ما هي الآثار السلبية لعدم إدراك أهمية التوازن في الحياة؟
قد يكون مفهوم التوازن من أول المفاهيم الرياضية التي ندركها في طفولتنا. فبالرغم من عجزنا عن تفسير أهمية التوازن بدقة في تلك المرحلة، إلا أننا ندرك بوضوح عدم وجوده، كأن نرفض أن يحملنا أحد بطريقة غير مريحة، أو أننا لا نحاول الوقوف أو المشي حتى نشعر بالتوازن الكافي. مع مرور الوقت واتساع رؤيتنا للحياة، نكتشف أن أهمية التوازن تتجاوز المشي والجري والألعاب الطفولية.
إذا أردنا تعريف التوازن والاعتدال بدقة، فلا يعني ذلك مساواة جميع أجزاء الكل، بل هو تجنب الإفراط والتفريط، وإعطاء كل جزء حقه ونصيبه. فالتوازن لا يعني مثلاً أن يذهب نفس القدر من الدم إلى الدماغ واليد، بل يتحقق عندما يحصل كل عضو على ما يحتاجه وفقًا لوضعه وظروفه.
إن التوازن مفهوم يشمل جوانب حياتنا كافة، وغالبًا ما ندرك أهميته حين نفقده. فنجد أنفسنا مثلاً منغمسين في أمور مادية بعمق، أو مشتتين بين العلاقات الاجتماعية، أو غارقين في العمل والدراسة لدرجة نهمل فيها أنفسنا وعائلاتنا. إن أي خلل في هذه التوازنات يؤثر سلبًا على سعادتنا وسلامنا الداخلي. ولكن علينا أن نتذكر أن هذا الخلل نابع من خلل داخلي فينا، من أفكارنا وسلوكياتنا وقراراتنا. فالتوازن الحقيقي يبدأ من التوازن فی النفس الإنسانية.
ضرورة الحفاظ على التوازن

ربما يكون أفضل سبيل لفهم أهمية التوازن هو أن نتخيل مجتمعا أو أسرة يعاني أفرادها من اختلال التوازن. تخيل مثلاً أسرة يبالغ فيها الوالدان في تدليل أطفالهم، مما يؤدي إلى زيادة توقعات الأبناء وغرورهم وتطاولهم. أو على النقيض، أسرة يتجاهل فيها الوالدان احتياجات أطفالهم، مما يجعلهم أشخاصًا ضعفاء ومحبطين يعانون من نقص عاطفي. وبالمثل، نجد أن الحكومة التي تفرض قيودًا شديدة على أفراد المجتمع وتمنعهم من النمو والتطور، أو الحكومة التي تسمح بجميع أنواع الحريات دون ضوابط، حيث يؤدي ذلك إلى الفوضى الأخلاقية، تمثل أمثلة صارخة على الإفراط والتفریط واختلال التوازن.
لنتخيل عالماً خارجاً عن التوازن، أي لا يوجد فيه توافق بين معدلات الولادة والوفاة، أو يطغى فيه الذكور على الإناث بشكل كبير، وتتكاثر فيه الحيوانات والحشرات بلا حدود دون وجود آليات طبيعية لضبط هذه الزيادة، وتتبخر فيه مياه المحيطات بلا توقف دون عودة، وتفقد فيه الهرمونات توازنها وتؤدي إلى اختلالات خطيرة في الجسم. في مثل هذا العالم، لن يكون هناك مكان للبقاء على قيد الحياة.
لقد خلق الله تعالى الكون بنظام دقيق ومتوازن، وجعل الإنسان محور هذا الكون ومسؤولاً عن الحفاظ على هذا التوازن في جمیع جوانب وجوده ومجالات حياته لتحقيق سعادته في الدنيا والآخرة. ولكن، ما هو هذا التوازن الذي يجب على الإنسان أن يحققه؟ وكيف يمكن تحقيقه؟
نحن ندرك بسهولة اختلال التوازن الجسدي من خلال الشعور بالألم والتعب والمرض. إلا أن الحقيقة هي أن اختلال التوازن النفسي هو أخطر بكثير، فهو لا يسرق منا سعادة الحياة الدنيا والسكينة فيها فحسب، بل يترتب عليه أبدية مملوءة بالمعاناة والعذاب.
