خصائص الآخرة ووصف عالم ما بعد الموت

جدول المحتويات
لا يوجد لدينا وسيلة لفهم خصائص الآخرة سوى من خلال استخدام التشبيه والمقارنة.

فهم خصائص الآخرة باستخدام قانون النسبة

توصلنا إلى استنتاج وجود عالم الآخرة من خلال الرغبة في اللانهاية وقانون المقادير والعلامات الموجودة في نفوسنا. ولكن السؤال الآن هو: كيف يمكننا فهم خصائص الآخرة، ونحن لم نشاهدها ولا يوجد لدينا تجربة بها؟ من بين الأمور التي قد نتجنب مواجهتها هي توضيح مفهوم ما لطفل صغير، حيث أن الأطفال لا يمتلكون فهماً مسبقاً للعديد من الأمور نتيجة لخبراتهم والمعرفة المحدودة، أو لأنه لا يوجد لديهم تصور سابق حول تلك الأمور. لهذا السبب، عند شرح شيء ما للأطفال نستخدم عادة التشبيه أو المقارنة. ومع ذلك، هذا الوضع ليس محصورًا فقط للأطفال. نحن أيضًا في موقف الأطفال الآن، لا نملك تصورًا مسبقًا حول هذا الموضوع، ولا يوجد لدينا وسيلة لفهم خصائص الآخرة سوى من خلال استخدام التشبيه والمقارنة.

نحن نعتمد على عقولنا لفهم الأمور، ولكن نظرًا للقيود الموجودة في عقولنا، لا يمكن لنا تحقيق الفهم الكامل للأمور غير المادية. فعقولنا رغم قوتها، لا تستطيع رؤية كامل الأبعاد وجوانب الأمور الغير ملموسة بشكل واضح؛ وبناءً على ذلك، لا يمكننا الوصول إلى تلك الأبعاد باستخدام الأدوات المادية والمحدودة التي نمتلكها. نحن من خلال أجسادنا المادية، نتفاعل أساسًا مع الجوانب الملموسة في حياتنا. ولكن هناك جوانب داخلية في وجودنا لا يمكن تفسيرها إلا من خلال التفاعل مع عوالم غير مادية، مما يشير إلى وجود بُعد إنساني أو غير مادي في حقيقتنا.

طرق فهم خصائص الآخرة

تعلمنا في المقالات السابقة أن العلاقة بين عالم الآخرة والدنيا تشبه العلاقة بين الدنيا ورحم الأم. ومن ناحية أخرى، تقوم بنية العالم على قواعد رياضية دقيقة. لكي نكون قادرين على وصف خصائص الآخرة، يكفي أن نفهم جيدًا خصائص رحم الأم وقدراته وسلوك الجنين في هذه البيئة ونعي أن سلوك الجنين في رحم الأم يُعادل ما يحدث في رحم الدنيا بالنسبة للآخرة. في الواقع، عبر معرفتنا بهذه القواعد، يمكننا الكشف عن خصائص الآخرة التي لم ندركها مسبقًا.

لا يمكننا أن نكون واثقين من أننا قد أتينا من عالم الآخرة إلى هذه الدنيا إلا من خلال معرفة سلسلة من القواعد ورؤية بعض الإتجاهات والرغبات في وجودنا، تماماً كمن يعلم أنه قضى تسعة أشهر من عمره في رحم أمه إلا أنّه غير قادر على وصف خصائصه. الحقيقة أنّ لديه صفات لا يمكنه الحصول عليها إلا عن طريق وجوده في رحم الأم، لذا فهو واثق من أنه قضى مدة معينة في تلك البيئة. يظهر لنا بوضوح بعد أن نمعن النظر إلى طفل يحمل شوكولاتة بيديه، ويعبر تعبير وجهه عن شغفه في تناول الشوكولاتة المتبقية، أنه قد استمتع بطعم الشوكولاتة مسبقًا. بنفس الطريقة، نحن واثقون من وجود الآخرة ونعلم أيضًا أن بُعدنا الإنساني كان جزءًا منها من قبل من خلال وجود اتجاهات في وجودنا مثل الرغبة في اللانهاية التي لا يمكن تحقيقها لها في العالم المادي المحدود.

إنّ حياة الجنين في رحم الأم وعلاقتها مع الدنيا، تفتح أمامنا أبوابًا متعددة نحو خصائص الآخرة. بعض هذه الخصائص قد تكون ذات صلة بتعريف الآخرة بذاتها، بينما تشير بعضها إلى العلاقة بين الآخرة والدنيا، والبعض الآخر يُعَدّ ضروريًا للحصول على حياة مريحة في الآخرة.

