كيف يؤدي الإفراط والتفريط في تغذية قوى النفس إلى الشعور في التثبيط؟

جدول المحتويات
الإفراط والتفريط في تغذية النفس ومخاطرها

الإفراط والتفريط في تغذية النفس ومخاطرها

الإفراط والتفريط يشيران إلى المبالغة أو النقصان في أداء مهمة ما، بحيث يكون التنفيذ إما أكثر أو أقل من الحد المتوازن المطلوب. كثيراً ما نسمع عن أضرار الإفراط والتفريط؛ فهما يسببان مشاكل كبيرة في مختلف جوانب الحياة. مثال شائع على ذلك هو الإفراط والتفريط في تناول الطعام. عادةً، عندما نتحدث عن التغذية، يتبادر إلى أذهاننا تلقائيًا تغذية الجسد، فنفكر في الشراهة أو النحافة، والبدانة أو النقص في الوزن. في حين أن هذا ليس سوى جزء صغير من التغذية، التي تتعلق بالقدرات الحسية.

إن نظرة علم الإنسان إلى التغذية تتجاوز المفهوم المحدود الذي يحصرها في الجسد فقط. فمن هذا المنظور، لا يقتصر الغذاء على ما يغذّي البطن وحسب، بل يمتد ليشمل تغذية كل قوى النفس بما يلائمها. وفي الواقع، تكمن هشاشتنا وضعفنا في سعينا نحو الكمال في الإفراط أو التفريط في تغذية هذه القوى. وبالإضافة إلى الكمية التي تتناولها هذه القوى من الغذاء، فإن طهارته وحلاليته أمر بالغ الأهمية.

تماما كما أن الطعام الملوث يُصيب الجسد بالمرض والعدوى عند دخوله إلى المعدة، فإن تلوث الرزق في سائر القوى يُضعف الروح ويُمرضها. وعند التدقيق في الذات، نجد أن سبب الكثير من التوقف والجمود في السلوك الروحي والحركة نحو الله يعود إلى اختلال التغذية الروحية وعدم الاهتمام بطهارة الأرزاق. هذه المسألة بالغة الأهمية، فإهمالها يُبطل سائر الجهود، تمامًا كمن يركض على جهاز المشي لساعةٍ طوال، فإنه لن يتقدم خطوة واحدة مهما بذل من جهدٍ وعملٍ ديني، ولن يحقق أي تقدم. لقد تعرفنا في المرحلة التمهیدیة على القوى الإدراكية عند الإنسان ووظائف كل منها. والآن وبعد أن أصبحت رؤيتنا للإنسان وعلاقته بالكون أكثر شمولية، لِمَ لا نعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى؟ هذه المرة سنُسلط الضوء على تغذية هذه القدرات النفسية والمشاکل الناجمة عن الإفراط والتفريط في ذلك.

تحليل أداء قوى النفس وتأثيرها المتبادل

قبل أن نتعمق في تغذية الروح ونناقش المشاکل التي نقع فيها في هذا الشأن من الإفراط والتفريط، دعونا نسترجع سريعًا ما تعلمناه سابقًا لنتفهم الأمر بشكل أفضل. أشرنا إلى أن الجوهر الأساسي في وجودنا هو الروح أو القلب. والروح مجردة بطبيعتها ولا يمكنها التفاعل مع العالم المادي. لذلك، فهي تحتاج إلى أداة تعمل كوسيط بينها وبين العالم، وهذه الأداة هي الجسد. الجسد في الواقع هو مرکب الروح أو أداة الروح، ومن خلاله تكتسب روحنا معرفة العالم، وتتفاعل معه، وتصل إلى الكمال.

تتم الصلة بين الجسد والروح عبر خمس قوى تعرف بالقوى الإدراكية. كل قوة من هذه القوى تتولى مسؤولية معينة وتشكل جزءًا من إدراكنا للعالم. الحواس الخمسة هي في الخط الأمامي لهذه الجبهة وهي أول القوى التي تتصل بالعالم. تأتي بعدها على التوالي الخيال والوهم والعقل. إن الحس والخيال والوهم قوی مشتركة بين الإنسان والحيوان بينما قوة العقل مشتركة بين الإنسان والملائكة. إذن، لا يُعتبر الإنسان إنسانا بفضل امتلاك أي من هذه القوى، بل ما يجعل منه إنسان و أشرف المخلوقات هي القوة ما وراء العقلية أو القلب؛ ذلك الجوهر الفريد الذي رأى الله أن الإنسان وحده جدير بأن يتحمل أمانته. ولكن تقسيم القوى لا يعني انفصالها واستقلالها عن بعضها البعض؛ بل هي جميعاً مراتب مختلفة لحقيقة واحدة وهي النفس أو القلب أو الجزء الإنساني من وجودنا، ونتيجة لذلك فهي مرتبطة ببعضها البعض مثل أجزاء نظام واحد، والتغذية السليمة أو غير السليمة لكل جزء يؤثر على النظام ككل. وفي النهاية تظهر نتيجة كل هذه القوى في القلب. ولكن كيف يكون ارتباط هذه القوى؟

