه عدونا الذي يرافقنا دوماً ويسعى لتدمير دنيانا وآخرتنا بلا كلل.
من البديهي أن كل عقل سليم يدرك أنه لا ينبغي الاستهانة بعدو مخادع، بل يجب أن يكون في حالة وعي تام، وأن يبذل كل جهد ممكن لتجنب هجماته. فكيف يمكننا فعلاً أن نتجنب خداع هذا العدو الشرير؟
في هذا الدرس، سنتناول هجوم الشيطان من الخلف وحسرة الماضي، وهو الهجوم الذي يرتبط بالأحداث السلبية والمحزنة التي مررنا بها. كما سنتعرف على طرق مواجهة هذه الأفكار السلبية وكيفية التغلب عليها.
كيف يزرع الشيطان مشاعر الندم والحسرة على الماضي والأفكار السلبية؟
إن هجوم الشيطان من الخلف يتعلق كما ذكرنا بماضينا. تعتبر الذنوب، والضغائن، والهزائم، ثلاثة عوامل مهمة جداً في ماضينا يعتمد عليها الشيطان في هجومه. إنه يستخدم هذه العوامل الثلاثة لإشعال حسرة الماضي وتغذية الأفكار السلبية في داخلنا. على سبيل المثال، نستمر في التفكير: «لماذا ارتكبت ذلك الذنب؟» «إذا لم أدخل في ذلك العمل، لما خسرت رأسمالي.» «فلان أهانني ولم يدعني إلى الحفل.» ونظل نغذي آلاف الحسرات في أذهاننا وقلوبنا.
إن هدف الشيطان من هجومه من الخلف هو إثارة الحزن، والشعور بالحقارة، واليأس، والخوف، وتدمير الثقة بالنفس فينا. في الحقيقة، يقوم الشيطان في هجومه من الخلف بتذكيرنا بالذنوب، والضغائن والهزائم ليمنعنا من التقدم نحو الكمال.
الذنوب كمصدر لحسرة الماضي
تعدّ الذنوب التي ارتكبناها في الماضي إحدى أدوات الشيطان في هجومه من الخلف. فالشيطان يقوم بتذكيرنا بذنوبنا السابقة، يدفعنا إلى التفكير المستمر فيها، مما يؤدي إلى شعورنا بالإحباط واحتقار الذات. بهذه الخدعة، نرى أنفسنا دائماً ملوثين وغير مستحقين لعلاقة قوية وقريبة مع الله ومع المعصومين (عليهم السلام). لا يزال بعضنا إلى اليوم يندم على ذنب ارتكبه قبل سنوات، ويستمر في لوم نفسه وتغذية التحسر على الماضي. ومع ذلك، مهما كان حجم الذنب، لا ينبغي أن يُبعدنا عن الله، لأن الله أكبر.
تذكير بالضغائن
الكراهية والضغائن هي أدوات أخرى يعتمد عليها الشيطان في هجومه من الخلف. فهو يستثمر كثيراً في مشاعر الحزن والكراهية التي نحملها تجاه الآخرين، ويسعى دوماً لتذكيرنا بالمواقف السلبية والمزعجة التي عشناها معهم، بهدف إفساد روحنا وتعكير علاقتنا بهم. يحاول الشيطان دوماً إحياء الذكريات المؤلمة، والحقد والضغائن بيننا وبين أصدقائنا، ومعارفنا أو أفراد عائلتنا، ليجعلنا عاجزين عن العيش بطمأنينة و سعادة. على سبيل المثال، قد نجد أنفسنا بعد سنوات من زواجنا لا نزال نتذكر مواقف معينة أزعجتنا من الزوج أو من عائلته في يوم الزواج، وهذا التذكير هو من عمل الشيطان. الهدف الآخر للشيطان من تذكيرنا بالضغائن هو حرماننا من جميع الخيرات والبركات التي نحصل عليها من خلال الألفة، والمحبة، والوحدة والتوافق. فالشيطان يسعى دائماً إلى استحضار الضغائن القديمة ليحول دون تحقيق الصلح والمحبة بين الأفراد.
تذكير بالإخفاقات
الإخفاقات هي وسيلة أخرى يعتمد عليها الشيطان في هجومه من الخلف. فجميعنا قد مررنا بإخفاقات طبيعية في حياتنا، سواء كانت في الأمور الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والروحية، والتعليمية، والمهنية، والعلاقات الزوجية، والعائلية، والصداقات أو حتى في الأمور الجهادية والمقدسة. يعيد الشيطان إلينا ذكريات الإخفاقات ليغرس فينا حسرة الماضي، ويشعرنا بعدم الكفاءة، مانعاً إيانا من امتلاك القوة والشجاعة لتصحيح أخطائنا واتخاذ قرارات كبيرة وحاسمة.
