أين جهنم وما هو سبب الوقوع في جهنم كمستشفى للآخرة؟

جدول المحتويات
أين جهنم وما هو سبب الوقوع في جهنم كمستشفى للآخرة؟

جهنم هي مستشفى للآخرة ومكان مؤلم لإصلاح عيوبنا

يكاد يعد من المستحيل تجاهل الحديث عن جهنم في هذه الدنيا، وقد يملك كل إنسان تصوره الخاص به عنها، تكون التفسيرات عن حقيقة جهنم متنوعة بعدد من سمع عنها في مختلف السياقات. قد يرى بعض الناس جهنم على صعيد الجنّة ومقابلها، في حين أنه لا يؤمن أناس آخرون بوجودها، بينما يعتقد البعض أن جهنم ليست خارجا من نفوسنا وغيره من التفسيرات. نسعى في هذه المقالة إلى الإجابة على جميع الأسئلة المتعلقة بماهیة جهنم، ونعالج كيف يمكننا أن نعتبر جهنم کمستشفى للآخرة؟ ومن أجل فهم هذا الموضوع بشكل أفضل، يجب أن نستند أولاً إلى قانون النسبة ونقوم بشرح الظروف الرحمية والولادة الغير صحية في الدنيا بشكل أوسع.

ألا تؤمن بأن القيام بكل عمل في وقته المناسب يأتي بفوائد أكبر ويكون أقل جهدا؟ على سبيل المثال، فإن الشجرة التي تحظى بالتقليم في الوقت المناسب تنتج محاصيل أفضل وأكثر، والطالب الذي يدرس و ينجح في الامتحانات قد يستمتع بإجازة صيفية أطول، والطفل الذي يخوض مراحل طفولته في سن مبكرة بشكل صحيح ستكون لديه صحة أفضل في الكبر.. وبالمثل، إذا عمل الجنين في فترة الحمل البالغة من تسعة أشهر بشكل صحيح، وأجريت التشكيلات اللازمة عليه، فإنه سيولد بصحة جيدة ويستفيد من كل النعم والإمكانات التي تتيحها له هذه الدنيا.

ولكن قد لا تسير الأمور على ما يرام دائما، فقد نواجه ولادةً غير صحية حيث يشعر الجنين فور دخوله إلى الدنيا بعدم التكيف مع البيئة الجديدة. أي أنه بعبارة أخرى يواجه ظروفًا قاسية ومؤلمة ومأساوية في هذا العالم تنبع من بنية وجوده وليس من بنية الدنيا. وبالتالي، فإن الجنين في هذا الوضع يجب عليه الانتقال إلى المستشفى لمعالجة المشكلة التي يعاني منها نتيجة فترة الحمل. المستشفى هو المكان الذي يكون متماشيًا مع الظروف الحالية للمريض ولديه القدرة على تكييف المرضى مع الظروف البيئية في الدنيا. واللافت للانتباه أنه وفقا للنسبة التي تربط الرحم مع الدنيا، والدنيا مع الآخرة فإننا سوف نشهد ما يشابه ذلك في الآخرة، وبالتالي يمكن القول إنّ جهنم تعتبر كمستشفى بالنسبة للآخرة. ومن المؤكد أن درجة العذاب والألم والمعاناة التي نتكبدها في جهنم كمستشفى للآخرة ستكون أكبر وأصعب بكثير من الدنيا، نظرًا لعظمة الآخرة.

التكيف مع الظروف البيئية

إن الحياة في أي بيئة كانت تتطلب الانسجام مع ظروفها الخاصة. ينبغي لكل جنين أن يكون له عيون سليمة لرؤية الأطوال الموجية للدنيا، وأذن سليمة لسماع تردد الأصوات، وأنف سليم لشمّ العطور والروائح، وعقل سليم يفهم ويصنّف تجاربه ومعلوماته. وفي حال عدم التفاعل والتأقلم مع جميع جوانب الدنيا وميزاتها، لن يستطيع الفرد استشعار جمالياته بشكل كامل والاستمتاع بموارده دون قيود أو معاناة.

