مثل الدنيا بدون الآخرة، كرحم الأم بلا دنيا.
هل يوجد هناك عالم يلقب بـ “الآخرة“؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فأين يكون ذلك بالضبط؟ هل الدنيا والآخرة متجاورتان كعقارب الساعة، مثل منزلنا المجاور لمنزل جارنا، أم أن الآخرة مكان بعيد يتجاوز السحاب والمجرات؟ هل نحن متصلون بالآخرة في الوقت الحالي؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يظهر هذا التواصل؟ هل تعتمد الدنيا على الآخرة للحفاظ على وجودها، أم أنها قائمة بذاتها بمعزل عنها؟ هل يُمكن للدنيا أن تكون مستقلة بذاتها دون الآخرة؟ قد تلبست العديد من المفاهيم الأساسية بالخطأ حول بنية نظام الكون في عقولنا. لا أحد يعلم من الذي ارتكب هذا الخطأ أولا، ومع ذلك انتقل ذلك من جيل إلى جيل وأدّى إلى الضلال عبر العصور. أحد هذه الأفكار الخاطئة تتعلق بفهم عالم الآخرة وعلاقتها بالدنيا.
عند الحديث عن الآخرة، يرى الكثيرون منا أنها مكان بعيد، يتخطى حدود السحب، وحتى يتجاوز المجرات. ربما نتخيل الآخرة كمكان مجاور للدنيا، حيث ينتهي هذا العالم ويبدأ ذاك. إن فكرة وجود الدنيا بلا آخرة أو دنيا منفصلة عن الآخرة لا تتفق مع حقيقة الواقع وتتعارض مع المنطق بوضوح. وبناءً على ذلك، فإن الاعتماد على مثل هذا التفكير قد يؤدي في نهاية المطاف إلى رفض فكرة وجود حياة آخرة والمفهوم الديني للمعاد.
يتطلب تعديل تفكيرنا حول الآخرة أن نعيد تعريف هذا المفهوم ونستكشف العلاقة العميقة بينها و بين الدنيا. نظرًا لأهمية هذا الموضوع سنقوم في إطار هذا المقال بفحص مقولة “الدنيا بدون الآخرة“، محاولين فهم ما قد يحدث إذا قمنا بتجاهل وجود الآخرة وإزالتها من نظام فكرنا ومعتقداتنا. بمعنى آخر، إلى أي مدى يعتمد وجود الدنيا على الآخرة، وهل يمكن للدنيا أن تكون مستقلة بذاتها بدون وجود الآخرة؟ هل هذا ممكن من الناحية العقلية أم لا؟
العلاقة بين رحم الأم والدنيا

لنتأمل إمكانية وجود الحياة في الدنيا بدون الآخرة، حيث يتعين علينا أولاً فحص العلاقة المترابطة بين جوانبهما واستكشاف كيفية ربطهما. هل هما عالمان مستقلان و منفصلان عن بعضهما البعض؟ أم تكمن بينهما روابط تعتمد على التفاعل والتأثير المتبادل؟ هل تعتبر الآخرة كما يظن البعض، مكانًا بعيدًا يتجاوز حدود المجرات؟ هل يمكن مقارنة العلاقة بين الدنيا و الآخرة بالعلاقة التي تجمع بين منزلنا ومنزل الجار؟
بالتأكيد، إذا كانت الدنيا والآخرة عوالم منفصلة ومستقلة عن بعضهما البعض، أو إذا كانت علاقتهما تشبه تلك التي تجمع بين منزلنا ومنزل الجار، فعندها يُمكن إدارة الدنيا بدون الآخرة. ولكن إذا كانت هذه العلاقة متشابكة و متداخلة، فلن يكون هذا السيناريو ممكنا بطبيعة الحال. ولكن كيف يمكننا أن ندرك طبيعة هذه العلاقة؟ يجب علينا كالعادة اللجوء إلى قانون النسبة لفهم تفاصيل العلاقة بين الدنيا والآخرة. يُظهر هذا القانون بوضوح وبدقة، العلاقة بين عالم الفيزياء وعلم الميتافيزيقا ويزيل الكثير من الالتباسات المتعلقة ببنية الكون.
