ما هي الفروق بين الدنيا والآخرة وما هي المزايا التي تحمل كل منهما؟

جدول المحتويات
ما هي أهم الفروق بين الدنيا والآخرة؟

ما هي أهم الفروق بين الدنيا والآخرة؟

ما هي الفروق بين الدنيا والآخرة في رأيك؟ هل هناك أي فرق بينهما على الإطلاق؟ وإذا كان هناك فروق، فكم نعرف عنها؟ و إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه المعرفة على أسلوب حياتنا واختياراتنا وعلاقاتنا وتصرفاتنا وأفكارنا؟

كما سلطنا الضوء سابقاً عن التشابهات بين الدنيا والآخرة، فإن فهمنا النسبي لعالم الآخرة يعد أمرًا ضرورياً لتحقيق حياة مريحة خالية من التعقيدات، وكذلك لضمان ولادة سليمة في الآخرة لكي نستطيع التكيف مع الظروف الحياتية هناك. وكما حدث سابقا، فإن قانون النسبة سوف يساعدنا على فهم الآخرة جواستكشاف الفروق بين عالمي الدنيا والآخرة. بما أنّ الدنيا هي مرحلة التحضير للمرحلة القادمة الأكثر تقدماً والتي من المقرر أن ننتقل إليها قريبًا، لذلك فإن من الضروري جدا الوعي بتلك الفروق.

الاختلاف في قوّة البناء

على الرغم من تفوق الآخرة بإمكانياتها وتقدمها بالملايين على الدنيا، وعلى رغم كل التحديات والقيود التي تواجهها الدنيا، إلّا أن قوة البناء للدنيا تفوق الآخرة كثيراً وهي قوة لا يمكن للآخرة أن تُضاهيها. قوة البناء هذه تتجلى أيضًا في العلاقة بین رحم الأم والدنيا.

عندما يعاني الجنين في الرحم من مرض أو عيب، يميل الأطباء إلى علاجه في نفس بيئته الطبيعية في رحم الأم. يكمن في وراء هذا الاختيار القدرة الاستثنائية للرحم على البناء. عندما يولد جنين متأثرا بمرض أو عيب، يجب عليه تحمل الألم والمشقة طوال حياته، إذ لا يمكن للدنيا أن تعوّضه حتى بجزء صغير من جسده.

و بالمثل فإن الدنيا تتفوق أيضاً بفضل قدرتها الرهيبة على البناء رغم محدوديتها مقارنة بالآخرة. إذن فإن أحد أبرز الفروق بين الدنيا والآخرة هي نفس القدرة الرحمية الفريدة للدنيا. ساعة واحدة في الحياة الدنيا قد تعادل آلاف السنين في الآخرة، وبفضل هذه القوة الرهيبة يمكن لعمرنا المحدود في الدنيا أن يُوَلّد لنا أبدية لا نهائية في الآخرة. لحظة قصيرة من الخير أو الشر في الدنيا قد يمكنها أن تلقي بظلالها على آفاق غير متناهية في الآخرة نحو الجنة أو النار، وهذا أمر مدهش بالفعل! الدنيا هي مزرعة الآخرة[1]، حيث نحصد في الآخرة ما زرعناه في الدنيا.

لا یمکن المقارنة بين عظمة الدنيا والآخرة

تتجلى إحدى الفروق الأخرى بين الدنيا والآخرة في اتساع وعظمة الآخرة. عندما نقارن رحم الأم والحياة الدنيا، نجد أن الدنيا أوسع بكثير وتحمل قدرات أكبر من رحم الأم، و لا يمكن للجنين خلال وجوده في رحم الأم أبداً تصوّر مدى هذا الاتساع والإمكانيات الضخمة. تنطبق هذه العلاقة أيضاً على العلاقة بين الدنيا والآخرة، حيث تظهر الآخرة بأبعاد وتقدم لا حدود له مقارنة بالدنيا. لذلك فإن درك عظمة الآخرة وتفوق نعمها يشكل تحدياً بالنسبة لنا الذين نعيش في هذا العالم الضيق والمحدود.

الفرق بين النعمة والعذاب

من الفروق البارزة الأخرى بين الدنيا والآخرة هو الفرق الشاسع بين النعيم والعذاب. النعم الآخروية لا يمكن مقارنتها بالنعم الدنيوية. تتوفر في الجنة إمكانيات لم ترَها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر ببال أي إنسان.[2] يكاد يكون من المستحيل تصوّر نعم الآخرة في إطار عقلنا الدنيوي المحصور في قيود عالم المادة. مهما وصفنا تنوّع الفواكه والحلويات والأطعمة الملونة والمطاعم الفاخرة لجنين يعتمد غذائه على الدم، فلن يفقه شيئا مما نقول أبداً إذ أن الغذاء في تصوّره هو ليس شيئا غير الدم. إنّه لا يستطيع تذوق هذه الأطعمة بلسانه ولا يتصوّر مظهرها وشكلها. يُعتبر الدم بالنسبة للجنين ألذ الأطعمة، لأنه لم يرَ أفضل منها ولم يتذوق غیرها أبدًا.