رغم عدم وعي الجنين بعيوب أو نقائص في جسمه، وعدم تأثيره في تشكيلها، إلا أن الدنيا تختبر جميع الأطفال في لحظة الولادة، ويُتم تصنیفهم وفقًا لمدى توافقهم مع شروط الحياة في الدنيا.

إن أول ما يواجهه الطفل حديث الولادة هو مدى عدم تأقلمه مع العالم المحيط به. و هذه هي التجربة التي تُكرَر فور دخولنا عالم الآخرة، إذ أننا إذا لم نكن في إنسجام مع شروط الآخرة، فسوف ندخل “جهنم کمستشفى للآخرة“.

للدنيا بنية هندسية ومبنية تمامًا على علاقات رياضية، ويجد الجنين نفسه مضطرًا للتكيف مع هذه القوانين الرياضية ليجد السكينة والهدوء. بناءً على ما شرحناه في المقالات السابقة، فإننا ندرك أن جميع الأطفال يولدون في الدنيا مصنًّفين تحت إحدى الفئات الخمس: السليمة أو السليمة القوية، الضعيفة، المعیوبة، الناقصة، أو المريضة. ومن هذه الفئات، لا يحصل على مرتبة القبول إلّا المولود الذين وُلد ولادة سليمة قوية أو سليمة، بینما يتعين على الآخرين أن يتحملوا عواقب العلاج بسبب الضعف أو النقص أو ما زاد عن الحاجة التي جلبوها معهم.

وبالرغم من أن قدرات الدنيا قد تكون أقل بكثير من رحم الأم، إلا أن العلاج لا يكون كامل دائماً، وقد لن يتسنى لبعض الأطفال التكيف مع شروط الحياة في الدنيا ابدًا. إن جميع جهود الجنين الصادقة قد خُصص للحظة الولادة، والصحة هي أقل ما يمكنه حمله معه. يعتمد مصير الجنين فی حیاته المستقبلية على جودة التكيف مع هذه الظروف، حيث أن الناتج إما يكون معاناة أو سعادة. يُحدد الجنين جودة حياته في الدنيا الواسعة التي تحيط به أمه ورحمها في فترة زمنية محدودة، حیث يقضي كل فترة حياته في الرحم لبناء جسم لا يحتاج إليه داخل الرحم، بل بعد ولادته في الدنيا.

ولادة غير صحية: مصدر للألم والعذاب

يولَد الإنسان في الدنيا بمواهب وقدرات مختلفة حسب البيئة والظروف التي قد قضاها في رحم أمه. وبما أن الصحة تعني الانسجام التام مع البيئة التي نولد فيها، يتم تصنيف المواليد السلیمة وفقًا لعدد الأطفال الذين يولدون بحالة صحية جيدة، وإذا لم يكن الجنين قادرًا على تكوين أي جزء من جسده الذي يحتاجه للبقاء في الدنيا، فإنه سيعاني من الألم عند ولادته ويضطر إلى تحمل القيود التي تنشأ عن ذلك طوال عمره. هذا الوضع يعيشه كل من لم يصنع الأدوات المناسبة للآخرة ويجد نفسه مضطرًا لتحمل العذاب في جهنم کمستشفى للآخرة. الطفل الذي لا يمتلك رئتين سليمتين للتنفس سيواجه صعوبات في التكيف مع الدنيا ولن يكون قادرًا على الحصول على كمية كافية من الأكسجين. ولكن هل تكمن المشكلة في الدنيا؟ لا تتدخل الدنيا في الألم الذي يعانيه الطفل حتى نهاية حياته، بل ينتج هذا الألم نتيجة الطريق الخاطئ الذي سلكه الجنين داخل رحم أمه أو بسبب العوامل البيئية التي أثرت على أمه. إن خصائص الدنيا وطبيعتها تم تصميمها في الواقع لتكون مريحة لنا ولتمكّن الأشخاص الأصحاء من الاستمتاع بالحياة. وإذا كنا نعاني من الضعف أو المرض، فإننا لا ندرك هذا النقص حتى لحظة ولادتنا، ولكننا فور دخولنا إلى الدنيا، سوف نتعرض للألم.

