ما هي محكمة العدل الإلهية وكيف نُحاسب فيها؟

جدول المحتويات
ما هي محكمة العدل الإلهية وكيف نُحاسب فيها؟

كيف تتم محاسبتنا في محكمة العدل الإلهية؟

لقد سمعنا وقرأنا مرّات عديدة في رحلة حياتنا، عن إقامة محكمة العدل الإلهية في يوم القيامة، وسمعنا أقوال عن مختلف الأسئلة التي ستطرح علينا والتي ينبغي أن تكون لدينا إجابات مناسبة عنها جميعا. إنها محكمة لا سبيل لنا للهروب منها، و من المتوقع أن نرى نتيجة كل عمل قمنا به في الدنيا. ولكن كيف من الممكن أن يكون كل عمل قمنا به في حياتنا، حاضر معنا؟ وحتى  أفكارنا ونوايانا، كيف يمكننا رؤيتها؟

كما أننا أحيانًا، نواجه تصريحات متضاربة  حول الموضوع؛ فقد سمعنا أن الحساب سيشمل الجميع، بينما سمعنا في الوقت ذاته أن بعض الأفراد يمرون بهذه المرحلة دون حساب. على الرغم من ذلك، يبقى السؤال هنا هو كيف نفهم ماهية محكمة العدل الإلهية وكيف تعمل؟

تعرّفنا في المقالات السابقة على قانون النسبة، اكتسبنا في الدروس السابقة، فهمًا لقانون النسبة، وهو قانون يُسهِّل فهم العديد من المفاهيم الدينية التي قد تبدو غامضة، وينصّ على أن العلاقة بين الدنيا والآخرة تعادل العلاقة بين رحم الأم والدنيا، أي أنه تماما كما يقوم رحم الأم بتهيئة الجنين للحياة في الدنيا، فالدنيا هي أيضا بمثابة رحم للآخرة و علينا أن نجهز أنفسنا في الدنيا للحياة في الآخرة.  ومن خلال دراسة سلوك الجنين في بطن أمه والأحداث التي تحدّث له نتيجة انتقاله من رحم أمه إلى الدنيا، تنكشف الكثير من المغامرات التي سنواجهها في عالم الآخرة، لذلك فمن الأفضل قبل أن نتفحّص كيفية التعامل مع أعمالنا في القيامة و محكمة العدل الإلهية، أن ننظر إلى ولادة الجنين.

كيف يتم حساب أداء الجنين؟

تُقدم الحياة فُرصها لجميع الرضّع على قدم المساواة، ولكن ليس بإمكان جميع الأطفال التمتع بهذه الإمكانيات بنفس الطريقة بسبب إختلاف ولادتهم. يستفيد كل جنين من إمكانيات الدنيا على حسب استطاعته و وفقا لكمية ونوع تطوره الذي قام به في رحم أمه. وفي الواقع، فإن نوع العلاقة التي تربط كل جنين بظروف الدنيا هي نفس “محكمته.” أي أن كل ميزة تقدمها الدنيا للمولود هي بمثابة “سؤال” يجب على المولود تقديم عضو مقابلها “كإجابة” ردًا على هذا السؤال. على سبيل المثال، “الضوء” هو سؤال يجيب عليها المولود بإجابة تسمى “جهاز الرؤية”. “الهواء” هو سؤال و الإجابة المناسبة عليها هي “جهاز تنفسي سليم”.

العالم مليء بهذا النوع من الأسئلة، ويتم محاسبة الطفل بهذه الأسئلة عند ولادته. والآن، إذا كان جهاز أو عضو من أعضاء جسم الطفل لا يتمتع بالصحة اللازمة، فهذا يعني أنه لم يجب بشكل صحيح عن السؤال المتعلق بذلك العضو.  في هذه الحالة، لا يستطيع الطفل الاستفادة من هذه الإمكانية فحسب، بل تتحول الظروف المرتبطة بذلك العضو مصدرًا للازعاج والمتاعب له.