هذا هو الحال مع عقولنا الدنيوية، إننا كالجنين داخل الرحم لا نملك أي فهم لنعيم الجنة، لأننا لم نشهد روائعها بأعيننا. لذلك عندما يستخدم الله مصطلحات القصور والحور والجواهر والأشجار والأنهار عند وصف تلك النعم، ذلك لأنه يريد أن يجسدها بأسلوب قريب ومفهوم لعقولنا الأرضية المحدودة. وإلا فلا يمكن مقارنة نعيم الجنة بالدنيا. لقد قيل: “لَيسَ فِي الجَنَّةِ شَيٌ‌ء مِمّا فِي الدُّنيا إِلّا الأَسماءُ.»[3]“. والدنيا، بمفهومها ومغزاها، ليست سوى لعب ولهو[4]، بينما عالم الآخرة يتسم بالملكية الكبيرة والحقيقية.[5] للمؤمنين جنات بدرجات متعددة، حيث يكمن الفارق بين أعلى وأدنى درجاتها كالفارق بين السماء والأرض، مما يعكس عظمة تلك الجنان وتنوعها الذي لا يمكن تصوّره بمفهومنا الدنيوي المحدود.

وعندما نتحدث عن أنواع العذاب في الآخرة، يصعب مقارنتها أيضا مع معاناة الدنيا وآلامها. إنّنا نعتاد تدريجياً في الحياة مع التحديات والصعوبات ونتأقلم معها بعد فترة و يصبح تحملها أكثر يسرًا. بینما تختلف الأمور تمامًا في الآخرة، حيث يتجدد نوع الألم والعذاب في كل لحظة. وفي الحقيقة، فإن بنیة نظام الآخرة بما لا تسمح لسكان النار بالتعود علی العذاب، ولا يمكن لسكان الجنة أن يشعروا بالملل من فرحة نعيمها.

ظهور الحقائق وكشف الستور

هناك سطح من الوعي والفهم والإحساس في جميع الذرات في السماء والأرض وفي جميع كائنات عالم الكون، منشغلين جميعاً بذكر الله وتسبيحه. إلا أن قبول هذا الأمر و تصوره يصعب علينا ما دمنا في الدنيا، حيث تعمل حواجز الدنيا المادية كستار أمام أعيننا، مما يعيق رؤيتنا للحقائق الداخلية في هذا العالم. تشبه هذه الحواجز تلك التي تحول دون رؤية الجنين للحقائق الدنيوية بسبب حجابه المظلم داخل الرحم.

عندما ننتقل إلى الآخرة، ستُزال تلك الحواجز و تنكشف لنا باطن الأشياء والكائنات، وحتى أعضائنا التي تبدو أنها لا تعقل، سيصبح بإمكان التحدث في الآخرة وتشهد على ما تعلمه عنا سواء كان خيرا أو شرا. وبطبيعة الحال فإن رؤية البواطن و الخوافي ليس أمراً مستحيلاً لجميع الناس.  أولئك الذين قضوا حياتهم في العبودية و الطاعة الله وفي تنقية أرواحهم بإمكانهم رؤية بعض الحقائق التي لا يستطيع الآخرون رؤيتها. ولكن، لا يتحقق الفهم الكامل لجميع البواطن للعالم الخفية إلّا في الآخرة.

کانت مساعینا في المقال السابق، التركيز على أبرز التشابهات بین الدنيا والآخرة، وفي هذا المقال حاولنا تسليط الضوء على أهم الفروق بين الدنيا والآخرة من خلال قاعدة النسبة لتحقيق فهم نسبي من عن عالم ما بعد الموت، مما يمهد الطريق لتجهيز أنفسنا للحياة الأبدية في عالم الآخرة.

هل تعرفون مزيدًا من التشابهات والفروق بين الدنيا والآخرة؟ وكيف يؤثر التعرف على خصائص الآخرة على نمط حياتنا في الدنیا؟ نرجو مشاركة آرائكم وتفكيركم حول هذا الموضوع العميق.

[1] .  عوالي اللآلي : 1/267/66 .

[2] . قال رسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله :قالَ اللّه ُ تعالى : أعْدَدْتُ لِعِباديَ الصّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأتْ ، و لا اُذُنٌ سَمِعتْ ، و لا خَطَرَ على قَلبِ بَشرٍ .[كنز العمّال : 43069 ، بحار الأنوار : 8/191/168 مع تفاوت يسير في اللفظ .]

[3] .  کنزالعمال للهندي، ج۱۴، ص۴۵۴

[4] . سورة محمد: 36: وإنَّمَا الْحَیاةُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ

[5].  سورة الانسان: 20: وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعيماً وَ مُلْكاً كَبيراً

اكتب رأيك