قد استفسرتم يومًا كيف يمكن أن تؤدي عدم تكيفنا مع البيئة التي نعيش فيها إلى تكبُّدنا للألم والعذاب؟ يجب أن نتأمل أن المرضى والأشخاص الأصحاء لا يجربون البيئة نفسها بنفس الطريقة. فعلى سبيل المثال، يستمتع الشخص الصحي بالسباحة في بيئة جميلة كالشاطئ ومشاهدة الأمواج والاستمتاع بنسمات الهواء الباردة، ولكنها قد تصبح سببًا في العذاب لمن لا يملك أطرافًا سليمة أو بشرة و عينين سليمتين في الرحم. إن هذا العذاب لا تفرضه علينا البيئة، بل ينبع من داخلنا. وعلاوة على ذلك، فإن رؤية الأشخاص الذين يستمتعون بالنعم التي نفتقر إليها ولا نتمتع بها، يزيد من حسرتنا وعذابنا بطبيعة الحال.

كيف تكون بيئة المستشفى؟

إذا وُلِدنا في الدنيا بحالة غير مرغوبة، فلن نتمتع بالظروف الطبيعية والمريحة، إذ إن مقومات الدنيا مخصصة لأولئك الذين يمتلكون الأدوات المناسبة للاستفادة منها. المولود المريض، على الرغم من ولادته في الدنيا، فإنه لن يكون قادرًا بمفرده على التكيف مع شروط الحياة الدنيوية، ولذلك يُنقل إلى قسم من الدنيا نسميه “المستشفى“. يُعتبر المستشفى مُخصصًا لمشكلة معينة بشکل عام، وبالإضافة إلى ذلك، يحتوي كل مستشفى على أقسام مختلفة تستقبل المرضى وفقًا لاحتياجاتهم.

في الحقيقة، إن مهمة المستشفى هي توفير الظروف المناسبة البيئیة للطفل غير الصحي أو الشخص المريض، تمامًا كما تقوم جهنم کمستشفى للآخرة بذات العمل.  فمثلاً، إذا كان هناك مريض غير قادر على التنفس بسبب مرض معين، يوفر له المستشفى الأكسجين أو في الحالات الشديدة يستخدم جهاز التنفس الصناعي[1] لمساعدته في التنفس. أما إذا كانت عظامه غير مكتملة النمو بشكل طبيعي، يتم تقريبها إلى الحالة الطبيعية بواسطة الأدوات المناسبة أو عمليات جراحية. بينما اذا احتاج المرء إلى أن يُعوَّض نقص هرموناته أو المشكلات النظامية فإن مجموعة متنوعة من الأدوية يمكنها أن تكون الحل. يمكننا القول إن المستشفى مُخَصَّص فقط لأولئك الذين يعانون من مشكلة معينة، عندما لا يكونون متكيفون مع بيئة وظروف الدنيا، بل إنهم يتكيفون مع بيئة المستشفى. في الحقيقة فإنهم يحتاجون إلى خطوة إضافية للتكيف مع البيئة الحياتية في الدنيا، فيتعافى البعض من المرض أو الضعف بعد فترة من العلاج والتحمل، بینما يتعين على البعض الآخر – بناءً على شدة النقص أو العيوب في أجسادهم – التعامل مع عذاب العلاج طوال حياتهم. ومن بين هؤلاء، هناك من يجد نفسه مضطرا لقضاء معظم حياتهم في المستشفى، وفي النهاية، نظرًا للظروف غير المتوافقة مع الحياة العادية، يتم نقله من قسم إلى قسم آخر في المستشفى، حيث لا يمكن له بأي حال من الأحوال العيش في خارج بيئة المستشفى.

