ما هي علامات الفاسق؟ ومتى يُطلق لقب الفاسق على شخص ما؟

جدول المحتويات
ما هي علامات الفاسق؟ ومتى يُطلق لقب الفاسق على شخص ما؟

أهم علامات الفاسق

كل كائن في هذا الكون له طبيعة وسلوك طبيعيان، وعندما يحيد عن هذا الطبيعي يصبح شاذًا. فمثلاً، القط بطبيعته يحب اصطياد الفئران، وإذا وجدنا قطًا يخاف من الفأر فهذا يعني أنه شاذ. وكذلك الكبش بطبيعته يأكل العشب، وإذا وجدنا كبشًا يأكل اللحم فهذا يعني أن هناك خللًا في جهازه الهضمي. الغنم التي تتغذى على اللحم بدل العشب، هو مثال يهدف إلى توضيح أن الخروج عن الفطرة الطبيعية والسلوك الفطري هو دليل على وجود النقص وعدم التوازن.

يخرج الإنسان عن التوازن أحيانًا، لكن الأهم هو أن هذا الانحراف لا يقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل إن الانحراف الأخطر هو الانحراف عن التوازن الروحي والمعنوي، لأن حقيقة الإنسان تكمن في روحه لا في جسده. وهكذا، قد يبدو شخص ما سويًا تمامًا من الناحية الجسدية، وقويًا بدنيًا، ولكنه فاسق من الداخل.

ولكن ما هي علامات الفسق أو الانحراف؟ وكيف يبتعد الإنسان عن التوازن؟

لقد سبق لنا أن تطرقنا إلى موضوع الفسق في دروس سابقة، وهذا الدرس هو استكمال لتلك الدروس. سنتناول في هذا الدرس أهم علامات الفرد الفاسق.

الفاسق وعدم ترتيب المحبوبات

لكي نفهم مفهوم الفسق، يجب علينا أن نستذكر تعريف الإنسان وحالته الطبيعية التي سبق وتطرقنا إليها في الدروس السابقة. لقد ذكرنا أن الإنسان يتكون من خمسة أبعاد: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وماوراء العقلية. الأبعاد الأربعة الأولى يشترك فيها الإنسان مع الكائنات الأخرى، بينما البعد ماوراء العقلي هو ما يميز الإنسان عن غيره. وبسبب هذا البعد، يُطلق على الإنسان هذا الاسم. من جهة أخرى، فإن كل أبعاد وجود الإنسان تحمل محبوبات خاصة بها، وعندما يصل الإنسان إلى هذه المحبوبات، يشعر بالراحة والسعادة.

فمثلًا يستمتع البعد الجمادي في الإنسان، بمتاع الدنيا كالثروة والمجوهرات والسيارات الفارهة والقصور الفخمة. و يستمتع بعده النباتي، بالطعام اللذيذ والجمال في الجسم والوجه. ويجد الإنسان في أبعاده الحيوانية والعقلية، كمالاته الخاصة. بينما معشوق الجزء الإنساني في الإنسان هو الله تعالى، وحب أهل البيت والجهاد في سبيل الله بوصفهما محبوبات أخرى للجانب الإنساني، هما من مظاهر هذا الحب الإلهي، لأن أهل البيت عليهم السلام هم أوصياء الله واتباعهم هو سبيل الوصول إليه، والجهاد هو الصراع من أجل تحقيق أهداف الله.

طبيعة الإنسان الحقيقي تقتضي أن تكون هذه المعشوقات الثلاثة في صدارة اهتماماته وأولويات حياته. وإلا، فإنه قد أصاب بمرض الفسق وقد خرج عن طبيعته الإنسانية. يتحدث الله تعالى عن علامات الفاسق في قوله: “«قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ»[1]

