ما الفرق بين “الوعي والمعرفة” واكتساب الاسم؟
لقد وجدنا أنفسنا أمام مجموعة متنوعة من الأسماء منذ أن اكتسبنا قدرة فهم اللغة، ولكن قد استغرق الأمر وقتًا طويلاً لندرك أنه ليس من السهل اكتساب الأسماء. إن كسب أي اسم ما يتطلب عملية خاصة لا تتحقق بدون بذل جهد من جانبنا. عندما كنا صغارا، اعتدنا على اختيار أيٍّ من الأسماء التي نعرفها بحرية و تظاهرنا أننا نتقنها، ظنا منا أنذلك يُكسبنا قدرات وخصائص ذلك الاسم. على سبيل المثال، كنا نطلق على أنفسنا اسم “أم”، “أب”، “شرطي”، “طيار”، “طبيب”، وغيره، وقمنا بالتصرف بناءً على تلك الأسماء. وربما قد شعرنا بالتعجب عندما أدركنا أنه لم يمكننا التحول إلى طيار أو شرطي أو أمبمجرد وضع قبعة الطيار أو ارتداء زي الشرطي أو الاعتناء بدمية.
إننا في الحقيقة لا يمكننا المطالبة بشيء قبل أن يصبح جزءًا من ثروتنا. في هذا المقال سوف نسعى لفهم النقاط التالية:
– ما هو الاسم؟
– ماذا يعني اكتساب الاسم و ما هي أهميته؟
– هل يؤدي الحصول على المعرفة أو العلم إلى اكتساب الاسم بالضرورة؟
– و ما هي فائدة هذه الأسماء وهل يقتصر اكتساب الاسم في الأمور الدنيوية فقط؟
ليس العلم والقدرة مترادفتين دائما

اكتساب الاسم يعني الحصول على سمة معينة، وغالبًا لا يتم ذلك بسهولة. دعونا نسلط الضوء على هذا المفهوم من خلال مثال. نحن نعلم أن اللاعب الرياضي المبتدئً يخوض مسارًا طويلًا لكي يصبح بطلًا. ورغم أنه قد شاهد عروض الأبطال مرارًا وتكرارًا وفهمها نظريًا، ولكن بما أنه لم يقم بتنفيذ التمارين المناسبة لاكتساب تلك المهارات، فإن هذا الوعي والمعرفة لن يتجليا في وجوده على هيئة قدرة ولن يُعتبر بطلاً في نظر الآخرين.
يتوجب على الرياضي أن يقوم بممارسة رياضته الآف المرات لتحقيق القدرة والمهارة، و يصقلها حتى يحوّلها إلى استراتيجية يتقنها في النهاية. وبالطبع، فإن هذه الصيغة والأسلوب لا تقتصر على المثال المذكور فقط، بل تمتد لتشمل كل مجالات الرياضة والتعليم والمهن بنفس الروح. أي ما يتعلمه الطالب خلال دروسه اليومية يزيد من حجم علمه ومعرفته، و هذا التجمع من العلوم هو ما يخوّله الحصول على لقب متخصص، أو مهندس، أو طبيب، وغيره. ولكن إذا كانت معرفة الطالب مقتصرة على ما يحفظه في عقله، فإن امتلاكه لأي من هذه الألقاب لن يعود له بأي فائدة.
مادام الفرد لم يقم بتحويل المعرفة التي اكتسبها وتحويلها إلى القدرة، فإنه لا يختلف كثيرًا عن الذين لم يكتسبوا تلك المعارف. إلا أنه يجد الآخرين قد استغلوا فترات حياتهم في مختلف الأشكال، بينما كان هو مشغولًا بإضافة محفوظاته الذهنية فقط!
ما هو الاسم وكيف يتم اكتسابه؟
لا يمكننا اعتبار أي رياضي كاملًا بدون امتلاكه للمهارات الأساسية في تجسيد فنونه المختارة. ولعله إذا قام بتجسيد هذه الفنون دون أن يكون قد أتقنها عقليًا، فإنه يُحاط بخطر التخلي عن فرص كثيرة لصالح منافسه الذي قد أتقنها بشكل فعّال. يستمد العالِم أيضًا فائدة كبيرة من هذا المفهوم، حيث تتحول معرفته النظرية إلى مهارة فنية عندما يتمكن من تطبيقها بنجاح في سياق العمل.
لا تتجسد الروابط بين المعرفة والمهارة إلّا من خلال استمرار التدريب. فالتمرين يمكن الطالب من حل التحديات، والرياضي من تحويل الفنون إلى أداء، والطبيب من معالجة المريض، والفنان من التمييز والتعبير بمهارة. بعبارة أخرى نحن في كل هذه الحالات، نقوم باكتساب إسم ومن خلال التدريب المستمر ننمي خصائص ما في ذاتنا. على سبيل المثال، يقوم الفنان بتعلم الرسم بعد سنوات من التدريب المستمر تحت إشراف معلمه ليطور مهارات الرسم في نفسه و لكي يُعرَف في النهاية باسم رسام.