كيف هي الظروف المعيشية في مستشفى الآخرة؟

السؤال هنا هو: أين يقع هذا المستشفى؟ وهل يحيط به شيء خارج فضاء الدنيا؟ ما هي شروطها المعيشية والحياتية؟ هل تختلف البيئة العامة داخل المستشفى عن تلك التي تحيط به؟ للعثور على إجابات لهذه الأسئلة، سوف نلقي نظرة على بعض الأمثلة. لنفترض أنك ذهبت إلى أقرب مستشفى في المدينة لحل مشكلة أحد أصدقائك. هل يختلف مناخ المنطقة التي يتواجد فيها المستشفى مع مناخ بقية المدينة؟ هل يتمتع المستشفى بنور نجم غير الشمس؟ هل يحتوي الهواء فيه على مكونات مختلفة؟ هل يقع في مكان يمتاز بدرجة حرارة مختلفة عن البيئة المحيطة به؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة هي: “لا”. صحيح أن البيئة الداخلية في المستشفى تختلف استنادًا إلى ظروف واحتياجات المرضى، لكن الشروط العامة للمكان هي كبيئة المحيط. وهذا يعني أنه إذا كان هواء المدينة ملوثا، فإن التلوث سيمتد إلى الهواء داخل المستشفى. وإذا كان الضغط الجوي في المدينة منخفضًا بسبب الارتفاع عن سطح البحر، فسيكون الضغط الجوي في المستشفى منخفضًا أيضًا، أو قد يتغير الهواء في المستشفى ليصبح حارًا مع ارتفاع درجة حرارة المدينة وهكذا.

لنتخيل الآن أن علينا الانتقال إلى مستشفى في مدينة أخرى تتميز بارتفاع نسبة الرطوبة بسبب قربها من البحر. هل تتوقع أن يكون الجو داخل المستشفى جافًا؟ بالطبع لا! فالشروط البيئية في المستشفى ليست مستقلة عن الظروف البيئية المحيطة به. وبالمثل فسوف تكون شروط بيئة مستشفى في القطب الشمالي باردة للغاية، بینما ستكون شروط المستشفى في منطقة الاستواء حارة ورطبة للغاية. وإذا قمنا بفحص جميع مستشفيات العالم، لن نجد أي مستشفى تختلف شروطه العامة عن البيئة المحيطة به،  لأن المستشفى جزء من نفس البيئة ويتماشى من الناحية البيئية مع موقعه، بما في ذلك جودة المياه، ونوع الهواء، ودرجة الحرارة،ج والضغط، ومستوى التلوث، وغير ذلك، على الرغم من أن أقسام المستشفى المختلفة قد تكون مخصصة وفقًا لاحتياجات المرضى.

المستشفى والشخص السليم

هل لاحظتم أن شروط المستشفى ليست صعبة ومؤلمة إلا لمن يعاني من مشكلة؟ لا يعاني الأطباء والممرضين وموظفي المستشفى ومرافقي المرضى من معاناة في المستشفى بسبب التكيف مع “ظروفها البيئية” أو بالأحرى “البيئة” الموجودة. إنّ شروط بيئة المستشفى هي تماما كما هي في أي مكان آخر بالنسبة لهم؛ إذ أن بامكانهم المشي، والنظر و التنفس و التحدث سواء كانو في تلك البيئة أو تلك الموجودة في البنك، أو المتجر، أو الجامعة، أو المطعم، وما إلى ذلك. قد يكون الفرق الوحيد هو رؤية الأشخاص الذين يعانون ويتلقون العلاج في المستشفى. الهواء الذي يعتبر مريحًا وطبيعيًا لموظفي المستشفى قد يكون مزعجًا لشخص مصاب بحروق، وشرب الماء الذي يعتبر منعشًا وصحيًا للمرافقين قد يكون مؤلمًا ومريرًا للمريض. لذلك، ليست المشكلة في الهواء أو الماء، بل تکمن في عدم توافق المرضى مع الهواء أو الماء. وحتى أنه في بعض الحالات قد يكون لدى المريض مشكلة مباشرة تجعل الأمور تلقائيا أكثر صعوبة ومعاناة، مثل جرح ملتهب أو ورم يسبب ضغطًا وألمًا على الأعضاء المجاورة.

