ماذا تعني الوفاة؟ هل نموت أم نفوت؟

جدول المحتويات
ماذا تعني الوفاة وما نسبتها بالموت وأيهما الأصح بالنسبة للإنسان؟

ماذا تعني الوفاة؟ ما الفرق بين الموت وبين الوفاة؟ وأيهما هو الأصح بالنسبة للإنسان؟

ما معنى الوفاة؟ ولماذا نستعمل مصطلح الوفاة للإشارة إلى رحيل شخص عن هذا العالم؟ هل الموت والوفاة والفوت تعني جميعها نفس الشيء، أم هناك اختلافات بينها؟ وأي منها يكون الأكثر دقة في وصف الإنسان؟ و هل سوف نموت أم نفوت أم تحدث لنا الوفاة في النهاية؟!

لا شكّ أنّ البشر یتحدّثون بلغات متنوعة حول العالم، وتتمتع كل لغة بخصائصها الفريدة وجاذبياتها الخاصة. إلّا أنّه يتعين علينا الاعتراف بأن اللغات المختلفة ليست على قدم المساواة من حيث ثراء المفردات وانتشارها، وتكون بعض اللغات أكثر غنىً من غيرها. وبشكل عام، كلما كانت دائرة مفردات لغة أوسع واحتوت على مصطلحات تخصصية للتعبير عن المفاهيم، كلما كانت أكثر كمالاً. إذ يمكن لها الاستفادة من كلمات تقلل من الالتباس في التعبير عن المفاهيم التجريدية والحقيقية. ومع ذلك، فإن هدفنا في هذا المقال ليس مناقشة خصائص اللغات المختلفة أو مقارنتها، وإنما هو استكشاف مفهوم يُسمى الموت أو الوفاة وفحص الأخطاء المحيطة بهذا المفهوم.

یشیر “الموت” أو “الفوت” إلى النقطة المناقضة للحياة والوجود، وعندما نقول إن فلانًا مات، فإننا نعني أنه تم زواله وفناءه بینما لا يزول الجانب الإنساني أو “الأنا الحقيقية” من وجودنا أبدًا. ببساطة، لا يحدث ما نُسميه الموت أو فقدان الحياة إلّا في الجسم ولا يطال الروح. لذا، يظهر أن مصطلح “الموت” ليس ملائمًا لوصف الحدث الذي يحدث في نهاية رحلة الإنسان.

التعبير الآخر الذي نلجأ إليه في هذا السياق هو “الفوت”. تكمن الجذور اللغوية لهذه الكلمة(فاتَ- یفوتُ) في فقدان شيء‌ ما، حيث یقال: “فاته الشَّى‏ءُ فوتاً”[1] أو “فاتَني الأَمرُ فَوْتاً و فَواتاً” أي: ذهَب عني. و فاتَه الشي‏ءُ، و أَفاتَه إِياه غيره.[2] أو  “فاتت الصلاة” أو “تفوتني فرصة معينة”، وينطوي هذا على فقدان أو عدم امتلاك المطلوب. يُستخدم هذا المصطلح في هذا السياق لأن الفرد الذي رحل فعليًا، يمكن اعتباره قد فُقِدَ أو ابتعد عنا، وهو تعبير صحيح يلامس الواقع غیر أنّه ليس بالتأكيد التعبير الأدق والمناسب للإشارة إلى الحدث بدقة. إنّ التعبير الصحيح والأدق هو “الوفاة” الذي أصله هو من “التوفي” ، حيث نقول: “أدركته الوفاة” أو “توفي فلان”، وليس “مات” أو “فات”. ولكن ما المقصود بـ “الوفاة” أو “التوفي” ولماذا نلتجئ إلى هذا التعبير؟

