ما هو علاج الفسق؟ وماذا يمكننا فعله لكي لا نكون من الفاسقين؟

جدول المحتويات
ما هو علاج الفسق؟ وماذا يمكننا فعله لكي لا نكون من الفاسقين؟

كيف يمكننا إقامة التوازن بين محبوباتنا لكي لا نكون من الفاسقين؟

ربما تكون قد سمعت بكلمة “فاسق” سابقا، ولكن من غير المرجح أن تكون قد فكرت في إمكانية الانخراط فيه. وإذا كان هذا الاحتمال موجودا لدينا، فإن سؤالا آخر يطرح نفسه، وهو كيف لا نكون من الفاسقين؟  فالحياةُ مليئةٌ بالتقلباتِ التي قد تُخرجنا عن مسارِنا الطبيعيِّ وتجعلنا غير متوازنين. يكون هذا الخلل أحيانًا جسديًا ويمكن رؤيته وعلاجه بسهولة، وأحيانًا تخرج أنفسنا عن توازنها وعن حالتها الطبيعية وهو ما نسميه الفسق.

على سبيل المثال، قد نفقد التوازن في نظام جسمنا بعد تناول طعام ما، أو قد نتعثّر بحجر أثناء المشي ونفقد توازننا، غير أنّه لا يكون عدم التوازن في النفس واضحًا وملموسًا مثل هذه الأمور.

ونظرًا لأننا قد استأنسنا واعتدنا على الدنيا و ظروفها، فإننا كثيرًا ما نخضع للأمور التي نعشقها في أبعاد وجودنا الدانية. فنحن ننشغل بشراء المنازل والسيارات، والبحث عن الشريك المثالي، والتطلع لتحسين مظهرنا الخارجي، وتحقيق النجاح المهني، والحصول على المؤهلات العلمية، وغير ذلك من الأمور المادية والدنيوية، إلى درجة أننا قد لا نلاحظ أبدًا الفسق وعدم التوازن في ترتيب أولوياتنا ومحبوباتنا. ومع ذلك، فإننا لا نفكر أبدًا في إيجاد طريقة للتخلص من هذا الفسق أو كيفية علاجه.  بينما يعتمد توازن الإنسان بوصفه الإنسان على كيفية ترتيب محبوباته وعدم فسقه.

كما تطرقنا إليه في الدروس السابقة، يحدث الفسق وعدم التوازن في النفس عندما نغفل عن البُعد الإنساني في وجودنا، ولا نسعى لمعشوق هذا البُعد وإلهه الذي هو الله بالضبط. بمعنى آخر، في هذه الحالة، ليس الله وحبه في محور حياتنا، وعلاقاتنا، واختياراتنا، وأفكارنا، أو سلوكنا لتوجيه باقي جوانب وجودنا، أو تنظيمها. ننوي في هذا الدرس، استكشاف العوامل التي تساعدنا على وصول الجانب ماوراء العقلي إلى القوّة والقدرة، من أجل وضع استراتيجية لعلاج الفسق والخروج من حالة عدم التوازن، مما يجعلنا غير فاسقين.

الوصول إلى مرحلة النضج العقلي

يرتبط التوازن أو عدمه يعني الفسق، بسيادة الجانب ماوراء العقلي في وجودنا مباشرة. سبق لنا أن ذكرنا أن التوازن يحدث عندما تخضع جميع جوانب وجودنا لسيادة بُعدنا ماوراء العقلي وتتصرف تحت حكمه، ولكن لا يمكن للبُعد ماوراء العقلي أن يسود على نفوسنا إلّا إذا كان لديه القدرة والقوة اللازمة وبمعنى آخر إذا كان قد تمكن من التطور والنضوج.

بالطبع، هناك فارق أساسي بين نضوج الجانب ماوراء العقلي أو بُعدنا الإنساني وبين باقي أبعاد وجودنا. فكل من أبعادنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية تطلب معشوقها بمجرد بلوغها للنضج؛ وهذا يعني أننا لا نحتاج إلى تعليم لتحقيق رغبات واحتياجات أبعادنا الوجودية الأدنى. منذ الطفولة، عندما نمسك بلعبة أو أداة جذابة، نسعى للحصول عليها؛ وعندما نشعر بالجوع، نبحث عن الطعام دون الحاجة إلى تذكير؛ وعندما نصل إلى النضج الجنسي، نشعر برغبة في الزواج وتكوين علاقات مع الجنس الآخر دون الحاجة للإرشاد؛ وإذا بلغنا النضج العقلي، نظهر اهتمامًا بالتعلم والقراءة وفهم أسرار الطبيعة دون أن يكون هناك حاجة لإلقاء الناس علينا.

ولکن يختلف الأمر فيما يتعلق ببعدنا ماوراء العقل. فبعدنا الإنساني لا ينضج تلقائيًا دون تلقين. بل يجب علينا بذل الجهد لجعل بعدنا الإنساني مسيطرًا ودفع منافسيه أي جوانبنا المادية والنباتية والحيوانية والعقلية. بمعنى آخر، إن الفسق والخروج عن التوازن أمر يمكن حدوثه بسهولة، وعلينا أن نسعى جاهدين لكي لا نكون فاسقين.  في الواقع، إن ذكر الله، والذي يعد إحدى علامات نشاط جانبنا ماوراء العقلي، ليس عملا عشوائيا أبداً، بل يتبع بدوره بنية رياضية من السبب والنتيجة.