إذاً، فإن العذاب الذي يُعانيه المريض قد يكون نتيجة لغياب شيءٍ ما، أو وجود شیء زائد، أو عيب في جزء من جسده. هذه العوامل هي التي تدفع المريض إلى اللجوء إلى المستشفى للتكيف والتوافق مع شروط البيئة العالمية ويجد نفسه مضطرًا لتحمل العلاج والعذاب. والآن، السؤال الذي يطرح نفسه، هل يكون المستشفى مكاناً مؤلمًا بالنسبة لنا إذا كنا في صحة جيدة؟ و هل يقوم الجراح بإجراء عملية جراحية لشخص ما لمجرد وجوده في المستشفى؟ بالطبع لا، لأنه لا يوجد سبب واضح لذلك. الطبيب يوصي بعملية جراحية فقط للشخص الذي يعاني من مشكلة معينة ويحتاج إلى الجراحة للتكيف مع شروط البيئة الدنيوية والاستفادة منها. في الحقيقة، يتوجب على كل شخص، وفقًا لطبيعة المشكلة وشدتها، أن يلجأ إلى المستشفى. تمامًا كما هو الحال في المثال الذي نُعاني فيه في المستشفى كما لو كانت جهنم کمستشفى للآخرة.

الظروف البيئية في الآخرة

إن الرياضيات التي تحكم حياتنا في هذه الدنيا موجودة في الآخرة أيضًا. إن جهنم تنشأ بالضبط عن عدم الانسجام مع الجنة. تمامًا كما يشكّل مسار حركة الجنين في رحم الأم دنياً مرغوبة للمولود، فإن مسؤوليتنا في الدنيا هي أيضًا بناء آخرةٍ مرغوبة لنا، إذ أن الآخرة يتم بناءها من خلال بناء الروح وتطويرها، لتكتسب القوة والقدرة الضرورية للعيش في ظروف الآخرة.

لكل بيئة مجموعة من الخصائص والظروف البیئية وفقا لإحداثياتها. فعلى سبيل المثال، بيئة رحم الأم تكون ضيقة ومظلمة للغاية وتفتقر إلى وسائل لانهائية، بينما تكون الدنيا المحيطة بها أكبر وأكثر تنوعًا وتتمتع بعدد لا حصر له من الإمكانيات. ومع ذلك كما ذكرنا سابقًا، فإن الاستفادة من إمكانيات الدنيا تتطلب وجود أعضاء وأدوات مناسبة، ولا تأتي هذه الفرصة إلا في ضوء ولادة سليمة أو قوية. ولعالم الآخرة أيضًا شروطه وخصائصه الخاصة التي رغم عدم معرفتنا الدقيقة بها، إلا أننا نعلم بفضل قانون النسبة، أنها أشمل وأكثر تعقيداً وعظمة من عالمنا الحالي.

من الطبيعي أن نكون متناسبين مع خصائص كل بيئة لنستفيد من إمكانياتها بشكل مثالي. فعندما نسافر إلى بلد آخر، يجب علينا التكيف مع عملتهم المحلية وفهم ثقافتهم ولغتهم لتحقيق هدف السفر. بالمثل، يجب أن يكون الجنين داخل رحم الأم متوافقًا مع بيئته ليتمتع بالنمو الصحيح، ويجب أن يكون للمولود في الدنيا أجهزة وأعضاء متناسبة مع الظروف البيئية في الدنيا. وكما هو الحال، فإن شروط البيئة في الآخرة لا تختلف، ونحن بحاجة إلى أدوات وامكانيات تمكننا من التواصل مع ظروفها وتلبية احتياجاتنا في عالم الآخرة الواسع والمعقد. ورغم أننا لا نملك معرفة عن التفاصيل الدقيقة لكيفية عمل هذه الأدوات في الآخرة، إلا أننا ندرك أن الأداة الأساسية التي سنحتاج إليها هي قلب سليم، والذي يتم تهيئته في هذه الحياة. لذا يجب علينا أن نستعد لانشاء قلب سليم للحياة الآخرة، لنتجنب عذاب جهنم کمستشفى الآخرة.