أصل كلمة “الوفاة” لغويًا

“الوفاة” و”تَوَفَّى” و”اِسْتيفاء” كلها من أصل واحد. و يُقال: تَوَفَّيْت المالَ منه، و اسْتوْفيته، إذا أخذته كُلّه‏.[3] “تَوَفَّى” أو “اِسْتَوفَى” يعني أخذ شيء بالكامل أو نقل شيء من مكان إلى آخر بشكل كامل.[4] إذا اسْتَوْفَى حقّه و تَوَفَّاهُ بمعنًى.[5]‏ وقال ابن منظور في لسان العرب: تَوَفِّي الميتِ أي اسْتِيفاء مُدَّتِه التي وُفِيتْ له و عَدَد أَيامِه و شُهوره و أَعْوامه في الدنيا. و تَوَفَّيْتُ المالَ منه و اسْتوْفَيته إذا أَخذته كله.[6] ومن هنا نقول إن الوفاة هي الانتقال من عالم إلى عالم آخر انتقالًا كاملًا غير منقوص. وقد استخدم الله سبحانه كلمة “التوفي” في القرآن لوصف الحادثة التي تحدث في لحظة الموت إذ يقول: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا.[7] وأينما يستخدم الله تعالى كلمة “المَوْت” فيما يتعلق بالإنسان، فإنه يقصد بها نفس المعنى. وهذا من روائع اللغة العربية!

ولكن لماذا يستخدم الله كلمة “التوفي” لوصف الانتقال إلى الحياة الآخرة؟ وباستخدام هذه الكلمة، ماذا يريد أن يخبرنا به؟

لقد جرّبنا الوفاة من قبل!

لكي نعرف المعنى الحقيقي للوفاة، و ما الذي ينتقل بالضبط و من أين إلى أين، يلزمنا العودة إلى قانون النسبة. من خلال هذا القانون يمكننا درك مفهوم الوفاة بسهولة أكبر و اختلافها عن الموت.

أشرنا سابقًا إلى أن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه الارتباط بين رحم الأم والدنيا. فلنتأمل لحظة مخاض أم حامل بتوأم داخل رحمها. لنفترض أن أحد هؤلاء التوائم قد رأى النور، بينما الآخر ما زال داخل الرحم. في هذا السياق، ضعوا أنفسكم في موقع التوأم الذي لم يخرج بعد، حيث لا يعلم عن عالم خارجي ولا يشعر بوجوده وبالطبع يتصور الموت لتوأمه. بالنسبة له، تكون الحياة مقتصرة فقط داخل الرحم، وكل من يخرج يعتبر ميتًا من رؤيته. والآن، ضعوا أنفسكم في موقع التوأم الذي قد خرج من البیئة الضيقة لبطن الأم إلى هذا العالم الكبير، والملون، والرائع. ما هي المشاعر التي قد تغمره؟ هل يعتقد أنه قد مات؟ بالطبع لا! إنّما يشعر بأنه قد انتقل من مكان إلى مکان آخر!

تتكرر هذه الحقيقة في التفاعل بين الدنيا والآخرة. حیث عند نهاية الحياة، يتم فصل روحنا بالكامل عن عالم الدنيا وتُولد أو تنتقل إلى عالم آخر يُعرف بالملكوت أو البرزخ. وبالنتیجة يستخدم الله مصطلح “التوفي” بدلاً من “الموت” الذي يشير إلى الفناء وفقدان الحياة. إذن، لقد جربنا الوفاة مرة واحدة بالفعل، وكان ذلك عندما ولدنا من رحم الأم إلى هذا العالم كضرب من الانتقال!

إذا أردنا إلقاء نظرة مختصرة على هذا النقاش، يتعين علينا أن نقول إن مصطلح الوفاة، من الناحية اللغوية، يحمل في طياته المعنى العميق للانتقال الكامل ونوعًا من أنواع الولادة. إننا نجترب هذه الولادة والانتقال ثلاث مرات خلال حياتنا الأبدية: مرة عندما نُولد من رحم الأم إلى عالم الدنيا. ومرة أخرى عندما نولد من رحم الدنيا إلى البرزخ، ومرة أخيرة عندما نولد من رحم البرزخ إلى القيامة.

[1] .  ابن الفارس: معجم مقاييس اللغه ، ج‏4 ،ص457 / فوت

[2] . لسان العرب ،ج‏2 ،ص 69 / فوت

[3] . تهذيب اللغة، ج‏15، ص: 419

[4] . شمس العلوم / ج‏11 / [الاستيفاء]: …..  ص : 7240:  [الاستيفاء]: استوفى حقَّه: إِذا أخذه وافياً.

[5] . الصحاح، ج‏6، ص: 2526

[6] . لسان العرب ،ج‏15 ،ص 400 / وفي

[7] . الزمر، 42

اكتب رأيك