إنّ “الاسم” هو السمة التي نحصل عليها من خلال اكتساب المعرفة وممارسة التمارين. والشخص الذي يتمتع بمهارات في الرسم، ويكون أيضًا شاعرًا وطاهيًا ماهرًا، قد استطاع من إظهار “الأسماء” المختلفة لنفسه، مثل “رسام”، “شاعر”، و”طاه”.
استنادا إلى هذا التعريف، ندرك أن الاسم يُعبِّر عن الذات بالاضافة إلى سمة خاصة. عندما نطوّر سمة ما في أنفسنا ونرتقي بها، نصبح بذلك محملين بالاسم، ويمكن أن يكون هذا الاسم متعلقًا بأي من المراتب الخمس لوجودنا، وهي المرتبة الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلانية، أو ماوراء العقلية.
نطاق استخدام الاسم وأهمية اكتسابه
ما يثير الاهتمام هنا هو أننا حتى في فترة الرضاعة نحمل معنا أسماء متنوعة، إذ أنه يتيح لنا خلق أعضاء مختلفة في رحم الأم، امتلاك قدرات متعددة مثل الرؤية، والسمع، والحركة، والتنفس، وما إلى ذلك. في الواقع، يتم تجهيزنا قبل الولادة بأسماء مختلفة مثل “بصير”، و”سميع”، و”قوي”، “حيّ”، والعديد من الأسماء الأخرى، لكي نتمكن من الاستفادة منها في بيئة الدنيا، و يُعَد عدم امتلاك أي من هذه الأسماء بدايةً لمحنتنا في الدنيا.
لقد ذكرنا في المقالات السابقة، أن كل فرد منّا يخوض تجربة من ولادتين اثنتين في رحلة خلقه؛ وهما ولادته إلى الدنيا وولادته إلى الآخرة. ويتطلب منه امتلاك حياة صحية وكاملة وأدوات متلائمة مع التعايش في كلتا البيئتين. وكما أن رحم الأم يعد المكان الذي يتم فيه بناء جسد لحياتنا في الدنيا، فإن الدنيا تحمل أيضًا دور الرحم الذي يُهيّئنا لحياتنا الأخروية، حيث يمكننا بإرادتنا تحويل قدراتنا الطبيعية إلى إنجازات فعّالة وكسب أوصاف وأسماء.
إن دخولنا إلى رحم الدنيا يحمل في طياته إمكانيات خلق أدوات الحياة الآخروية، ينبغي لنا التجهيز بسلسلة من قدرات تُعرف بالأسماء، بشكل مشابه للجنين في رحم الأم. تمثل هذه الأسماء قدرات وأدوات تضمن لنا الصحة والسلامة في حياتنا الأبدية واللامحدودة في الآخرة.
كما تعلمنا في المقالات السابقة، فإن الضرورة الأساسية لحياة الآخرة هي ليست في وجود قلب سليم فقط، بل وبشكل حصري. إنَّ هذا القلب، الذي يُعتبر روح وجودنا، يكون سليمًا عندما يولد إلى الآخرة بحالة جيدة من الصحة والسلامة. ولا تأتي هذه السلامة إلا عندما نقوم في الدنيا بتجهيز أعضاء حية للحياة الآخرة، وببساطة عندما نكتسب أسماء متنوعة في هذه الدنيا.
تتجلى أهمية إدراك هذه الأسماء وتحويلها إلى ثروة عندما يُعتبر كل اسم من هذه الأسماء وسيلة للاستفادة من إمكانيات الآخرة. عدم امتلاك أو ضعف في أي من هذه الأسماء يعني عدم قدرتنا على بناء علاقات صحية، وبالتالي فإننا لن نستفيد بشكل كامل من الفرص والإمكانيات المتاحة لنا في حياتنا الآخرة.
أدركنا في هذا المقال، أن الحصول على كل علم لا يضمن بالضرورة اكتساب الاسم. إن اكتساب الأسماء يتطلب جهدًا متواصلًا وتماريناً دائمية. تعكس الأسماء نفس الصفات والقدرات التي تم تطويرها في كل فرد منا، ونحن بحاجة إلى اكتساب هذه الأسماء والحصول على قلب سليم كأداة للاستفادة من ظروف الحياة في الآخرة.
هل فكرت يومًا في الأسماء التي اكتسبتها حتى الآن؟ هل تعمل هذه الأسماء وتتفاعل متوافقة مع ظروف الحياة في الآخرة أم أنها تعمل بصورة مغايرة؟ شاركنا آراءك حول هذا الموضوع.