جهنم هي عدم التوافق مع الظروف البيئية

 تتبع الرياضيات التي تحكم نسيج الخلق قوانين ثابتة على كل المستويات. تعتبر النسبة بين رحم الأم والدنيا، ضئيلة مقارنةً بالنسبة بين الدنيا والآخرة. كما أن الدنيا تُعتبر أيضا كرحم للآخرة، والفارق الوحيد بين رحم الأم والدنيا هو قدرتنا على الاختيار في الدنيا. في الرحلة من رحم الأم إلى الدنيا، لا يملك الجنين أي اختيار، بينما في الرحلة من الدنيا إلى الآخرة، فإننا نتصرف بكامل حريتنا. الرياضيات التي تسيطر على رحم الأم والدنيا، سارية أيضًا في الآخرة، حيث يتم خلق جهنم للإنسان نتيجة عدم التوافق مع الجنة. وتمامًا كما يؤدي مسار حركة الجنين في رحم الأم إلى إنشاء حياة مرغوبة في الدنيا، فإنَّ وظيفتنا في الدنيا هي بناء الآخرة و التهيؤ لحياة مرغوبة هناك. لا يتحقق النجاح في الآخرة إلا من خلال بناء وتطوير الروح في الدنيا لاكتساب القدرة الضرورية للعيش في ظروف الآخرة. إذا لم يطور الإنسان خصائص الآخرة في نفسه، فإنه سيواجه في لحظة الموت والانتقال إلى عالم آخر، معاناة عدم التوافق في مستشفى الآخرة.

إن جهنم هي مستشفى للآخرة حيث يضطر الأفراد إلى تحمّل أوجاع العلاج بسبب عدم توافقهم مع أوضاع الجنة. عالم الآخرة هو عالم مفعم بجمالات لامحدودة، ولن يتمتع بفوائده اللانهائية إلا الأشخاص الذين يولدون أصحاء وأقوياء فيه، بينما أولئك الذين يولدون بضعف أو مرض أو عجز أو نقص، تكون أنفسهم محاصرة في جهنم کمستشفى للآخرة، لعدم توافقهم مع شروط الآخرة.

ماهية جهنم

تماما كما أن المستشفى في الدنيا ليس مجرد بيئة منعزلة عن خارجه وتنعكس شروطه وظروفه على ضوء البيئة المحيطة به، فإن جهنم أيضا ليست مكانًا منعزلًا يعيش بذاته، بل هو جزء لا يتجزأ من الجنة، حيث تم تجهيزه وفقًا لظروف الأفراد الذين لا يتوافقون مع شروط الجنة. و نظرًا لعظمة الآخرة، فإن شدة الصعوبات والآلام التي يتحملها الأفراد غير السالمين فيها تكون بطبيعة الحال أكثر عظمة وألمًا بكثير من تلك التي نعيشها في الدنيا، و سوف يتم تقييمنا على الفور عندما ندخل الآخرة، و يكفي أي انحراف بسيط عن معايير البيئة البيولوجية في الآخرة ليُرسلنا فورًا إلى جهنم كمستشفى للآخرة.

عندما تتعرض بنيتنا الجسدية لمشكلة في الدنيا، فإننا نلجأ إلى مستشفى متخصص في تلك المشكلة الخاصة. على سبيل المثال، إذا كانت لدينا مشكلة في القلب، فإننا نتوجه إلى مستشفى القلب، وإذا كنا نواجه مشاكل في عيوننا، فإننا نتجه إلى مستشفى العيون. تتألف جهنم من أقسام متوافقة مع النواقص والعيوب، وحتى الزوائد التي قد جلبناها معنا. أي أن جهنم الفقير من الرحمة تختلف عن جهنم الحسود. ورغم أن كلا الشخصين يعاني من عدم التوافق مع شروط الجنة، إلا أن الفارق في الحالة الأولى يعود إلى نقص معين، بينما في الحالة الثانية يكون الأمر متعلقًا بشيء لم ينبغي للشخص إحضاره معه. تماما كما نقارن شخص يلجأ إلى المستشفى بسبب المعاناة من نقص في مستوى الصوديوم في الدم مع شخص يحمل معه قدمًا إضافية في الدنيا. لذا، يحتاج كل شخص إلى جهنم كمستشفى للآخرة وفقًا لنوع وشدة عدم توافقه مع شروط الحياة في الجنة.