خصائص الآخرة في صلتها بالدنيا

إنّ رحم الأم، هو فضاء ضيق تطوقه الدنيا، ولذلك فإن الفجوة الزمنية بينهما ضئيلة جدًا. في الحقيقة، ليست المسافة بين الرحم والدنيا إلا فترة الولادة فقط. بعد ذلك، يخرج الجنين بالكامل من الرحم، فاقداً جميع الأدوات التي ساهمت في نموه وتغذيته الرحمية ويدخل الدنيا معتمدا بشكل تام على الأدوات التي صنعها ليتكيف مع بيئته الجديدة وفقًا لظروفه الحياتية. تحيط الدنيا بالرحم كملكوت للجنين ويمنحه الرحم كل ما يحتاجه من طاقة وقوة وغذاء بحيث يصبح الجنين عرضة لخطر جسيم في حال وفاة الأم وانقطاع الاتصال بينه وبين الدنيا، ويواجه ظروف طارئة.

في الحقيقة، ترسل الدنيا جزءاً صغيراً جداً من نفسها إلى داخل الرحم، حيث يتحد هذا الجزء الصغير مع البويضة، التي تمثل جزءاً من الدنيا أيضاً. ينشأ عن هذا التلاقي جنين وبعد مروره بمراحل نموه، يعود مرة أخرى إلى الدنيا ليخوض تجربة حياة اكثر تقدمًا من رحم الأم. يستمر الجنين داخل رحم الأم في استقبال عمليات النمو والتشكيل بلا انقطاع. وفي النهاية، تظهر آثار كل ما مر به أثناء فترة وجوده في الرحم عند دخوله إلى الدنيا، حيث لا يمكنه أن يخفي عملية تكوين وجودة حياته في الرحم. وبعبارة أخرى يتزامن بداية دخول الجنين إلى الدنيا مع فحص حالته التي إن لم تكن متوافقة مع ظروف الدنيا، فإنه يُصاب بالأمراض، والعيوب، والعذاب، والحزن، والأسى.

الآخرة التي تُعرف من خلال الدنيا

من خلال فهم العلاقة بين الرحم والدنيا، وكذلك الدنيا والآخرة، وتحقيق التوازن بين هذين الجانبين، يمكننا بسهولة فهم بعض خصائص الآخرة. في الواقع، الدنيا مشابهة لرحم صغير جدًا و تُحاط بها الآخرة. في الحقيقة، نحن في الواقع حاليًا في الآخرة. ليس هناك وقت محدد لانتقالنا إلى الآخرة، ومن الممكن أن ننتقل في أي لحظة مع الموت إلى عالم آخر يحيط بالدنيا. عندما ندخل إلى الآخرة، لا نفقد فقط الوصول إلى رحم الدنيا الذي يحمل فيه قدرات بنّاءة هائلة فحسب، بل نفقد أيضًا إمكانيات مثل قوة الحواس، والخيال، والوهم، والعقل، التي كانت في وقت مضى أدوات نمونا وتغذيتنا في رحم الدنيا. في الحقيقة، فإن جميع قيم الدنيا تفقد قيمتها، والشيء الوحيد الذي يتبقى لنا هو ما يتعلق بالآخرة ويكون متوافقًا مع ظروف الحياة في عالم الآخرة. لفهم هذا النقاش بشكل أعمق، يمكننا تصوّر فرداً قد هاجر إلى بلد آخر. لا تبقى أي من ممتلكاته، سواء كانت ثرواتٍ أم معرفةً أو سمعةً، ذات قيمة قابلة للاستفادة في البلد الجديد إلا إذا كانت قابلة للتقديم والاستخدام باللغة الجديدة وتتماشى مع ظروف وقوانين هذا البلد. في حال عدم تحقيق هذا التوافق، فإن جميع ممتلكاته لا تحتفظ بأي قيمة أو اعتبار.

إنّ عالم الآخرة يظهر كملكوت الدنيا ويحيط بها، وهذا يعتبر من الخصائص البارزة الأخرى للآخرة. تتجلى كل الأفعال والتفاعلات في الدنيا، والأحداث التي تتلاطم فيها، والقوى والحركات والطاقات الضرورية لها، عبر البرزخ والآخرة. كما أنه بدون وجود الدنيا، لن يكون هناك أم على الإطلاق لتشكل في رحمها جنينًا حتى يكتمل، فإن عدم وجود الآخرة أيضًا يعني عدم وجود الدنيا.