إن مرض طفل حديث الولادة يعني عدم امتلاكه على الإجابات الصحيحة لأسئلة الدنيا وعدم انسجامه مع شروط وقواعد الحياة فيها، ويتوجب عليه المكوث في المستشفى لتلقّي العلاج.  المشكلة تكمن هنا أن المولود الذي يواجه الدنيا بولادة ناقصة يعجز عن تعويض نقصه في المستشفى، و لا بد له من مواجهة الحرمان من بعض امكانيات الدنيا لبقية حياته الدنيوية. هذا  لأن المستشفى لديها القدرة على العلاج وليس القدرة على البناء.

غياب الأسئلة خلال فترة الرحم

عندما ينشغل الجنين بمحاولته لبناء أعضائه في رحم أمه، فإنه لا يتعامل مع أية أسئلة أو حسابات.  هذه الفترة التي تمتدّ لعدّة أشهر هي فرصته الوحيدة لإعداد الأدوات اللّازمة والإستعداد لمواجهة الدنيا. وحتى لو كان الجنين مريضا أو لم يتكون له عضو، فإنه لا يواجه ألماً و معاناة في بيئة رحم أمه.  إنه يشعر بهذا الألم والنقص فور أن يواجه بيئة جديدة تسمى الدنيا بعد ولادته وعندما يُفترض به أن يستخدم ما أحضره معه فيها.

من الواضح أن الدنيا لا تحتاج لتبادل الحديث أو طرح الأسئلة من الطفل عند ولادته، بل الحقيقة أن هذا السؤال و الجواب يتمّان بطريقة موضوعيّة وعمليّة، وأعضاء الطفل هي بمثابة أعمال وأجوبة أحضرها معه إلى الدنيا.  هذه الأعمال ليست منفصلة عنه بل إن وجوده يمثل مجموع جميع سلوكياته وأعماله التي قام بها و الآثار التي قد وضعتها عليه.  وهكذا وفي اللحظات الأولى من ولادة كل طفل، يتم تحديد نوع علاقته مع الدنيا بالنسبة له وللآخرين.  جميع هذه “الأسئلة والأجوبة” التي تثار في محكمة الدنيا لا تحتاج إلى قضاء أي وقت لفحص كل عضو وجهاز في جسم الطفل.

فكما أن الجنين داخل الرحم لا يوجد لديه فكرة عن مدى انسجامه مع ظروف الدنيا لحظة ولادته، فإنّ طبيعة رحم الدنيا تجعلنا لا ندرك سعادة وسلام أو ألم ومعاناة أرواحنا قبل دخولنا إلى الآخرة.  وفي الواقع فإن السلام النسبي الذي يأتي إلينا من فعل الأعمال الصالحة، أو القلق والاضطراب الذي يخيم على حياتنا نتيجة الأفكار والأفعال السيئة، هو جزء صغير جداً من حقيقة أفعالنا التي نتلقاها في هذا العالم.  كل الآراء والخيارات والعلاقات والسلوكيات التي لدينا هي “مكتسبة” لأرواحنا. هذه المكتسبات هي التي سوف تكون بحكم الأعضاء لأرواحنا وأنظمتها البيولوجية في حياة الآخرة، و سوف  تُحاسب الروح عليها عند ولادتها في الآخرة. بعبارة أخرى إن محكمة العدل الإلهية في الآخرة ستكون الموقف الذي نقدم فيها جميع المكتسبات التي احرزناها لأنفسنا في بيئة رحم الدنيا.

واجبنا في الدنيا

نحن الآن متواجدون في الدنيا كرحمنا الثاني. و هنا يجب أن نجهّز أنفسنا للآخرة لكي نضمن أن نمتلك الإجابات الصحيحة والكاملة للأسئلة التي ستُطرح علينا في الآخرة.  ومن خلال فحص نوع الحساب الذي يواجهه الجنين في الدنيا لحظة ولادته، فإن جودة التعامل مع أعمالنا يوم القيامة ومحكمة العدل الإلهية تتضح لنا إلى حد كبير.