كما أنه تماما كما تكون المستشفيات في الدنيا مُخصَّصة لأولئك الذين يعانون من مشكلة، فإنَّ جهنم مُخصَّصة أيضًا للذين وُلدوا بحالة غير مرغوبة. وبمعنى آخر، بخلاف الذين وُلدوا ولادة سليمة أو سليمة قوية، يجب أن يتحمل كل من وُلد بولادة ضعيفة أو ناقصة أو معيوبة أو مريضة عذاب العلاج في الآخرة. ومن المثير للاهتمام أن الذين يتمتعون بالتوافق مع الشروط البيئية للجنة لا يعانون من عدم التوافق مع جهنم، لأنهم لا يتأثرون عندما يكونون حاضرين في جهنم  تمامًا مثل الآباء والأمهات الذين يحضرون أطفالهم إلى المستشفى ولكن لا يعانون أنفسهم من مشكلة صحية. وتماما كما أشرنا في السابق فإن جهنم هي جزء من الجنة، وبنفس الطريقة التي لا تختلف فيها الشروط العامة لمستشفيات المدينة عن الظروف العامة في المدينة، فإن الشروط العامة لجهنم مماثلة للبيئة المحيطة بها، أي الجنة. في الواقع، يمكننا القول أن جهنم هي عدم التوافق مع الجنة أو عدم القدرة على الاستمتاع بها. وقد تم اعتبار البرزخ ومواقف القيامة على أنها مستشفيات مختلفة لهذا الغرض لتحفظنا من دخول النار و تُطهّرنا و تداوينا قبل تحديد مصيرنا النهائي في يوم القيامة.

إننا نتوجه إلى دار الشفاء في عالم الدنيا، بسبب عدم توافقنا مع شروط الحياة الدنيا، وفي الحياة الآخرة، يعود بنا الأمر إلى جهنم بسبب عدم توافقنا مع شروط الجنة. وبشكل آخر، عندما لا يكون وجودنا متناغمًا مع بنية الجنة، فإننا نجد أنفسنا بحاجة إلى جهنم كمستشفى للآخرة لتنسيق أنفسنا مع شروط الحياة في الجنة. وإذا كان الشخص متناسقًا مع شروط الجنة ولا يتوافق مع بنية جهنم، فإنه حتى ولو تواجد بين ألسنة النار، سوف يبقى سالمًا وآمنًا. في الحقيقة، الأمر الأول والأخير الذي يحدد مدى معاناتنا أو راحتنا في جهنم هو مدى تكافؤنا وانسجامنا مع ميزات الجنة. كلما كان عدم التوافق أكثر، زادت صعوباتنا في مستشفى الآخرة، واستمرت مدة علاجنا لفترة أطول.

تناولنا في هذا المقال أجوبة تتعلق بـ “جهنم كمستشفى للآخرة“، و أكدنا أن الحياة في أي بيئة ما تتطلب التكيف مع شروطها، فكما يُوجب عدم التوافق مع شروط الحياة في الدنيا دخولنا المستشفى، كذلك تُؤدي عدم المطابقة مع شروط الجنة إلى جهنم كمستشفى للآخرة. وبغض النظر عن مكان هذا المستشفى في الدنيا، سواء في القطب الشمالي أو على خط الاستواء، فإن الظروف العامة للمستشفى متماثلة للبيئة المحيطة، وبالتالي فإن جهنم وفقًا لقانون النسبة، ليس لها وجود مستقل وتتماثل شروطها العامة لشروط الجنة. وكما أن العذاب في المستشفى مخصص للمرضى، فإن الأشخاص الأصحاء لا يعانون من أي عذاب بسبب التكيف الجيد مع بيئتهم. وبالمثل، فإن عذاب جهنم كمستشفى للآخرة مخصص للأفراد الذين وُلدوا بولادة غير سليمة، ولا يعاني الأشخاص الأصحاء من ذلك أبدا. إن كل منا يحتاج وفقًا لمدى عدم توافقه مع شروط الجنة إلى جهنم. وبالمقارنة مع عظمة الآخرة مقارنة بالدنيا، فإن العذاب والألم الذي سوف نعيشه في جهنم، سيكون أشد وأطول بكثير.

هل فكرتم يومًا في جهنم كمستشفى للآخرة من وجهة النظر هذه؟ وكيف تفكرون في التكيف مع شروط الحياة في الآخرة لتجنب العذاب والنار؟

[1] . ventilator

اكتب رأيك