ما هو الله؟ وما العلاقة بيننا وبين الكمال المطلق الذي نحبّه؟
قد تساءلتم يوماً عن ماهية الله، أو متى وُجد؟ أو أين هو الله وكيف يدير هذا الكون؟ أسئلة قد تكون شغلت أذهاننا في مرحلة الطفولة، وإذا كنا محظوظين أو قابلنا شخصا مناسبا آنذاك، حصلنا على إجابة تتناسب مع مستوى فهمنا ووعينا في كل مرحلة عمرية.
الله هو مفهوم في غاية القرب منا، ومع ذلك فإنه من أكثر الأشياء غموضاً بالنسبة لنا. ربما لأننا ما زلنا نجهل أنفسنا، ولأننا لا نملك الوعي الكامل بمفهوم الوجود. كثيراً ما نسمع أن الله هو أظهر وأوضح حقيقة في حياتنا، ورغم هذا القرب الشديد، إلا أننا لا نزال عاجزين عن إدراك هذه الحقيقة بعمق، فترانا نعيش سنوات مع الله، ولكننا نواجه صعوبة في تحديد معنى هذا الرفيق و المعشوق الحقیقي.
عادةً ما نبحث عن الله في أماكن غير المكان الذي ينبغي أن نتوجّه إليه، ولذلك فإننا نفشل في رؤيته أو فهم حقيقته. بالنسبة لكثيرٍ منا، الله هو الخالق الذي یحیط بنا ويدبّر أمور الكون من سماوات بعيدة. بناءً على هذا التصور، نجد أن فهمنا لله يأتي مليئًا بالتناقضات، وفي كثير من الأحيان يبقى قاصرًا، حتى بعد سنوات من التفكير والتأمل.
لكي ندرك الله على نحوٍ صحيح، ونفهم من هو حقًا، علينا أولًا أن نفهم ماهيّة “الوجود” وخصائصه. إننا نسعى طوال حياتنا وراء شيء ما، ونشعر دائمًا بانجذاب نحو كمال غير محدود، ونجتهد للوصول إليه بوعي أو بلا وعي. كلما واجهنا شعورًا بعدم الرضا عن كمال معين، أو رغبنا في شيء أسمى، فإننا في الحقيقة نبحث عن الكمال المطلق الذي أُودِعَت أرواحنا شيئًا منه. فنحن في جوهرنا مرتبطون بالله، ولم نفترق عنه أبدًا، بل نحن مظاهر لوجوده. كل كمال يسترعي انتباهنا أو يدفعنا للإعجاب يخبرنا عن كمال مطلقٍ هو المعشوق الحقيقي لروحنا الإنسانية. فالله هو هذا الوجود المطلق، الكمال اللامتناهي الذي نرى تجلياته واضحةً في أنفسنا وفي العالم من حولنا.
في هذا المقال، سنحاول أن نقدم إجابة واقية للسؤال المتكرر “من هو الله؟” عبر دراسة خصائص الوجود، لنصل إلى رؤية أعمق حول خالقنا وربنا، الله عز وجل.

ما هو الله وما هي صفاته؟
لكي نفهم معنى “الله” وصفاته، نحتاج إلى مقدمات تسلط الضوء على هذا المفهوم العظيم. في الحقيقة، الله هو “الوجود المطلق” الذي لا حدود له، ويسري في كل جانب من جوانب الحياة. عندما نتعرف على خصائص “الوجود”، نبدأ بتكوين فهم أعمق عن الله وصفاته. يتجلى “الوجود” أشكالًا متنوعة تشمل الحسيّ، والخياليّ، والوهميّ، والعقليّ، وفوق العقل. كل من هذه الأبعاد موجودة ولا نهائية في جوهرها، وتنبع منها حقائق ووقائع نلمسها في حياتنا. من بين هذه الأنواع، يبرز هناك بعدٌ يتصل مباشرةً بالوجود اللامتناهي. لكن، ما هو هذا الوجود اللامحدود؟
- نعتبر الوجود “لا نهائيًا” لأن الشيء الوحيد الذي قد يقيده هو “العدم”، لكن العدم لا وجود له؛ لأنه إذا كان العدم موجودًا، لتحول هو نفسه إلى وجود. لذا، لا شيء يحدّ الوجود، مما يجعله لانهائيًا ومطلقًا.
- هذا الوجود المطلق كيان واحد يتجلى بأشكال متعددة، لأن فكرة تعدد “الوجودات” تتطلب وجود فاصل بينها، وهذا الفاصل إما أن يكون “عدمًا”، وهو غير موجود، أو وجودًا، وفي هذه الحالة يصبح الكل جزءًا من الوجود الواحد الذي يظهر في أشكال وصور مختلفة.
- الوجود لا بداية له ولا نهاية؛ فلو كان هناك “عدم” يسبق الوجود أو يتلوه، لكنا أمام تناقض. فالعدم ليس بمقدوره أن يخلق شيئًا أو يؤثر على شيء لأنه ببساطة غير موجود، والوجود الأبدي لا يحتاج إلى بداية ولا يمكنه أن ينتهي، بل يتحول كل ما فيه ويأخذ أشكالًا جديدة.
- جميع الكمالات متأصلة في هذا الوجود، إذ لا يمكن لشيء أن يخرج من هذا الكيان المطلق إلى خارج لا وجود له، لأن العدم غير موجود. بمعنى آخر، الوجود كامل ومكتفٍ بذاته، ولا يحتاج إلى شيء خارجه، لأنه ببساطة لا يوجد شيء خارج عنه.