إن حقيقتنا الوجودية هي تلك النّفخة الإلهيّة التي قد أودع الله فيها كل صفاته، وانتقلت هذه الروح إلى جسدنا الدّنيويّ الذي يتم إنتاجه في رحم الأم، لكي نتمكن بإرادتنا من تنمية تلك الصفات في الدنيا .  إن الدنيا هي الفرصة الوحيدة التي يمكننا من خلالها أن نحول قدراتنا من القوة إلى الفعل، ومدى تحقيق هذه الصفات يشير إلى مستوى سلامتنا في الآخرة. بعد إنتهاء الفترة الرحميّة في الدنيا، يعود جسدنا المادّي إلى أصله أي إلى الدنيا، وتنتقل حقيقة وجودنا أو روحنا إلى عالم الآخرة لتظهر في محكمة العدل الإلهية.

كيفية حساب الأعمال في الآخرة

تماما كما تحاسب محكمة الدنيا المولود عن سلامته النسبية من أجل التمتع بحياة صحية في الدنيا بسرعة كبيرة و بدقّة و دون انقطاع، فإنّ روحنا يتم محاسبتها أيضًا عندما تدخل إلى الآخرة و تواجه ظروفها البيولوجيّة. وبما أن الله سريع الحساب فإن توافقنا أو عدم توافقنا مع ظروف الآخرة يتبيّن لحظة الولادة الآخروّية، أي لحظة الوفاة. على سبيل المثال يتوجب علينا هناك أن نكون قادرين على الحركة دون قيود، ولكن إن لم نهيّئ أنفسنا مُسبقًا، فسوف نعجز عن الحركة بحرية. كما أنه لا يوجد مسافة زمنية بين الولادة والحساب، وتدرك كل نفس سعادتها أو شقاوتها بحسب درجة انسجامها مع قوانين الآخرة.

إذا لم تكن نفسنا سالمة بما فيه الكفاية، فهذا يعني أنها لم تهيء إجابة مناسبة على أسئلة محكمة العدل الإلهية، ولهذا السبب عندما يولد شخص ما في الآخرة، ما إن يدرك أن بُنية وجوده لا تتناسب مع ظروف الحياة في الآخرة، يسأل الله أن يرجعه إلى الدنيا ليقوم بأعمال الصالحة،[1] ولكن كما لا يمكن للمولود أن يعود إلى رحم أمه من جديد، فكذلك لا يمكن للإنسان الذي ولد في الآخرة أن يعود إلى الدنيا. ترتبط استحالة ذلك بالحالة الطبيعيّة والفيزيائية لبنيّة الرحم التي لا يمكن الرجوع إليها بعد الولادة، سواء كان ذلك رحم الأم أو رحم الدنيا.

المولود الذي يتمتع جهازه العصبي وإمدادات الدم والتنفس والهضم والأعضاء الأخرى بصحة جيدة، ولكنه يعاني من مرض أو نقص بنسبة 1٪ فقط، فإنه سوف يعاني بالتأكيد بنسبة هذا النقص. على سبيل المثال، إذا كان جسم المولود بأكمله سليمًا وقويًا، ولكن إذا كان أحد ساقيه أقصر من الآخر بسنتيمتر واحد، فإنّ هذه الكمية الصغيرة ستسبّب للطفل مشكلة وتصعب عليه المشي في الدنيا.  هذا يعني أنه لا داعي بأن يقوم أحد  بإخبار هذا المولود أن أحد ساقيه أقصر من الاخرى لكي يعلم أنه لا يستطيع المشي بشكل صحيح، بل إن حالته الخاصة كفيلة بإظهار هذا النقص. و بالمثل في محكمة العدل الإلهية في الآخرة ليس هناك حاجة لكي  يضع أحد النقاط على الحروف لكي نواجه عواقب أفعالنا، ولكن بما أن وجودنا في الآخرة هو مجموع إنجازاتنا الدنيوية، فكفى بنفسنا علينا حسيباً.[2]