يتم إرسال روحنا كجزء من عالم الآخرة إلى رحم الدنيا، حيث تحصل على الأدوات الضرورية للحياة المادية في الرحم وتدخل في دائرة الدنيا. تنمو وتتطور باستمرار في هذا السياق ويمكنها أن تحقق تكاملها الذاتي، وتعد لنفسها الأدوات الضرورية لحياة الآخرة الأبدية، ثم تعود إلى عالم الآخرة لتعيش حياة أبدية. تتجسد جميع الأحداث التي حدثت في رحم الدنيا للإنسان في الآخرة وتُقاس بمعايير ومقاييس الحياة الأخروية، و لا يمكن للإنسان إخفاء أي شيء عندما يرى ما جلبه معه من مظهر وهيئة، والتي تم تشكيلها وفقًا لأعماله وممتلكاته.

تعريف الآخرة ووصفها

يشبه الجنين في رحم الأم شخصًا أعمى وأصم وأبكم بطبيعته، حيث لا يملك فهمًا صحيحًا وكاملًا للعالم الذي يعيش فيه. قد اقتصرت حياته على البيئة الضيقة والمحدودة داخل رحم الأم وفي كيس ممتلئ بالماء، و ليست الأدوات والإمكانيات المتاحة له إلا مشيمة و حبل سري. يقضي تسعة أشهر داخل رحم الأم، وهي فترة قصيرة بالمقارنة مع الوقت الذي سيقضيه في العالم الخارجي. لا يمتلك فهمًا لجمال السماء عند الغروب أو للألوان والأشكال والأصوات الجميلة من حوله. يقيس كل شيء بناءً على المعايير والمقاييس التي يعرفها ويمتلكها في رحم الأم، بينما يجد نفسه بعد ولادته في بيئة أوسع وأكبر بكثير، أكثر عظمة وجمالًا، لا يُمكن مقارنتها بالبيئة الضيقة داخل رحم الأم من حيث الميزات والإمكانيات.

نحن هنا في الدنيا لا ندرك جوانب الآخرة وعظمتها ووسعها، بل ندرك فقط أنه عند مقارنة حجم الرحم بالعالم الدنيوي، يظهر عالم الآخرة أكبر وأشمل وأكثر تطورًا من حيث التجهيزات أكثر من مليار مرة. لا يُمكن مقارنة مدة عمرنا المحدود في الدنيا بالحياة الأبدية والمتواصلة والخالدة التي سنواجهها في الآخرة.

الحقيقة أنّ عالم الآخرة هو واقع يتطلب وجود أدوات وإمكانيات وثروات متلائمة مع ظروف الحياة فيه. سوف يتم حساب مُدخلاتنا ومُخرجاتنا عند دخولنا إلى عالم الآخرة بدقة حاسمة وسرعة، وستظهر في الآخرة التحديات والمشاكل التي نحملها معنا من الدنيا على شكل نقص وألم ومرض أو عضو إضافي. العالم الآخر هو عالم الفعل وليس القوّة، وقابلية البناء والتعويض عن النقص والاضطرابات فيه ضعيفة للغاية. نستطيع في الآخرة، استخدام الأدوات التي تكون متناسبة مع بنيتها وخصائصها، وإذا لم نحمل معنا هذه الأدوات الملائمة، فلن تكون عظمة وتقدم الآخرة لصالحنا وإنّما ستتسبب في المزيد من الفقر والحزن والتعاسة. تمامًا كالطالب الضعيف الذي يدخل في مدرسة متميزة، فإنه وعلى الرغم من وجود إمكانيات واسعة ومتقدمة، فإن ذلك ليس لصالحه فقط بل يدفعه إلى اليأس والعذاب ويثير لديه شعورًا بالإحباط بسبب ضعف أسسه العلمية.

لكي ندرك عظمة الآخرة، يكفي أن ندرك أن كل المحبة والرحمة الالهية التي تتجلي في الدنيا هي جزء صغير من رحمة الله ولا يزيد عن واحد بالمائة. بينما تبرز الآخرة كعالم يديره تسعة وتسعون بالمائة من رحمة الله. وبنفس النسبة، فإن اللطف والحب والمودة والتآلف والودّ الذي يوجد في الآخرة يعادل تسعة وتسعين مرة ما هو موجود في كل الدنيا. وبالطبع، لا يقتصر هذا الاختلاف على المحبة فحسب، بل يمتد إلى مختلف المفاهيم الأخرى أيضًا. إذ يظهر مفهوم البرزخ والآخرة بنسبة يتجاوز مئات المرات أكبر وأكثر إذهالًا وإعجابًا من الذي نعرفه في العالم الدنيوي، وفي بعض الحالات، يكون أكثر صعوبة وقسوة.