التوازن وحده يقودنا إلى الهدف
من بين القوى المسيطرة على الجسم، تُعتبر القوة ماوراء العقلية من أهم القوى التي تحكم الإنسان، وهي جوهر الإنسانية. فالإنسان الحقيقي هو من يجعل كل أبعاد وجوده تخضع لسيطرة هذه القوة العليا، وفقًا لأهمية كل بعد من أبعاد وجوده. عندما نتحدث عن التوازن الإنساني، فإننا نعني تحقيق التناسق والتوازن في الجانب الإنساني أو ماوراء العقلي، والذي يؤدي إلى اکتساب قلب سلیم وسلامة النفس، ويُعد بمثابة ولادة طيبة في الآخرة.
إذا سيطرت القوى الدنيا على الإنسان، فلن يتمكن أبدًا من تحقيق التوازن والكمال. يشبه ذلك شركة يديرها رئيس ضعيف لا يملك القدرة على التحكم في موظفيه. أما إذا سيطرت القوة ماوراء العقلية على الإنسان، فإنها توجه اختياراته وسلوكياته نحو الخير والصلاح، مما يمنحه السعادة والطمأنينة الدائمة. إن الإفراط في الانغماس في الشهوات والملذات الدنيوية و التفريط في تطوير الجانب ماوراء العقلي، يؤدي إلى اختلال التوازن الداخلي للإنسان. عندما يفقد الإنسان السيطرة على نفسه ويترك زمام الأمور لعواطفه ورغباته، فإنه يضيع هدفه الحقيقي في الحياة ويبتعد عن طريقه إلى الكمال. قد يؤدي هذا الانحراف الشديد حسب درجته، إلى تدهور أخلاقه و سقوطه في مستنقع الهلاك.
تبرز أهمية التوازن بشكل جلي عندما ندرك مدى تأثيره الشامل على حياتنا. فالاختلال في ترتيب الأولويات يؤدي إلى اختلال التوازن بالتأكيد، وهذا بدوره يؤدي إلى العديد من المشكلات. في الواقع، فإن جميع المشكلات التي تواجهنا في حياتنا اليومية تعود في أصلها إلى اختلال أو غياب التوازن في بُعدنا الإنساني. على سبيل المثال، عندما لا نستطيع أن نشبع عطشنا الروحي بحب الله ومؤانسته، نلجأ إلى ملء الفراغ بمواد دنيوية، آملين أن تجلب لنا السعادة التي نفتقدها في العلاقة مع الخالق.
قد نجد أنفسنا غارقين في الديون بسبب شراء أشياء مادية لا نحتاجها، أو نقع في براثن الشهوات الجسدية التي تضر بنا وبمجتمعنا. أو قد نصبح أسرى رغباتنا الجسدية المفرطة في الطعام أو التنوع الجنسي، مما يؤثر سلبًا على علاقاتنا الاجتماعية وحتى على ميزانية أسرتنا. يمكننا القول بأن جميع المشاكل التي نواجهها نابعة من إهمالنا للتوازن بين أبعاد وجودنا. هذا الإهمال يؤدي إلى اختلال التوازن في مختلف جوانب حياتنا. وراء كل هذه المشاكل يكمن ضعف القوة ماوراء العقلية، أو عدم قدرتها على السيطرة على جوانب وجودنا الأخرى. وبمجرد أن نعيد ترتيب أولوياتنا ونولي كل جانب من جوانب وجودنا الاهتمام الكافي، ستختفي هذه المشاكل تدريجياً.
لقد تناولنا في هذا الدرس مفهوم التوازن ومدى تأثير إدراك أهميته في حياتنا. وتوصلنا إلى أن الإفراط أو التفريط في أي جانب من جوانبنا الوجودية يخل بتوازننا الإنساني. فالنفس غير المتوازنة تفقد قدرتها على تحقيق السعادة الأبدية وتواجه العديد من المشكلات في حياتها. كما أشرنا إلى أنه من الضروري إدراك أهمية التوازن الإنساني في تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
هل تدرك أنت أيضًا ذلك التوازن الكوني الذي يسود الكون؟ وما مدى اهتمامك بتحقيق التوازن في نفسك؟