إن من أبرز النقاط التي تستحق التأمل هي أن مجرد حب الله وأهل البيت عليهم السلام والجهاد لا يكفي لضمان النجاة من الفسق. بل يشترط أن يتجذر هذا الحب في أعماق القلوب، ويتجلى في الأفعال والأقوال وأن يكون أولوية الإنسان القصوى، حتى لو تعارض مع رغباته النفسية أو شهواته الدنيوية، وإن كانت هذه الشهوات متعلقة بأمور مقدسة كطلب العلم. إن ترك الجهاد في زمنه يعدّ نوعًا من الفسق، ومع ذلك، لا يعني هذا التقليل من شأن الدنيا وما فيها من نعم جمادية ونباتية وحيوانية وعقلية، بل إن كل شيء له قيمته ومكانته. ولكن الأولوية يجب أن تكون لله ولأهل البيت والجهاد. وإذا فضلنا شيئًا آخر عليهم، فإننا نكون قد ضللنا الطريق وندخل في دائرة الفاسقين. إن إهمال هذه الأولوية يؤدي إلى خلل في نظام القيم لدى الإنسان، مما قد يؤدي إلى الفسق، وسنوضح في الجزء التالي آثار هذا الخلل وتبعاته.

ما هي علامات الفاسق؟

إن إحدى علامات الفاسق هي افتقاده للسرور والطمأنينة الداخلية؛ وذلك لأن هذا الشخص يفضل محبوبات جوانبه الدنية منها الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية على محبوبات جانبه الإنساني، ويشغل نفسه بها باستمرار. في حين أن النفس الإنسانية تسعى إلى الكمال المطلق اللانهائي وهو الله تعالى، ولا تشبع بالكمالات المحدودة والمحبوبات الفانية. لقد رأينا جميعًا أمثلة كثيرة على ذلك حولنا؛ مثل الأثرياء الذين لا يشعرون بالرضا والطمأنينة رغم امتلاكهم ثروات طائلة، بل يسعون دائمًا إلى المزيد. ومن علامات الفاسق الأخرى هي الحزن والأسى والقلق. إن الفاسق ليشعر بالقلق المستمر من فقدان المحبوبات الدنيوية التي يعشقها، ويصاب بالحزن والأسى عند فقدانها.

إن الإنزعاج السريع، والغضب، والشجار، والشعور بالفراغ، وكثير من المشاكل الأخرى، كلها من آثار الفسق وعلاماته. ذلك لأن الفاسق يفتقر إلى ترتيب صحيح للمحبوبات في قلبه، وعندما يختل هذا النظام العاطفي، يختل توازن نفسه. من علامات الفسق الأخرى هي عدم الإستمتاع بالعبادة والإنصراف عن الخلوة بالله؛ فمثل هذا الشخص يفرح بقصر صلاته في السفر، ويفضل مشاهدة الأفلام أو الاتصال بأصدقائه على الخلوة بربه. بمعنى آخر، فإن الفاسق لا يرتبط بالله وأهل البيت علاقة عاطفية، ويشعر بالملل والاكتئاب في أوقات الوحدة بدلاً من أن يخاطب ربه بخضوع وتضرع. إن الفاسق لا يرتب محبوباته وفقاً لما جبلت عليه الفطرة الإنسانية، ولا يتصرف في اختياراته وعلاقاته وأفعاله وأفكاره انطلاقاً من محبة الجانب الإنساني فيه

تناولنا في هذا الدرس، علامات الفاسق. وقد بدأنا بتعريف الإنسان، وذكرنا إن حقيقة الإنسان هي الجزء الإلهي أو ماوراء العقل فيه، وهو عاشق للكمال المطلق، أي الله تعالى. بالتالي، من الطبيعي أنه ينبغي أن يكون الله المحبوب الأصلي والحقيقي للإنسان، وأن يسيطر الجزء الإلهي فيه على بقية الأجزاء. أما إذا كان الإنسان يحب الكمالات المحدودة الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية أكثر من حبه لله وأهل البيت والجهاد في سبيله، فهذا يعني أنه قد خرج عن طبيعته الفطرية وأصبح فاسقًا. من علامات الفاسق أنه لا يشعر بالسرور والسعادة والطمأنينة بسبب انشغاله بالكمالات المحدودة، لأن فطرته تسعى إلى الكمال المطلق ولا تشبع بالكمالات المحدودة. بالإضافة إلى ذلك، فإن العصبية والعنف والشجار والإحباط من علامات الفسق.

ما رأيك في مفهوم الفسق؟ هل تستطيع ذكر علامات أخرى للفاسق؟

[1] . سورة التوبة، الآية 24

اكتب رأيك