يزرع الشيطان بهذه الحيلة في نفوسنا الخوف من الإخفاقات المستقبلية ويثبّط عزيمتنا، ما يجعلنا نندب ماضينا ونفقد القدرة على اتخاذ خطوات إيجابية نحو المستقبل. تماما كحال شخص يستمر بعد الطلاق في التفكير بزواجه الفاشل ويلوم نفسه على اختياره السيئ، فيشعر بالضعف واليأس.
كيف يمكننا مواجهة حسرة الماضي؟
من خلال معرفة أساليب الشيطان للهجوم من الخلف ندرك أننا جميعاً معرّضون لهذا الهجوم، وإذا لم نواجهه، فإن الشيطان لن يضرّ بحياتنا الدنيا فحسب، بل سيلحق أذى كبيراً بآخرتنا وحياتنا الأبدية أيضاً.
إن من أهم الطرق لمواجهة الشيطان أن ندرك أهمية معرفة النفس والشيطان على حد سواء. فعندما نعي حقيقة هجوم الشيطان من الخلف، نستطيع أن نفرق بين أفكارنا الحقيقية وبين الأفكار السلبية التي يزرعها الشيطان فينا، والتي تسبب لنا الحسرة واليأس. جميع الأفكار التي تزرع فينا الحزن والخوف واليأس والشعور بالضعف والعجز ليست منا، بل هي من الشيطان، وعليه فلا يجب أن نوليها أي اهتمام.
هناك طريقة أخرى لمواجهة هجمات الشيطان وهي تكمن في سدّ نقاط ضعفنا. فالشيطان يستغل الثغرات الموجودة في نفوسنا ليهاجمنا. على سبيل المثال، إن مسامحة الآخرين وعدم الحقد عليهم يعدّ دفاعًا قويًا ضد الأفكار السلبية التي يزرعها الشيطان في نفوسنا. وكذلك، فإن طلب المغفرة من الذنوب يُعدّ سلاحًا فعالًا في هذه المعركة.
من أجمل ما يفعله الأطفال بعد ارتكاب أي خطأ هو اللجوء إلى حضن أبويهم، فبرغم أخطائهم، يتوقون للمغفرة ولا يفقدون الأمل في علاقتهم بوالديهم. وهكذا ينبغي أن نكون نحن أيضًا كالأطفال المخطئين، فبعد ارتكاب الذنب لا ينبغي أن نقطع علاقتنا بربنا الرحيم، بل نستغفره ونتوب إليه. ولنتذكر دوما أن رحمة الله وسعت كل شيء، وتماماً كما أننا لا نلقي بملابسنا المتسخة بل نغسلها، ولا نهمل أجسادنا النجسة بل نطهرها، كذلك نفعل بقلوبنا المتسخة بالذنوب، فنتوب ونتطهّر.
هناك وسيلة مهمة أخرى لمواجهة هجوم الشيطان وهي أن نتجاهل الأفكار السلبية بدلاً من محاولة طردها، وأن نشغل أنفسنا بالأفكار الإيجابية والجميلة. وفي النهاية، لا ننسى أهمية الصداقة مع الله، والتوكل عليه، واللجوء إليه من شر الشيطان، فهذا يجعل الشيطان يفقد قدرته على السيطرة علينا. لأننا عندما نرتبط بمصدر القوة، تضعف حيل الشيطان ومكائده وتصبح عديمة الفعالية.
تناولنا في هذا الدرس، هجمات الشيطان من الخلف، والتي تستهدفنا عبر ذكرياتنا السلبية وأحاسيس الندم. فالشيطان يستغل أخطائنا السابقة، وإخفاقاتنا، والمشاعر السلبية التي حملناها في الماضي، ليذكّرنا بها باستمرار، محاولاً زرع الخوف والحزن والشعور بالنقص واليأس في نفوسنا. ولكن، يمكننا مواجهة هذه الهجمات من خلال فهم أنفسنا وفهم حيل الشيطان، وعلاج نقاط ضعفنا، وتغذية عقولنا بأفكار إيجابية، والتذكر الدائم لله، والتقرب منه، والتوكل عليه.
ما رأيك في هذه الهجمات الشيطانية وكيفية التعامل معها؟
[1] . سورة الأعراف، الآیة 17
[2] . سورة فاطر، الآیة 6