ما هي الإجابات المقبولة؟

كما أن أعضاء و جوارح المولود هي بمثابة إجابات على أسئلة الدنيا، فإنّ مكتسباتنا وممتلكاتنا الروحية التي شكلت وجودنا في الآخرة، سوف تمثل الإجابات على أسئلة الآخرة.  إن بيئة الآخرة البيولوجية تطرح أسئلتها بطريقة موضوعيّة وعمليّة، لا لفظيّة. يتوافق الإنسان مع ظروف الآخرة البيولوجيّة بقدر المكتسبات التي اكتسبها في اتجاه التشبّه مع حقيقة وجوده، و هو الله، ودرجة هذا التشبّه هو الإجابة الصحيحة عن جميع أسئلة محكمة العدل الإلهية.

وهكذا يواجه كل منا أسئلة أو بعبارة أفضل ظروف وخصائص الحياة في الآخرة بعد رحلته في الدنيا و ميلاده في الآخرة و مدى انسجامنا مع ظروف الحياة الآخرة هو إجاباتنا الصحيحة في محكمة العدل الإلهيةالمحكمة التي رغم أنها تطرح أسئلتها على الجميع، إلا أنها لا تضيّع الوقت في طرحها ولا يوجد نقاشات بين الأطراف،  لأن وجودنا في الآخرة هو بنفسه إنعكاس لمكتسباتنا وقدراتنا. تمر كل نفس سليمة بهذه المرحلة بسرعة ودون تأخير، بينما تتأخر النفوس المريضة أو الناقصة التي بسبب عدم انسجامها مع عالم الآخرة، أو عدم قدرتها على الإجابة على أسئلة محكمة العدل الإلهية، و لذلك يتوجب عليها أن تُحساب و تتحمّل معاناة العلاج. إذن فإن أفعالنا هي حقيقة وجودنا، و لكي نحظى بولادة سليمة أو قوية سليمة بشكل علم، يجب علينا إبراز الصفات الجيدة في أنفسنا و تجنّب الإقتراب من الصفات السيئة.  إن الخلق السيئ و الخيانة و الكذب و الافتراء و أي عمل غير لائق هو بمثابة عضو إضافي في جسدنا الآخرويّ الذي يجب إزالته منّا  بإجراء عملية جرّاحيّة في الجحيم، وسوف يستغرق انفصال كل هذه الخصال السيئة عنا قرونا في الآخرة.

ذكرنا في هذا المقال أن الصفات التي نخلقها في أنفسنا خلال حياتنا تشكل وجودنا، أي أن وجودنا الأخرويّ هو مجموعة من معتقداتنا و اختياراتنا و علاقاتنا و أفعالنا.  تماما كما يخلق الجنين وجوده الدنيوي في بطن أمه، كذلك تُشكّل ادراكاتنا و تصرّفاتنا في رحم الدنيا، وجودنا في الآخرة.  بمجرد خروج الجنين إلى الدنيا، يواجه أسئلة الدنيا حول جسده. وبالمثل فإننا سوف نمثل أمام محكمة العدل الإلهية بأعمالنا التي هي بدورها تكوّن الإجابات التي نقدمها لخصائص الآخرة وأحوالها المعيشية.  في الواقع إن محكمة العدل الإلهية هي التي تبيّن مدى تناسب وانسجام وجودنا مع ظروف الآخرة.

شاركونا وجهة نظركم في كيفيّة الحضور في محكمة العدل الإلهية في الآخرة قبل قراءة هذا المقال.  هل ساهمت قاعدة النسبة إلى فهم أفضل للحساب في يوم القيامة و الحضور أمام محكمة العدل الإلهية؟

[1]   (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) المؤمنون ٩٩-١٠٠

[2]    (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الإسراء ١٤

اكتب رأيك