تحويل النواقص أو الفواقد إلى الثروة في الآخرة
لقد تذوقنا جميعًا مرارة فقدان ما نحب، سواء كان ذلك ثروة أو مکانة أو ممتلكات بذلنا فيها جهوداً لسنوات وفقدناها فجأة، أو الصحة والعافية التي كنا نفرح بها وفقدناها بسبب مرض أو حادث، أو الأصدقاء والعائلة التي كانت تجلب لنا الراحة والسلام والآن غابوا عنا.
قد نجد أنفسنا في ظروف لا تتناسب مع آمالنا، ربما لا نكون جميلين كما نتمنى، أو لا نمتلك اللياقة البدنية والقامة المناسبة، أو لا نحمل المكانة الاجتماعية أو الشهادة المناسبة على الرغم من مجهوداتنا، ربما وُلدنا في عائلة تواجه مشاكل متعددة، أو نجد أنفسنا غير مقبولين اجتماعياً، أو لسنا أصحاب السيارة أو منزلنا المفضل، وهناك العديد من المسائل الأخرى التي قد تواجهنا.
قد يكون السبب الرئيسي لاستياءنا في هذه الظروف هو الحسرة والشعور بالنقص الذي ينتج عن الإخفاق أو الفقدان، ربما نشعر بأننا خاسرون. ولكن إذا قيل لنا إنّ كل هذه البلايا والمصائب، والنقائص أو الفواقد، تم اعتبارها في مكان ما وتخزينها لنا، فماذا سيكون تأثير هذا الإدراك على مشاعرنا؟ من المحتمل أن نشعر بمزيد من الرضا وقلة الألم، وسنتقبل بسهولة عدم الامتلاك أو الفقدان لهذه النعم، ومع ذلك، يبقى السؤال الحاسم: كيف يمكن لهذه الأمور أن تتحول إلى ثروة لنا؟
النواقص والفواقد هي ثروتنا
قد يكون من الصعب بالفعل التمييز بين الحقيقة والباطل إذا لم نتعرف تمامًا على أبعاد وجودنا المتنوعة، أو إذا لم نكن مقتنعين بوجود هذه الأبعاد المختلفة في وجودنا على الإطلاق. ومع ذلك، إذا قبلنا البعد الإنساني من وجودنا كالحقيقة الوحيدة، واعتبرنا هذا الوعي جزءًا من وجودنا، فسوف ندرك بعناية أن كل النقص والفقدان ينتمي إلى الجوانب الدنيوية وغير الإنسانية لوجودنا. إن فقدان ما نحب أو عدم وجود ما يسعدنا، إذا كان ذلك يرتبط بتوجهات الأجزء الدنيوية وغير الإنسانية من وجودنا، فإنه يعد أمرًا تافهًا وغير ذي قيمة بالمقارنة مع أعظم ثروة إنسانية لدينا وهي الحقيقة الأبدية لوجودنا.

ببساطة فإن كل ما فقدناه في الدنيا، ولم يكن مرتبطًا بجانبنا الإنساني، يحمل معادلًا حقيقية في الحياة الآخرة ولا يزول مع الفقدان. إنّ الصعاب التي واجهناها، والأمراض التي أصابتنا، والأعداء والظلم والإهانات التي تعرضنا لها، حتى لو كنا نتحمل جزءًا من مسؤوليتها، فجميعها تُعتَبَر كنزًا أو ثروة تخزّن لنا في المستقبل. ومع ذلك فإن هذا لا يعني أننا لا نسعى لحل المشاكل والتحديات، ولكن بما أن هذا العالم مليء بالتحديات والتناقضات، فإننا نواجه دائمًا ظروفًا تتعارض مع رغباتنا واحتياجاتنا، وفي مثل تلك الحالات، يُعتَبَر عدم الملكية أو الفقدان استثمارًا في مستقبلنا الآخر.
لماذا نحتاج إلى هذه الثروات؟
من الطبيعي أن يطرح علينا السؤال حول مغزى هذه التخزينات وسبب احتیاجنا إلى كل هذه الثروات دون فهم عميق واستيعاب عظمة الآخرة، ودون أن ندرك الخلود الذي نعتزم أن نقضي باقي حياتنا فيه. إذا كانت الآخرة مجرد مكان مؤقت أو بيئة صغيرة تشبه رحم الأم، لم يكن لدينا القلق بشأن الثروات والممتلكات التي سنحتاجها. ولكن في الواقع فإننا سنواجه آخرة ذات أبعاد تفوق بمليارات المرات عالمنا الحالي، وستدوم إلى الأبد. لذا يجب أن تكون ثرواتنا وممتلكاتنا متناسبة مع هذا العظم واستدامته.
يكفي أن نلقي نظرة دقيقة على سلوكياتنا في مختلف الحالات والظروف لفهم هذا المفهوم بشكل أعمق وأدق. فعلى سبيل المثال، لا تكون الأدوات التي نحملها معنا لرحلة يوم واحد متماثلة تمامًا مع تلك التي نحتاجها لرحلة شهرية، كما أن استعدادنا لتقديم الضيافة لمائدة تضم مائة شخص لا يماثل الاستعداد الذي نحتاجه لاستقبال شخص واحد فقط. وتمامًا كما نحتاج إلى المال والثروة لنعيش حياتنا في الدنيا، فإننا بحاجة أيضًا إلى ثروة روحية لنعيشها في الآخرة، ولكن شكل ونوع هذه الثروة يختلف وفقًا للظروف والمحيط وفترة إقامتنا فيها.ك، و بدون اكتساب ثروة تصبح حياتنا مضطربة ومرهقة سواء هنا في الدنيا أو هناك في الآخرة.
رغم قابلية جميع أعمالنا للتحول إلى ثروة وممتلكات في الآخرة، إلا أن النية الصافية والتواجد القلبي الذي يحولها إلى ممتلكات ليس بالأمر السهل. فالألم والمرض والنقص والفقدان ستجلب بالتأكيد لنا الکثیر، وسيكون مدى هذه الخسائر والصعوبات والمشاكل متناسبًا مع قدرتنا المتفاوتة على تحمُّلها بالطبع.
استعرضنا في هذا المقال تحديات الحياة والخسائر والظروف الصعبة التي قد تواجهنا وأشرنا إلى أن هذه النواقص والفواقد لا تنتمي إلى جانبنا الإنساني، بل هي زائفة وغير أصيلة، إذ أن كل ما هو زائف في هذه الدنيا يعادل حقيقة في الآخرة. لذا، فإن كل هذا الفقدان والمصاعب تُعَدُ كأنها ثروة وموارد لآخرتنا، وإذا كان لدينا فهم لعظمة وأبدية الآخرة، فسنحتاج بالتأكيد إلى امتلاك مثل هذه الثروات.
هل فكرتم في فقدان الدنيا بهذا السياق حتى الآن؟ يسعدنا أن نسمع آراءكم.