لا یمکننا أن ندعي الوصول إلى النضج العقلي والتوازن الإنساني إلا عندما نشعر بالشوق إلى محبوبنا الحقيقي الذي هو الله دون التذكير، أو ينفذ صبرنا بسبب البعد عنه ولا نكون محتاجين إلى التلقين للاشتياق إليه. من المهم أيضًا أن نعرف أن نضج بعدنا الإنساني لا يعتمد على عمرنا، بل يحدث عندما نوفر له التغذية المناسبة من حيث الكمية والجودة.

الانحراف عن التوازن

لا يوجد شخص متوازن يفضل الكمال المحدود والفاني على الكمال اللامتناهي وغير المحدود. عندما نفضل الكمالات المحدودة الدنيوية على الكمال المطلق كمحبوب جانبنا ماوراء العقلي، فهذا يعني أننا قد تعرضنا لانحراف مزاجي بسبب التغذية الروحية غير السليمة.  إن عدم التوازن في أي جزء من أجزاء وجودنا یظهر نفسه بطريقة ما؛ على سبيل المثال، عندما نهمل أعضائنا الجسدية والحسية، يصبح جسمنا ضعيفًا وخاملًا ونتعرض للمرض باستمرار. وإذا أهملنا جزءنا النباتي ولا نتبع التغذية السليمة وممارسة الرياضة، نُصاب بضعف النمو والقدرة البدنية. وإذا كان لدينا خلل في توازن جزءنا الحيواني، فلن تكون لنا رغبة في الزواج، أو لا ننفق ما يكفي من الوقت والطاقة لتلبية احتياجات عائلتنا وأطفالنا، أو نهمل وظيفتنا أو مسؤولياتنا الاجتماعية أو السياسية. وكذلك فإن إهمالنا للبعد العقلي يؤدي إلى عدم الاهتمام باكتساب العلم والتعلم.

على الرغم من أن عدم التوازن في أي من هذه المجالات أمر مزعج و يعيق النضج السريع للقلب وصحته العامة، إلا أن أياً منها لا يضرنا بقدر ما يضرنا عدم التوازن في الجانب ماوراء العقلي. فبما أنّنا أشرفُ المخلوقات وحملة لواء الخلافة الإلهيّة، فإنّ توازننا لا يتحقّق إلاّ بالوصول إلى الله. ولكن الحاجة للوصول إلى الله والكمال اللامتناهي لا تظهر في وجودنا إلا إذا ساد الجانب الإنساني فيه أي وبعبارة أخرى ألا نكون فاسقين. فالإنسان الذي اختل توازنه ولا يملك فهم للجانب ماوراء العقلي لوجوده، لن يشعر بضرورة للتشبه بالله وتحقيق هدف خلقه. نتيجة لذلك، ومن أجل علاج الفسق، فإننا نحتاج إلى تقييم كل بُعد وقوة لوجودنا وتوفير التّغذية المناسبة له، ومنع النّمو المفرط لأيٍّ منها. كما نحتاج إلى التّمرين والتلقين لتعزيز الجانب الإنسانيّ وسيادته، ليصبح هذا الجانبُ هو الحاكمُ في وجودنا.

كلما اتخذنا قرارًا في أيّ شأن من شؤون حياتنا من خلال قوة العادة والألفة والتعرض المستمر له، نُهيّئ في قلوبنا أرضيةً لحبّه. فإن رتّبنا عملنا، وحياتنا، وعلاقاتنا، وصداقاتنا، أو مُتَع الحياة، على نحو يُكثّر من ذكر الدنيا ومظاهرها في قلوبنا، فإنّنا بطبيعة الحال نجذب أنفسنا نحو الفسق والخروج عن التوازن. ولكن، إنْ حافظنا على إقامة التوازن بين محبوبات جوانبنا الوجودية الأدنى، وزرعنا في قلوبنا ذكر اللهِ ومظاهره بالتلقين والتّعليم، فإنّنا سنتقدّم نحو سيادة بعدنا ماوراء العقلي على وجودنا. في الحقيقة، لا يمكننا أنْ نكون غير فاسقين إلاّ إذا لمْ نُضحي بميلنا إلى الكمال اللانهائيّ والوصول إليه من أجل كمال الدنيا المحدود.

استعرضنا في هذا المقال طرق علاج الفسق وتعلمنا كيف لا نكون فاسقين وذكرنا أنّ الانغماس في الدنيا ومعشوقات أجزاء وجودنا الدنيا قد يُعيقنا حتى عن إدراك فسقنا. ولكي لا نكون فاسقين، نحتاجُ إلى تنمية بُعدنا ماوراء العقلي والتحكم بأجزاء وجودنا الدنيا وفقًا لرغباتِ معشوقِنا اللانهائيّ، و هو الله تعالى. وبطبيعة الحال، فإن نضوج جانب ماوراء العقلي يختلف عن نضوج الأبعاد الأخرى لوجودنا فهو يتطلب التدريب والتلقين.

هل من المهم بالنسبة لك تحقيق التوازن الإنساني؟ وهل تؤمن أن الخطوة الأولى نحو تحقيق هدف الخلق والتشبه بالله هي ترتيب محبوباتنا حسب الأولوية و أن لا نكون من الفاسقين.

اكتب رأيك