تأثير القوى على بعضها

ربما سمعتم القول الشائع: “الشبع يولد الغفلة”. هذا ليس مجرد مثل، بل هو حقيقة علمية. فالإفراط في الأكل، ما يسمى بالشراهة، يؤثر بشكل مباشر على وظائف العقل ويضعفها. والأمر نفسه ينطبق على القوى الأخرى. فالذين يغدقون على خيالهم وهمومهم طعاماً زائداً، مثل مشاهدة الكثير من الأفلام، والاستماع إلى الموسيقى لساعة طويلة، وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وقراءة الروايات الخيالية والبوليسية، ومتابعة أخبار الحوادث، والتدخل في شؤون الآخرين، ومراقبة تصرفاتهم عن كثب، وغيرها من الأمور المشابهة، يصبحون تدريجياً أسرى أوهامهم وخيالاتهم. وهذا بدوره يلقي بظلاله على العقل ويجعلهم يخطئون في تمييز الصواب من الخطأ. وهكذا فإننا عندما نعجز عن التركيز أثناء قراءة كتب تتطلب تفكيراً عميقاً وتحليلاً، أو تتجول أفكارنا خلال الصلاة، فإن السبب في ذلك يعود إلى إفراطنا في تغذية خيالنا وهمومنا. بشكل عام، فإن الإفراط في تغذية أي من القوى، يخل بالتوازن الروحي للإنسان، ومن خلال توفير الأرضية لارتكاب المعاصي والذنوب، يخرج الإنسان عن الصراط المستقيم.

تخيل شخصًا رأسه ضعف حجم جسده، أو إحدى رجليه أثقل بكثير من الأخرى! من الواضح أن مثل هذا الشخص لن يستطيع أن يعيش حياة طبيعية، وسيجد صعوبة حتى في مشي بسيط. الأمر نفسه ينطبق على الجانب الروحي، ولكن مع فارق أساسي هو أنه يصعب اكتشاف اختلال التوازن الروحي بسهولة، إذ يتطلب وجود معيار ومقياس. نحن بحاجة إلى مقياس في حياتنا الروحية يعمل كعبارة عن ورقة تباع الشمسLitmus paper)،) بمجرد أن تتعرض روحنا لهذا المقياس، نستطيع من خلال رد فعله أن نحدد حالتنا بدقة. هذا المقياس هو ما أشار إليه معشوقنا الحقيقي في الآية 24 من سورة التوبة.

مؤشر توازن القوى

مع مراعاة سياق الآية 24 من سورة التوبة ليس كل من لبس ثوب الإنسان يكون إنسانًا حقًا، فكم من وجه حسن وجميل يخفي وراءه قلبًا متحجراً أو خشبة أو نبات أو حيوان. إن ما يجعل الإنسان إنسانًا هو ليس جماله الخارجي، بل هو هندسة معشوقاته في قلبه. وحسب الآية الكريمة، فإن من يستحق لقب الإنسان حقًا هو من جعل محبة الله ومحبة أهل البيت عليهم السلام ومحبة الجهاد في سبيل الله في المراتب الأولى من قلبه. وما أن يتغير هذا الترتيب ويحل محله معشوق حسّي أو خيالي أو وهمي أو حتى عقلي حتى يسقط هذا الشخص من مرتبة الإنسانية. ففي السير نحو الآخرة، ليس هناك قيمة ذاتية لأي نشاط حسّي أو خيالي أو وهمي أو عقلي، بل كلها وسائل لبناء القلب.

يمكن لأي شخص أن يعرف بدقة من هم أحباؤه الحقيقيون أو أولوياته في الحياة بمجرد أن ينظر إلى قلبه. إن القلب صادق ولا يكذب على صاحبه أبدًا، لذلك يجب على كل منا أن ينظر إلى نفسه، في مرآة هذا العضو النبيل مرة واحدة على الأقل يوميًا لكي يقيم جمال روحه وعيوبها. هذا هو معنى “محاسبة النفس” الذي أكد عليه العلماء والأولياء.

إن محاسبة النفس تكشف لنا حالة قلبنا في كل لحظة. إذا اكتشفنا عند القيام بها أن ترتيب أولوياتنا وأحبائنا قد اختل وأن هناك محبوبا جديدا قد استحوذ على جزء من قلوبنا، فإن ذلك يعني أن هناك خطأ ما في حياتنا وأن أحد جوانبنا الحسية أو الخيالية أو الوهمية أو العقلية قد أخذ أكثر مما يستحق على حساب الجوانب الإنسانية الأخرى!

والآن، السؤال المطروح هو: ماذا نفعل؟ هل نوقف الأنشطة الحسية والخيالية والوهمية؟ الجواب قطعيًا هو لا. فجميع هذه الأنشطة ضرورية، ولا يجب تقييد المتعة المستمدة منها. المشكلة تكمن في الإفراط والتفريط. إن الضرر لا يكمن في التمتع بالمحسوسات أو العقليات، بل هو الإفراط أو التفريط في تلبيتها. فالتفريط في هذا المجال مضر بقدر الإفراط. ولذلك فقد شددت الشريعة الإسلامية على أهمية المتع الحلال، واعتبرتها مقدمة للأنشطة الروحية وماوراء العقلية، مؤكدة على أن حذف هذه الأنشطة يؤدي إلى تباطؤ شديد في مسيرة الإنسان نحو الكمال.

تحدثنا هنا عن أهمية التوازن في تغذية القوى النفسية، وذكرنا أضرار الإفراط والتفريط في هذا المجال. فكلا الإفراط والتفريط في تغذية القوى النفسية يبعد الإنسان عن الله وعن هدف خلقه على حد سواء.

من الضروري أن نعود إلى قلوبنا مرة واحدة على الأقل يوميًا لنقيس مدى تعلقنا بالأشياء؛ فالقلب الذي ينشغل بغير الله يفقد توازنه، ويستبدل بالسعادة والنشاط الداخلي شعورًا بالفراغ واللامبالاة والكسل.

لنتذكر أن المؤمن يتمتع بنشاط دائم، فإذا أصابتنا الحزن والكسل، فهذا دليل على وجود خلل ما في إيمانه.

اكتب رأيك