امتحانات الدنيا هي تمارين لتدريب وتطوير الإنسان
النادي هو المكان الذي لا نفكر إلا في تمارينه الشاقة و جهده العضلي بمجرد سماع اسمه. كل من يطأ بقدمه في النادي مستعد لممارسة التمارين الصعبة والتحديات المتعددة، لأن هدفه هو النمو والتقوية والتطور. وبهذا الوعي، فإن من يقوم بالتسجيل في النادي الرياضي لن يشتكي من الصعوبات التي يجب أن يواجهها هناك. الحقيقة أنّ النادي هو مكان نقوم فيه بتقوية أنفسنا من خلال المثابرة في مواجهة التحديات والانخراط في أنشطة صارمة ونضع أنفسنا في مجال التجربة. ولكن هل فكرت يومًا في أن الدنيا تشبه النادي؟ نادٍ يُخضعنا لامتحانات الحياة و يدفعنا لصقل أنفسنا و تطويرها والوصول إلى مستويات أعلى.
تُعرف الدنيا عادة في أذهاننا بالارتفاعات والانخفاضات المتكررة. ليس من غير المألوف أن نتوق إلى يوم من الصفاء المتواصل، يخلو من العوائق والإضطرابات غير المتوقعة. يوم يتدفق فيه إيقاع الحياة دون جهد، ويحمينا من أعباء إحباط الآخرين وتعبهم، ويريحنا من لسعة السخرية.
ولكن هل هذا ممكن حقًا؟ هل هناك أحد يمكنه أن يضمن لنا ذلك؟ بالطبع لا! نتمسك بهذا الأمل عادة عندما نفشل في إدراك الدور الهام الذي تلعبه الدنيا في رحلتنا نحو الآخرة. إذا أدركنا أن هذه الدنيا عبارة عن ساحة مخصصة مصممة لتحقيق الغاية التي خلقنا من أجلها، فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي و نراقب تطور وازدهار الآخرين. بل إننا سنكرس أنفسنا للاستعداد الصارم للامتحانات الشاقة التي تنتظرنا، لأننا ندرك جيدًا أن هذه التجارب والمحن هي التي تجهزنا لمواصلة هذا المسار بتصميم، وترشدنا في النهاية نحو الهدف النهائي.[1]
تحدّيات الدنيا ومواهب الإنسان

لا ينبغي النظر إلى التجارب والمحن التي نواجهها يوميًا على أنها مجرد مصادفات، بل على أنها فرص و تمارين تهدف الى تطويرنا. تعمل هذه التحديات بمثابة اختبارات تدفعنا إلى أن نصبح نسخًا أفضل من أنفسنا. ومن واجبنا أن نطفئ النزاعات التي تنشأ سواء أشعلها الآخرون عن قصد أو عن غير قصد. ومع ذلك، فمن المهم أن ندرك أنه لا يمكن حل جميع المشاكل بنفس الطريقة. فكما تتطلب الحرائق المختلفة طرقًا مختلفة للإطفاء، يجب علينا أن نمتلك المعرفة والمهارة اللازمة للتعامل بشكل مناسب مع كل حالة فريدة. إن الفشل في القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة المطروحة، بدلا من المساهمة في حلها.
على سبيل المثال، الحريق الناتج عن الزيت لا يمكننا إطفاءه بالماء، لأن ذلك يجعل النار أكثر خطورة و شرارة، و إذا لم نكن نعرف ذلك، فقد نؤدي إلى تفاقم الحريق عن طريق الخطأ وقد يسبب الكثير من الأضرار التي لا يمكن إصلاحها. تمامًا كما هو الحال مع هذه النار، قد يكون إخماد نار النفس أمرًا صعبًا ويتطلب مهارة وتدريب.
تکمن مهارتنا كإنسان في تعزيز مهاراتنا وقدراتنا لإطفاء نار المؤامرات والعلاقات يومًا بعد يوم في طريق نمونا. يتيح لنا هذا الإتقان أن نواجه بثقة أي تحديات تعترض طريقنا. إن الفشل في القيام بذلك قد يجعلنا عرضة لهذه النيران التي يمكن أن تتسبّب في إصابتنا بالجروح أو الأذى، أو يمكن أن تجعل الأمور أسوأ بدلاً من تحسينها. على سبيل المثال، إذا لجأنا إلى القيام بشيء أكثر قبحًا لمنع حدوث شيء قبيح، فهذا يعني أن تصرفنا كان خاطئًا بشكل أساسي. كما أن إصلاح شيء يستحق 100 دولار بتكلفة مليون دولار لا يجدي نفعًا، بل يتسبب في خسارة فقط.