بناءً على قانون النسبة، تتجلى نفس العلاقة المتواجدة بين رحم الأم والدنيا في العلاقة بين الدنيا والآخرة. إذا تم فهم الارتباط بين رحم الأم والدنيا بشكل صحيح، سيتم تفريغ الارتباك الذي يكون حول العلاقة بين الدنيا والآخرة بشكل طبيعي. ولكن كيف تكون العلاقة بين رحم الأم والدنيا؟ وأين رحم الأم في الدنيا؟ هل هو خارج الدنيا؟ أم بجواره؟ أم داخله؟
إن رحم الأم داخل الدنيا بالتأكيد و هو جزء من بنيتها. لقد كانت الدنيا موجودة أولاً، و من ثم تشكل رحم الأم داخلها. إن هذا الارتباط واضح جدا حيث لا يمكننا تصوّر وجود رحم منفصل عن الدنيا. إن الأم نفسها ليست قائمة بدون الدنيا. فما بالنا برحم الأم! إذا كان هناك أم، وإذا كان هناك رحمٌ مترابط مع وجود هذه الأم، وإذا كان هناك جنين يتشكل وينمو داخل هذا الرحم، فإن كل لك يعتمد بشكل كامل على نعمة وجود الدنيا. الدنيا هي التي توفر الطاقة والقوة والغذاء الضروري لتغذية الأم والجنين، وإذا لم تستمر الدنيا في منح فضلها للأم والرحم والجنين داخله، فإن كل هذا سيفني في أقل من الثانية.
يظهر لنا أخذ هذه النقاط في الاعتبار أن العلاقة بين رحم الأم والدنيا كعلاقة تبادلية متشابكة. يُعَدُّ رحم الأم جزءًا من الدنيا، حيث تحيط به الدنيا بأكملها. وبالتالي، يكون وجود الرحم بدون الدنيا أمرًا غير ممكن تمامًا. دعونا الآن نلقي نظرة على العلاقة بين الدنيا والآخرة.
العلاقة بين الدنيا والآخرة
نظرًا لما ذكرناه عن العلاقة بين رحم الأم والدنيا، يسهل علينا الآن وصف العلاقة بين الدنيا والآخرة. ومع ذلك، سنقوم بتوضيحها أيضًا لضمان عدم ترك أي إشكال في هذا الصدد.
تتشابه العلاقة بين الدنيا والآخرة بعلاقة رحم الأم بالدنيا. هذا يعني أن الدنيا والآخرة ليستا عوالم منفصلة ومستقلة عن بعضهما البعض. ليس الأمر كما يعتقد البعض، أن الآخرة هي مكان والدنيا مكان آخر، بل إن الدنيا هي في قلب الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا.[1] و تماما كما أن رحم الأم لا يمتلك أي فاصل زمني أو مكاني عن الدنيا، فإن الدنيا أيضا ليس بينها و بين الآخرة أي فاصل زمني أو مكاني.
تنبعث هما نتيجة مثيرة من هذا الموضوع وهي أننا جميعًا في الوقت الحالي وأثناء وجودنا في رحم الدنيا وإدارتنا لحياتنا الدنيوية، فإننا متواجدون أيضًا في ملكوتنا الخاص في عالم القبر، ومع كل اختيار وعلاقة وسلوك وفعل نقوم به تتحول نفوسنا إلى شكل جديد وتتغير من حالة إلى حالة أخرى.
بعبارة أخرى، إننا نحدد نوع ولادتنا إلى البرزخ والملكوت و كوننا في الجنة أم في النار من خلال تصرفاتنا في الدنيا، كما يحدد الجنين نوع ولادته إلى الدنيا من خلال الأفعال التي يقوم بها في رحم الأم. هذا الموضوع معروف في التعاليم الإسلامية بمفهوم تجسم الأعمال. سنتحدث في المقالات القادمة بشكل مفصل عن مفهوم التحول من صورة إلى صورة أو “صيرورة النفس” وكذلك “علاقة النفس والقبر”، وكذلك “تجسم الأعمال”.
من مجموع النقاط التي تم ذكرها في هذا المقال، يظهر لنا بوضوح أن الدنيا لا يمكن أن تنفصل عن الآخرة. فكل وجود الدنيا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالآخرة، وإذا تم قطع “فيض“ الآخرة عن الدنيا فجأة، فإن الدنيا ستنهار و تزول بكل ما فيها من عظمة وبهاء ومليارات النجوم والمجرات والجبال والبحار. يعتبر النظام الفيزيائي تجسيدًا وجوهرًا لنظام الميتافيزيقي أو الملكوت، وفي حالة عدم وجود الملكوت، فإن النظام الفيزيائي يفتقر إلى أي معنى أو وجود.
[1] . قال الامام علي(علیهالسلام): «الدُّنيا فِيالآخِرَةِ وَالآخِرَةُ مُحيطَةٌ بِالدُّنيا » بحارالأنوار، ج 30 ص 72