ما هي التشابهات بين الدنيا والآخرة وما هي السمات المشتركة بينهما؟
إلى أي مدى تعرف عن الآخرة؟ ما هي السمات المشتركة والتشابهات بين الدنيا والآخرة في تصورك؟ كيف يساعدنا فهم الآخرة واكتشاف التشابهات بينها وبين الدنيا؟ هل لها تأثير على حياتنا الدنيوية؟
إنّ الحياة الدنيوية قصيرة ومحدودة، و سوف ننتقل بعد هذه الرحلة الدنيوية البسيطة إلى عالم يتسم بالتطور والتقدم بمرات عديدة. انتقالنا من هنا إلى الآخرة يشبه تحولنا من كهف صغير تحت سطح الأرض إلى مدينة متقدمة للغاية، حيث نبقى فيها إلى الأبد. في مثل هذه الظروف، ما هي الخطوة الأولى التي يجب علينا اتخاذها؟ يجب علينا أولًا وقبل كل شيء، أن نتعرف جيدًا على هذه المدينة ونفهم قوانينها وأنظمتها. ثانيًا يجب علينا أن نسعى لتأمين الأدوات والمستلزمات الضرورية للعيش فيها بناءً على المعرفة التي اكتسبناها حول هذا المكان، لضمان حياة مريحة خالية من العوائق. إذاً، سيساعدنا الفهم العميق للآخرة في تجهيز أنفسنا وتوفیر المعدات اللازمة لرحلتنا نحو الآخرة.
تشبه العلاقة بين الدنيا والآخرة بعلاقة رحم الأم بالدنيا بناءً على قاعدة النسبة التي تطرقنا إليها سابقًا، ولذلك فإن فهم هذه القاعدة يُساهم بشكل كبير في درك التشابهات بين الدنيا والآخرة. و تماما كما أنه لیس بإمكان جنين في رحم الأم أن يكون لديه فهمًا صحيحًا لعظمة الدنيا وإمكانياتها، فإن من الطبيعي ألا یکون لدينا فهمًا صحيحًا لعالم الآخرة، طالما نحن متواجدين في رحم الدنيا. لذلك فإننا نسعى من خلال الحديث عن الخصائص المشتركة والتشابهات بين الدنيا والآخرة للوصول إلى فهم نسبي للآخرة.
كلتا الدنيا والآخرة مكان حقيقي
تكمن إحدى أبرز التشابهات بين الدنيا والآخرة في كونهما حقيقة. لكلا العالمين البرزخ والآخرة فضاء حقيقي تمامًا مثل الدنيا ولا يمثلان أماكن وهمية أو خيالية أو منبعثة من خيال الإنسان. تماما كما يدخل الجنين بعد انتهاء فترة الحمل إلى عالم يحتوي على إمكانيات متقدمة وأوسع، سوف ننتقل نحن أيضًا بعد انتهاء فترة حياتنا في الدنيا إلى عالم البرزخ والآخرة. لذا، تكمن الخطوة الأولى في معرفة الآخرة في أن نكون واثقين ومؤمنين بوجودها وأننا سوف ننتقل إليها لبناء حياة أبدية، سواء شئنا أم أبينا.
التشابه بين الدنيا والآخرة من حيث نوع الولادة
تبرز بعض التشابهات الأخرى بين الدنيا والآخرة في “نوع الولادة”. بشكل عام، توجد ستة أنواع ولادة التي تقود إلى دخول الحياة الدنيا أو الانتقال إلى الآخرة بالتتابع، وهي:
- الولادة السليمة القوية.
- الولادة السليمة.
- الولادة الضعيفة.
- الولادة المريضة.
- الولادة الناقصة.
- الولادة المعيوبة.
واضح أن بين كل هذه الولادات فإن الولادتين “السليمة القوية” و”السليمة” هما المرغوبتين للدخول إلى الدنيا والانتقال إلى الآخرة، إذ أن باقي أنواع الولادات مصحوبة بالألم والتحديات. فماذا نقصد بالولادة السليمة؟ وما هو الفرق بين الولادة السليمة والسليمة القوية؟
في الولادة السليمة يتكيف الشخص مع ظروفه الحياتية في المكان الذي سيولد فيه، سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة. بما أننا جميعًا نعيش الآن في الدنيا، ندرك أن الشرط الأهم الأساسي لحياة مريحة وخالية من المشاكل والمتاعب في الدنيا هو أن يولد الرضيع بحالة صحية تامة جسديًا، بلا عيوب في جهازه الهضمي والعصبي، اليدين، القدمين، العينين وباقي أجزاء جسمه. يُطلق على الرضيع الذي يولد بهذه الحالة اسم “رضيع سليم” أو “الطفل السليم”.
ما هو المقصود إذاً بالولادة السليمة القوية؟ یولد العديد من الأطفال يوميًا، حيث يكون معظمهم سالمین ومجهزين بالأدوات الأساسية للعيش في الدنيا. ومع ذلك فإنهم لیسوا من حيث القوة والقدرة والذكاء والمواهب، على قدم المساواة. يتمتع بعضهم بقدرات وذكاء أعلى، بينما يكون البعض الآخر في صعيد المتوسط أو عادي. يُطلق على الرضّع الذين يتمتعون بصحة جيدة وقدرات متفوقة اسم “الرضيع السليم القوي”.
