ما هي حياة القلب وما هي علاماتها؟
هل سمعتم يوما موسيقى الحياة؟ قد تنشط في أذهانكم عند سماع هذا السؤال صوت تدفّق مياه نهر أو صوت همس النسيم بين أوراق الأشجار أو صوت أنغام الطيور، لا شك أن كل هذه الأصوات الملهمة ممتعة للأذن، ولكن ليست أيًا منها هي موسيقى حياة القلب. هل سبق وأن جربت الاستماع إلى نبض قلب جنين؟ على الرغم من أنه كائن لم يدخل الدنيا بعد، ولكنه يبعث البهجة و الاثارة في وجود كل من يستمع إلى نبض قلبه الصغير الذي ينبض بلا هوادة. صوت إيقاع حياة يصل من قلبه الصغير إلى الأذن، وعند سماع هذا الصوت يمكن القول بالتأكيد أن الجنين حي؛ فحياة القلب هي علامة على وجود حياتنا.
نحن جميعًا نعلم أن نبض القلب هو أحد أول علامات حياة الإنسان، حيث تساوي كل ضربة قلب خطوة في مسار طريق الحياة، وإذا توقف القلب عن النشاط لأي سبب من الأسباب، فإن الإنسان يواجه الموت ونهاية الحياة الدنيوية مباشرة، فالحياة الجسمانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة روحنا، ولكن روحنا أيضًا لها حياة. يشار إلى حياة القلب بمصطلحات مختلفة مثل اليقظة وصحوة الروح وما شابه ذلك. نعتزم التحدث عن مفهوم حياة القلب وتعلم علاماتها. ولا يخفى أن المقصود في هذا المقال هو الوجود الذي تعتمد عليه الحياة الروحية للإنسان والاعتماد على يقظته ونشاطه.
وصف القلب الحي للإنسان
للقلب الحي في الطب تعريفه الخاص، ولكن ماذا تعني حياة القلب من الناحية الروحية؟ دعونا نستعين مرة أخرى بحالة وجودنا الجسمانية للوصول إلى إجابة. من الناحية الجسمانية، القلب السليم هو الذي ينبض بصحة ويقوم بتوصيل الدم إلى الأعضاء بشكل سليم دون أي عوائق. لا يكون هذا القلب معرضًا للأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو زيادة الدهون في الدم أو اضطرابات الصمامات وما إلى ذلك. ببساطة، القلب السليم لا يعاني من أي مشاكل.
بناءً على هذا الوصف، يصبح الأمر واضحًا. القلب الروحي للإنسان هو الذي يكون حيًا ومالكًا للحياة خارجا من حالة الركود والثبات بسبب المعرفة التي اكتسبها في داخله، ويبدأ في النبض أو بدء حياته المعنوية الجميلة. الإنسان الذي يتمتع بقلب مستيقظ يشعر أن لكل شيء لونًا ورائحة جديدة. كل الكائنات تحمل رسائل له وتدعوه إلى السعادة الأبدية. عندما يستيقظ القلب تصبح الأذن قادرة على سماع حقيقة الكلمة وترى العين العجب مما لم تره من قبل. إن استيقاظ القلب يعني تمزّق ستائر العادات والروتين. بدون حياة القلب، نعيش فقط حياة باردة وخاملة. للأسف، هناك الكثير من القلوب التي ولدت في هذا العالم ولكنها لم تحظ بفرصة الحياة والنبض.
من بين العلامات الأخرى التي يمكننا ذكرها لحياة القلب هي الاعتقاد بالعالم الغيبي، السعادة والسكينة، والتمتع بالتأمل والانفراد بالله تعالى. ما أروع الحياة و ما أكثرها ومعنوية عندما نمتلك هذه الصفات! عندما يؤمن الشخص بالغيب، يرى العالمين الدنيا والآخرة من وجهة نظر خالقهما، أي أن الدنيا فرصة لبناء وتطوير الحياة بعد الموت، والآخرة هي هدفه الأساسي. تترسخ السعادة والسكينة لصاحب القلب المستيقظ بحيث لا يمكن لأي حدث صغير أو كبير في هذا العالم أن يجعله غاضبًا أو مكتئبًا. إن العصبية والاكتئاب هما من الخصائص التي تلازمنا جميع مجتمعات هذا العصر. وأما قصة التمتع بالتأمل والانفراد بالله هي مثل قضية الهاتف المحمول الذي يحتاج إلى شحن، و قلب المستيقظ أيضًا بحاجة إلى شحن ويحصل على هذه القوة والقدرة من الاتصال بخالقه.
