ما هو المؤشر الذي يحدد أولويات حياتنا؟

جدول المحتويات
أولويات حياة كل فرد تحدد قیمته

أولويات حياة كل فرد تحدد قیمته

ما هي أولوياتك في الحياة؟  إذا أردت أن تكتب قائمة عن أولويات حياتك ورغباتك الأقرب لقلبك فماذا أو من ستضعه في المرتبة الأولى من هذه القائمة؟  ومن هو التالي؟ على أي أساس ومعيار قمت بترتيب هذه القائمة؟ هل تعتقد أن تحديد أولويات الحياة له إطار وحدود معين؟  أم أنه ذوق شخصي؟

التخطيط وترتيب الأولويات للرغبات من أصعب المهام في العالم!  خاصة إذا لم نكن على دراية بمبادئه وقواعده ولم نملك له إطار واضح.  كل واحد منا لديه مجموعة من المواهب والاهتمامات بداخله، والتي بسبب رغبتنا للكمال واللانهاية نريد أن نزدهر فيها ونكون الأفضل في جميع المجالات.  هذا الشعور يدفعنا إلى التخطيط المتكرر وتحديد الأهداف لتحديد أولويات الحياة.  ولكن بما أن معظمنا لا يعرّف نفسه كـ “إنسان” ولا يوجد لديه تعريف مناسب لنفسه، فإننا عادةً ما نحدد أولوياتنا بناءً على ذواتنا الجمادية أو النباتية أو الحيوانية أو العقلانية،  وليس ذواتنا الحقيقية.  ونتيجة لذلك فإن معظم الرغبات التي نعمل المستحيل من أجل الحصول عليها، تسقط من أعيننا سريعا ونتركها نصف مكتملة لعدم توافقها مع كرامتنا الإنسانية والإلهية. أو إذا أصررنا على الحصول عليها، نصل بعد فترة إلى نتيجة مفادها أنها لم تستحق الوقت الذي قضيناه!  الشاهد على ذلك هو الدفاتر القديمة الموجودة داخل خزائننا، والتي كانت تضم في يوم من الأيام غاية أحلامنا، ولكننا عندما ننظر إليها بعد سنوات، نضحك من ضيق تفكيرنا و طفولية أولوياتنا آنذاك.

هل تحديد أولويات الحياة مسألة ذوق؟

يعتبر العديد من الخبراء وعلماء النفس اليوم أن تحديد أولويات الحياة مسألة مرتبطة بالذوق الشخصي، ويعتقدون أنه يجب على كل شخص أن يحدد أولوياته ويضبط نظام حبه حسب نظامه القيمي ونوع مواهبه واهتماماته. ما يسبب طريقة التفكير هذه هي المعرفة الخاطئة لنفس الإنسان التي تحدثنا عنها في مقدمة بحثنا. من الخطر جداً التأثر بهذه النظرة لأنها تأسر حياتنا و ترغمنا لكي نتخذ أولويات حياتنا أمورا لا تتناسب مع الهدف الذي خلقنا من أجله. هذه الطريقة في تحديد الأولويات هي في الواقع نوع من تضليل الناس.

بما أن “للإنسان” تعريف محدد و هدف محدد في عالم الخلق، فإن أولويات حياته لا يمكنها أن تكون أي شيء أو أي شخص كان، ولا يمكن أن يضيع حياته الثمينة من أجل هدف محدود لا قيمة له ذي تاريخ انتهاء، ومن ثم يذهب هباء في هذه الدنيا الفانية.  بطبيعة الحال، يتوجب أن تتناسب أولويتنا الأولى التي تستحق أن نقضي حياتنا من أجلها أن مع ذواتنا الحقيقية والغرض من خلقنا، أمر يمكنه أن يضمن دنيانا وآخرتنا مئة في المئة. ولكن ما هو هذا المحبوب الغالي وعلى أي أساس يجب أن نصنف أولوياتنا ورغباتنا؟

تحديد الأولويات على أساس رياضيات الوجود الإنساني

الإنسان ليس مخلوقاً عادياً،  بل هو كائن أبدي ومعقد ومتعدد الأوجه، لا يمكن فهمه بالكامل إلا من قبل خالقه فهو يعرفه حق المعرفة ويعلم بجميع جوانب وجوده. وبالتالي، فلا بد من أن نطلب التوجيه من الله مباشرة في أولويات حياتنا، بدلاً من الاعتماد على وجهات النظر المحدودة للأفراد أو المدارس التي تركز في الغالب على البعد الجسدي للإنسان و حياته الدنيوية.

ولكن كيف يقدم لنا الله أولويات الحياة؟

إن القرآن الكريم، باعتباره ميثاق الخلق وكتابا مبنيا على رياضيات النفس البشرية، يزودنا بقاعدة وصيغة أساسية فيما يتعلق بالاعتراف بأولويات الحياة، وقد وردت هذه القاعدة في الآية 24 من سورة التوبة على النحو التالي:

(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

هذه القاعدة هي دليل إرشادي رائع لهندسة وتحديد أولويات الحب وهي تقدم في الوقت نفسه مجموعتين يمكن أن ينجذب إليهما قلب الإنسان. المجموعة الأولى تتكون من أحباب أرضية زائلة والمجموعة الثانية تشمل الأحباب الحقيقية والأصيلة.  وفقاً لهذه القاعدة فإن صاحب القلب السليم ذا الباطن الإنساني هو من وضع أولوياته بحيث تحتل هذه المحبوبات الثلاثة رأس أولوياته:

  • الله
  • أهل البيت (عليهم السلام)
  • الجهاد في سبيل الله

أي محبوب خارج هذا الإطار، سواء من الكمالات الجمادية كالمال والثروة، أو الكمالات النباتية كالجمال والقوة البدنية، والكمالات الحيوانية مثل العائلة والمكانة الاجتماعية، و الكمالات العقلية مثل العلم والمعرفة، اذا احتلت قمة أولوياتنا، فذلك سوف يجعلنا غير متوازنين ومنحرفين.  “المنحرف” يعني الشخص الذي انقلبت شخصيته رأسًا على عقب وفقد إنسانيته الداخلية.