تقتصر الولادة المرجوة إلى الدنيا على هاتين الفصيلتين فقط ولا تسبب باقي الولادات إلا المشاكل والآلام، حيث تُحمّل الفرد الألم والمعاناة بناءً على نوع الأمراض التي يعاني منها وشدتها وعددها. ينطبق الأمر ذاته على الآخرة أيضًا، حيث أن الشرط الرئيسي لراحة العيش ورفاهيته في البرزخ هو أن نكون مجهزين بأدنى عوامل الصحة للعيش هناك، وكما ذكرنا سابقًا، إنّ المؤشرات التي تحدد صحة نفوسنا أو عدم صحتها هي أعمالنا. إذا وُلدنا بنفوس مريضة وملوثة بأنواع الرذائل الأخلاقية مثل الغرور والحسد والكراهية والغضب و… في البرزخ، فلا مناص من البقاء في مستشفى جهنم لآلاف السنين، لكي تنفصل هذه الأمراض عن النفس. حتى التفكير في ذلك أمر مرعب ومخيف، والعاقل الحكيم هو من يعالج أمراضه الأخلاقية في هذا العالم ولا يتركها إلى البرزخ والقيامة.
كلتا الدنيا والآخرة بحاجة إلى ثروات حقيقية
إن الحاجة إلى الثروة الحقيقية هي من تشابهات أخرى للعيش في الدنيا و في الآخرة. فكما نحن بحاجة إلى الموارد المادية والثروات للاستمرار في الحياة والعيش في الدنيا، فإننا في الآخرة بحاجة إلى الموارد والثروات الروحیة للاستمرار في الحياة الأبدية. تمثل “الثروات الروحية” مجموعة من القدرات التي تتجلى في الشخص وتكون مصدرًا للسلوكيات الفريدة. على سبيل المثال، يُعتبر وجود “قلب رحيم” نوعًا من الثروات الروحية التي تجعلنا نواجه الآخرين بروح متفتحة. کما أنّ “السخاء” أو “الكرم” هو نوع آخر من الثروات الروحية التي تکون بمفردها مصدرًا للعديد من أعمال الخير والبركات، وتجعل نفوسنا تنبض بالنور دائمًا. الصبر والتحلي بالحلم یمنعانا من إلحاق الضرر بأنفسنا وبالآخرين، و… هذه ثروات روحية نحن بحاجة شديدة إليها في الآخرة والحقيقة أنّ جنة كل شخص أُعدَّت في الآخرة على أساس القيم والثروات التی يمتلکها. كلما كان لدى شخص مزيدًا من الثروات، كان أكثر ثراءً ويستمتع بحياة أفضل! إن هذا قانون سائد في الدنيا في الآخرة!
تشابه السؤال والجواب في الدنيا والآخرة
تعد “المحاسبة أو الحساب السريع” من التشابهات الأخرى بين الدنيا والآخرة. تمامًا كما يتم محاسبة الجنين فور دخوله إلى الدنيا ويتعرض للأسئلة والإجابات، نحن نتعرض أيضًا فور دخولنا إلى البرزخ والقيامة للمحاسبة والأسئلة والإجابات. وبالطبع ليست هذه الأسئلة كتابية أو شفهية، بل هي “أسئلة وجودية”، حيث أنه ليس من الضروري أن نعترف بذنوبنا وأعمالنا السيئة بلساننا، بل الكلام البارز والمعبر الوحيد هو نوع ولادتنا، إذا وُلِدنا سليمين وقويين فسندخل الجنة على الفور، أما إذا وُلِدنا مرضى أو ضعفاء، فيجب أن نبقى في مستشفى الجحيم لفترة طويلة ونتحمل عذاب العلاج حتى يتم علاج أمراضنا وضعفنا. وإذا وُلِدنا ناقصين أو معيوبين فعلينا أن نبقى خالدين في جهنم إلى الأبد، لأن الإعاقة هي غير قابلة للعلاج في الآخرة، كما هي كذلك في الدنيا.
إحاطة الآخرة بالدنيا والدنيا برحم الأم
في زاوية أخرى من تشابه الدنيا والآخرة، وفي آخر الأمور التي نستعرضها من منظور قاعدة النسبة، هي أنّ الدُّنيا في الآخرة والآخرةُ مُحيطَةٌ بِالدُّنيا حیث إنّ رحم الأم هو في الدنيا والدنيا محيطة برحم الأم. كما تحيط الدنيا برحم الأم، تحيط الآخرة بالدنيا. إذن إننا في هذه اللحظة في الآخرة بالفعل، ولكن بما أننا محصورون في دائرة الدنيا، لا يمكننا رؤية الآخرة حاليًا.
توصلنا إلى رؤية أعمق حول الآخرة في ضوء الملاحظات التي ذكرناها. إن فهم التشابهات بين الدنيا والآخرة يعزز استعدادنا للدخول إلى العالم الآخر، مما يمكننا من الاستفادة بشكل أكبر من مغامرات حياتنا وفرصها الفريدة. ما رأيك في ذلك؟ يرجى مشاركة آرائك معنا.