على سبيل المثال، إذا لجأنا إلى القيام بفعل قبيح لمنع حدوث أمر قبيح اخر، فإن مسار عملنا سيكون معيبًا بشكل أساسي. وبالمثل، فإن إهدار الموارد والجهد على مساع غير ضرورية لا تسفر عن أي فوائد بل هي أشبه بإنفاق مليون دولار لإصلاح جهاز لا تتجاوز قيمته مائة دولار ــ وهو مسعى عقيم ولن يجلب إلا الضرر.
دور تحديات الدنیا في نمونا
هل نحتاج حقاً إلى كل هذه التحديات وامتحانات الدنيا؟ دعونا نتخيل سيناريو تكون فيه سنواتنا التعليمية خالية من أي تحديات و امتحانات. ماذا نتوقع عندها من مستوى ثقافتنا في الكبر؟ هل كنا قادرين على الوصول إلى هدفنا المطلوب دون التدريب والامتحان؟ إن لم يكن هناك امتحان، من المؤكد أنه سوف يتضاءل ميلنا إلى بذل أي جهد، وبدون هذا الجهد، فإن قوة العقل و التعلّم ستركد عندنا، ولن يحدث أي تطور في قوتنا العقلية.
إن نظام هذه الدنيا، هو أفضل نظام يوفر الظروف للتدريب والمنافسة والنمو و وصولنا إلى الهدف. ولكننا في نفس الوقت مُحاطون و من كل جانب بالشهوة والغضب والجهل والحماقة والنفاق تحاصرنا من كل جانب، وهناك إمكانية دائمة للخطيئة، لكي نزدهر في ظل هذه الظروف الصعبة ونكتسب أسماء مختلفة لله وبذلك نقترب منه. بعبارة أخرى، الحصول على اسم “حليم” يجب أن يواجهنا جاهل ما لكي نحقق اسم “حليم”، و لكي نحصل على صفة غفور يجب أن يكون هناك ألم و معاناة وارتكاب أخطاء، حتى نتمكن من الوصول إلى اسم “العفو” لله. في الواقع، فإن البشر جميعًا هم منافسونا في التدريب، ولم يستثن الله حتى أنبياءه من ذلك.
ربما يطرح علينا هذا السؤال: لماذا يجب أن نعاني؟ ما هو الهدف من اختباراتنا والمحن التي وضعنا الله في الحياة ينبغي لنا أن نعرف أن الله خلق جانب الفطرة متساو فينا جميعًا، وأن كل امتحانات الدنيا وابتلاءاتها لا تشغل إلا البعد الحيواني في وجودنا. إن ذاتنا المزيفة هي التي تكون غنية أو فقيرة أو مشهورة أو مهددة للخطر و تنزعج و تربح و تخسر، و تتحمل جميع امتحانات الدنيا هذه ونصبح أكثر شبهاً بأسماء الله. إن كل من يسير على هذا المسار بشكل صحيح يصبح أكثر رحمة وتسامحًا وتواضعًا، وجميع ذلك هو علامة اقترابه من الله.
في هذه المقالة تحدثنا عن دور الدنيا كنادٍ في نمو وتطور وتقوية الإنسان، وأن الدنيا مكان نتعرض فيها لمختلف الظروف الصعبة و نخضع لاختبارات وتحديات متعددة. كما أشرنا إلى أن مهارتنا تكمن في إطفاء نار الفتن التي تحيط بنا و تستهدفنا، ولكن لا يمكننا إطفاء هذه النار بدون أن نتسلح بالوعي والمهارة. توفر لنا الدنيا شروطًا للتدريب والمنافسة والنمو والتطور لكي نتمكن من أن نقترب أكثر من الله ونتشبّه بأسمائه من خلال التغلب على مشقّات الدنيا و صعوباتها.
إذا كنت ترغب في معرفة المزيد عن أهمية حاجتنا إلى العمل في الآخرة، نوصيك بقراءة مقال “فهم عظمة الآخرة؛ كيف تؤثر عظمة الآخرة على سلوكنا في الدنيا؟”، ولا تتردد في إخبارنا بتعليقاتك وتجاربك في هذا المجال.
[1] . الدنيا دار البلاء والامتحان