حسب هذا المؤشر، تكاما كما أنه ليس من الطبيعي للغنم أن يأكل اللحم أو للقطط أن تأكل العشب، فإن الإنسان الذي يفضل الكمالات الجمادية و النباتية و الحيوانية على الله و أهل البيت عليهم السلام و الجهاد، أيضا غير متوازن وغير طبيعي. هذه الآية هي التعليمات الأكثر موثوقية لتحقيق النجاح المادي والروحي، لأنها مصممة للتوافق مع بنية النفس وهدف خلق الإنسان، وتتضمن جميع معايير السعادة في الدنيا والآخرة.

أولويات كل شخص تحدد قيمته

كما ذكرنا من قبل، فإن شخصية الإنسان وقيمته تعتمد على محبوبه، وعلى الأمور التي ينبض لها قلبه، والقضايا التي تدور حولها آماله وأحلامه، وما يطير إليه خياله في الوحدة والعزلة.

القلب صادق لا يكذب على صاحبه أبداً. لا يمكننا أن نحب شخصًا أو شيئًا ما ونخفي ذلك. وبالمقابل فإننا لا يمكننا أيضا أن نكره شخصًا أو شيئًا ما ونخفي هذه الكراهية. قد نتظاهر بذلك أمام الآخرين و نخفي حقيقة مشاعرنا ولكننا نواجه حقيقتنا في العزلة بكل ما نحب وما نكره ويظهر وجهنا الباطني.  ونتيجة لذلك، يمكن لكل واحد منا أن يفهم بالضبط مقدار قيمته من خلال النظر إلى أنفسنا وإلى ما نحب و نكره.

الشخص الذي أقصى غايته في الحياة هي أن يمتلك سيارة حديثة لا تكون قيمته أكثر من تلك السيارة. والشخص الذي حلمه أن يصبح طبيباً ومهندساً وينال مقاعد أكاديمية، تكون قيمته مساوية لذلك المنصب، والشخص الذي ملأ قلبه و كيانه بحب الله ونيل رضاه، تتساوي قيمته مع الله نفسه!

إن إدارة القلب وتنظيم نظام الحب أمر في غاية الأهمية، لدرجة أن الحب والكراهية وما نعرفه في فروع الدين عن التولي والتبري يعتبران من أهم المؤشرات لتحديد ما إذا كان الإنسان متدينا أم لا، حتى أنه قيل أن الدين ليس غير الحب والكراهية.[1]

كما أن نظام العقاب والثواب في الآخرة يكون على أساس القلب، وليس على ظاهر الأعمال.  ولذلك فإننا قبل القيام بأي عمل، لكي ننجح في خططنا وأهدافنا، يجب على كل واحد منا أولاً أن يحدد الأولوية الأولى لحياته والحب الرئيسي لقلبه، ومن ثم يحدد أولويات رغباته واهتماماته الأخرى.

ووفقاً للقاعدة التي قدمها القرآن، لا يهم مدى نجاح كل واحد منا في تحقيق الكمال الجمادي والنباتي والحيواني والعقلي، أو عدد الأعمال الدينية والمقدسة التي نقوم بها؛  المهم هو من حكم قلوبنا.

وكل من يشعر بالفرح عندما يضطر أن يقصر الصلاة  عند السفر، ومن يصوم على بغض، ويقرأ القرآن على كراهية، والذي يشعر بالاجبار بسبب الحجاب ويذهب للحج بسبب المنافسة، الذي يتجنب و يخاف من أن يستثمر في الدين، ولا يملك شجاعة القتال في سبيل الله، و الذي لا يشتاق لله ورسوله (ص) وأهل البيت(عليهم السلام)، ويكره المسجد والمقام والذكر والصلاة، والذي يلبس لباس طلبة الدين  بنية التفوق والسيادة، لا للتقرب من الله، وباختصار، كل إنسان غفل عن حب الله و غرق في الكمالات المنخفضة المستوى، و المنخرط في ظاهر الدين فقط، فهو لا يملك  باطن إنساني بل يعاني من الفسق وانقلاب الشخصية.

سنتحدث أكثر عن مفهوم الفسق في المستقبل.  ما يجب أن نتعلمه في هذا المقال هو أن الرغبات والأولويات الفكرية المرتبطة بجانب ماوراء العقل لكل واحد منا هي التي تحدد القيمة الحقيقية لوجودنا.

[1] . هَلِ الدّينُ إلاَّ الحُبُّ وَالبُغضُ ؟! ([ المستدرك على الصحيحين : 2 / 319 / 3148 ، حلية الأولياء : 8 / 368 كلاهما عن عائشة ، كنز العمّال : 3 / 476 / 7504 ؛ الخصال : 21 / 74 عن سعيد بن يسار عن الإمام الصادق عليه السلام ، تفسير العيّاشي : 1 / 167 / 27 عن بريد بن معاوية ، دعائم الإسلام : 1 / 71 كلاهما عن الإمام الباقر عليه السلام ، روضة الواعظين : 456 عن الإمام الصادق عليه السلام، تفسير فرات الكوفي : 430 / 567 عن بريد بن معاوية العجلي وإبراهيم الأحمري عن الإمام الباقر عليه السلام . ])

اكتب رأيك