اذن نستنتج هنا أن الاستيقاظ القلبي هو شرط أساسي لحياة إنسانية حقيقية، ولكن السؤال المهم الذي يمكن أن يخطر في ذهن القارئ هو: ما الذي يمكننا فعله ليكون لدينا قلب مستيقظ؟
كيف نوقظ قلوبنا؟
كيفية الوصول إلى قلب مستيقظ هي واحدة من أهم خطوات السير والسلوك في العرفان. الوصول إلى حياة القلب في الواقع هو نوع خاص من النعمة التي يمنحها الله تعالى للأشخاص الذين يستحقون ذلك. لكي نكتسب هذا الاستحقاق يجب علينا تنمية صفات في أنفسنا لامتلاك قلب حي ونشط ومستيقظ. بعبارة أخرى؛ “يجب على الإنسان أن يتخلى عن ذاته ويتحول كليًا إلى روح ليصبح جديرًا بمحبة الحبيب.”[1]
أي أنه لكي يصبح مؤهلًا يجب عليه التخلي عن الأنانية والرغبات الدنيوية وأن يصبح كيانًا روحيًا خالصًا. نحن بحاجة للسعى بصدق للتخلص من الصفات الأخلاقية السيئة التي تورطنا فيها طوال حياتنا و أن نعتبر أنفسنا عبيدا لله وأن لا نغفل عن التوسل بالأئمة المعصومين عليهم السلام. بشكل موجز ، علينا أن نملأ قلوبنا بمحبوبنا الله وأن نسعى للحصول على صفات وأسماء إلهية لنصبح مثلا لله وأن نظهر صورة مشابهة له.
قد يكون الوصول إلى حياة القلب صعبًا ومرهقًا في البداية، ولكنه ليس كذلك في الحقيقة، لأن المسير لاكتساب قلب حي ونشط حركة صحيحة في اتجاه فطرتنا الوجودية وهدف خلقنا، أي أنه الطريق الوحيد الذي يتفق تمامًا مع ذوقنا الروحي. لذلك يكفي أن نغير نمط حياتنا و نحدث تغييرا في أفكارنا وعلاقاتنا واختياراتنا وسلوكنا، لتحويل المسار نحو طريق اكتساب قلب حي. هذا الحديث القدسي مألوف للجميع “.. إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعًا..” [2] إن السعي لإيقاظ القلب حركة ذات قيمة يُستفاد منها أكثر ما نتصوره وإذا قصرنا ، فإننا في الواقع حرمنا أنفسنا من الاستمتاع بحياة إنسانية حقيقية وهذا يعني خسارة لا يمكن تعويضها.

في هذا المقال، بدأنا بتعريف صحة القلب الجسمانية ثم انتقلنا إلى مفهوم حياة القلب الروحية وأشرنا إلى بعض علاماته. بعد ذلك طرحنا السؤال حول كيفية إيقاظ قلوبنا و ذكرنا باختصار بعض الطرق لذلك مثل التوسل إلى أهل البيت(عليهم السلام)، ومعرفة الصفات السيئة و التخلص منها، وتغيير الأفكار والعلاقات والاختيارات والسلوك.
هل تعرفون طرقًا أخرى للوصول إلى قلب حي والحفاظ على حياة القلب ونبضه؟ يرجى مشاركة تعليقاتكم هنا.
[1] .ديوان الشمس للمولوي: ٢١٣١
[2] جامع أحاديث الشيعة – السيد البروجردي – ج ١٥ – الصفحة ٣٦٨- الحديث ١١٧٥