إذا كان لدينا هذا الفهم العميق، ندرك أن الله هو كمال الوجود الذي نراه في كل شيء حولنا وداخلنا، وهو المبدأ والمنتهى، والوجود المطلق الذي يشمل كل شيء بلا حدود.
قدرة الله وسر تجليات وجوده في الكون
إننا نطلق مصطلح “الله” على ما وصلنا إليه من فهم لجوهر الوجود، أو بمعنى أدق، على ذلك الوجود الساري في كل شيء. فالله هو الوجود المطلق الواحد الذي لا بداية له ولا نهاية، و لا يحتاج إلى أي شيء، ولا يقارنه أو يجانبه شيء. نحن في الحقيقة عاشقون لذلك الوجود اللامتناهي، الذي يبدأ كـ”هو”، وعندما يتجلى بأسمائه وصفاته ويصبح معروفًا وقريبًا من فهمنا، يُعرف بـ”الله”. إنه الوجود الذي يحيط بكل شيء، وهو حاضر في كل موجود، دون أن يمتزج به أو يكون جزءًا منه، ومع ذلك، فهو منفصل عن كل شيء.[1] قد يبدو من الصعب علينا في البداية استيعاب هذا الأمر، كيف يكون الله داخل وخارج الأشياء معًا؟ لكن العلاقة بيننا وبين الله ليست كالعلاقة بين ظرف ومظروف، بل هي علاقة تعلق، إذ أن الله هو أساس كل الوجود وتجلياته.
يعتمد وجودنا بالكامل على الله. نحن لا نملك استقلالاً ذاتياً، بل نحيا فقط لأننا نستمر في تلقي فيض الحياة منه. تماماً كما تعتمد الأفكار على انتباهنا كي تظل حية في أذهاننا، فإن وجودنا بأكمله يعتمد على التفات الله إلينا. إن غاب هذا الالتفات ولو للحظة، سنزول ونعود إلى أصلنا. لذلك، فإن كل شيء في حياتنا يرتبط بإرادة الله وفضله، وهو دائماً أقرب إلينا من أنفسنا.
كل الكائنات هي تجليات لله
في الرد على سؤال “ما هو الله”، نقول إن الله هو الوجود اللانهائي الذي يتواجد في كل مكان بحضور ثابت ولكن بظهور مختلف. جميع مخلوقات الله هي تجلّياته ومظاهره، ويعكس كل مخلوق وجهًا وصفة من صفات الله. إن ذات الله ليست واحدة مع مظاهره، ويمكن لله أن يظهر بعدد لا نهائي من الصور. كل مخلوق يعكس في الحقيقة أسماء وصفات الله حسب قدرته واستيعابه؛ فمثلاً، الحجر يعكس صفات الله بقدر ما يسمح له وجوده الجمادي، والملاك يعكس أسماء الله وصفاته بما يناسب وجوده العقلي. والنبات أيضًا يستطيع إظهار أسماء الله ضمن حدود وجوده النباتي. وبالمثل، فإن الحيوان الذي يظهر بعض أسماء وصفات الله لا يستطيع أن يتجاوز حدود الصفات المرتبطة بوجوده الجمادي أو النباتي أو الحيواني، أي أنه لا يستطيع استخراج القوانين أو المعادلات العلمية للعالم و إظهار صفات غير محدودة. بمعنى أبسط، لا يمكننا أن نتوقع من نبات، مهما كان في قمة الجمال واللطافة، أن يظهر صفة مثل الوفاء أو الحكمة، كما لا يمكننا استنباط صفة الرحمة الإلهية من حجر أو كائن جامد.
يتميز الإنسان عن جميع المخلوقات بكونه كائناً شاملاً، إذ يمكنه أن يعكس أسماء الله وصفاته في مستويات الوجود المختلفة، مثل الجماد والنبات والحيوان والعقل. يمتلك الإنسان القدرة على إظهار جميع أسماء الله وصفاته بشكل مطلق وغير محدود. بمعنى أنه، عندما تتوفر له الظروف المناسبة وحسب الموقف، يستطيع تفعيل هذه الصفات والأسماء في داخله، ويسعى ليقترب من الله، الكمال المطلق واللانهائي. يشبه الإنسان الكامل في ذلك الله، حيث يتصف بجميع كمالات الله وأسمائه وصفاته، ولكنه يبقى معتمداً في وجوده على الله.
تناولنا في هذه المقالة فهمنا لله، وذكرنا أن الله هو الوجود المطلق الذي لا بداية له ولا نهاية، ويمتلك في ذاته كل كمال يمكن تصوره، مما يجعله مكتفيًا بذاته تمامًا. الله هو “الوجود الساري” في كل شيء، وهو الذي ننهل من فيضه. إننا جميعًا نستمد وجودنا من الله، وعلاقتنا به علاقة تعلق دائم.
الآن، وبعد أن فهمنا بعمق وشهود ما هو الله، ومتى وُجد، وأين هو، وما علاقته بنا، حان الوقت لنميز بين الله، أي الوجود الساري في كل شيء، وبين تصوراتنا السابقة عنه، وأن نبحث عن الله في المكان الذي ينبغي لنا أن نبحث فيه.
[1] داخل في الاشیاء لا بالممازجة و خارج عنها لا بالمباینة. الإمام علي علیه السلام، نهج البلاغة