شرط امتلاك حياة مريحة في الآخرة

الآن، وبعد أن أصبحنا إلى حد ما على دراية بخصائص الآخرة وميزاتها، من الجيد أن نفهم ما هو الأمر الأساسي لتحقيق حياة مريحة في الآخرة. بمعنى آخر، كيف يجب أن نتصرف في رحم الدنيا حتى لا نواجه المشاكل والعذاب في الآخرة، وكيف يمكننا استغلال إمكانيات وخصائص الآخرة إلى أقصى حد؟

تمامًا كما تعتمد صحتنا عند الولادة على تكويننا السليم في رحم الأم واستلام تغذية مناسبة وكافية في هذه المرحلة، فإن حالتنا في عالم الآخرة تعتمد أيضًا على حركاتنا الصحية والقوية واستلام التغذية المناسبة في الحياة الدنيا. في الواقع، لا يمكن لآخرتنا أن تكون قوية دون بناء دنيا قوية، ويجب علينا أن نكون قادرين على استخدام هذه الدنيا وثرواتها لبناء الآخرة.

يجب على الجنين الذي يسعى جاهدًا للحفاظ على صحته وتحقيق أهدافه، إدارة جانبين بفعالية. أولاً، ينبغي له أن يستفيد من أفضل المواد المتاحة في بيئة الرحم، وثانياً في المرحلة التالية، يجب عليه تخصيص جزء من هذا الاستيعاب لحياته داخل الرحم وتوجيه معظمه الباقي نحو الحياة في الدنيا. في الحقيقة، إذا تصرف الجنين بشكل معاكس لهذه القاعدة، فإنه يعرض حياته للخطر وقد يؤدي إلى تدميرها. على سبيل المثال، إذا كان يتلقى كميات زائدة من الدم من المشيمة داخل الرحم، أو إذا قلل من تخصيص موارد كافية لبناء حياته في  الدنيا، فقد يؤدي ذلك إلى حدوث الإجهاض أو مواجهته لتشوهات وإعاقات شديدة في الحياة.

قد يحدث لنا نفس الشيء في الدنيا وفيما يتعلق بالآخرة، أي أنه إذا لم نكن قادرين على إيجاد التوازن والتناغم بين حياتنا في الدنيا، واحتياجاتها ومتطلباتها من جهة، وبين احتياجاتنا للحياة الأبدية في الآخرة من جهة أخرى، فإننا قد نفوّت الفرصة لتحقيق التقدم ونخسر الرهان. يأتي النجاح عندما نستطيع استخدام ثرواتنا والموارد المتاحة في الدنيا بما يكفي لاحتياجاتنا، ونجهز أنفسنا بكل الوسائل اللازمة وبأكبر قدر ممكن للحياة في الآخرة.

ضروريات أخرى لتحقيق النجاح في الآخرة

بالتأكيد، لا تكون إدارة الأصول وحدها كافية لضمان نجاح الجنين. فإنّه بحاجة إلى الاستقرار في مأوى آمن، وبعيدًا عن أي ضرر لينجح سواء في حياته الجنينية أو في التجهيز والاستعداد للخروج إلى الدنيا. يُعرف هذا المأوى باسم “قرار مكین“. وبالمثل، ينبغي لنا تثبيت أنفسنا واستقرارنا بثبات في رحلتنا نحو الآخرة. يعني ذلك تنظيم اختياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وسلوكنا، وعلى نحو عام أسلوب حياتنا بحیث تحمي جانبنا الإنساني من التأثيرات الضارة. وإلّا حتى وإن كنا نسعى للنمو، لن نحقق أي نجاح أو نتائج إيجابية، لأننا سنضيع قدراتنا في مسار خاطئ بسبب عدم معرفتنا بقرار مكين وهدف خلقنا، وفي النهاية، لن نصل إلى مكانتنا المخصصة.

استعرضنا في هذا النص، معرفة خصائص الآخرة، والتي لا يمكن فهمها بالنسبة لنا و لم تكن لدينا تجربة عنها إلا من خلال التشبيه والمقارنة. قمنا بتحليل هذه الخصائص محاولين فهمها بقدر الإمكان من خلال النظر إلى العلاقة بين رحم الأم والدنيا، وكذلك بين رحم الدنيا والآخرة. أظهرت لنا هذه الدراسة أن قاعدة النسبة توضح لنا وصفًا من عالم الآخرة وخصائصه بالنسبة للدنيا، وتبرز لنا ضرورة وجود حياة مريحة في الآخرة. لقد قمنا في مجموعة المقالات في موضوع النسبة بالتركيز على كل من هذه العلاقات بشكل منفصل .

إذا كنتم قد فهمتم أيضًا المزيد حول خصائص الآخرة من خلال التفكير في العلاقة بين رحم الأم والدنيا والآخرة، فسيكون من دواعي سرورنا أن نسمع مشاركاتكم وتعليقاتكم في قسم التعليقات.

اكتب رأيك