ما هي العلاقة بين العمل والأخلاق وهل يمكن تغيير الأخلاق؟

جدول المحتويات
ما هي العلاقة بين العمل والأخلاق وما هي التأثيرات المتبادلة بينهما؟

ما هي العلاقة بين العمل والأخلاق وما هي التأثيرات المتبادلة بينهما؟

إن العلاقة بين العمل والأخلاق تحدد كيف تتحول أعمالنا إلى صفات أخلاقية، وتكشف عن الرحلة التي اتخذناها لتشكيل شخصيتنا الحالية. أحد أهم متطلبات تطوير الذات ومعرفة النفس هي فهم هذه العلاقة وتساهم بشكل كبير في تحسين الصفات الأخلاقية والسلوكية.

هل وجدت نفسك يومًا تتوق إلى تغيير جوانب معينة من صفاتك الأخلاقية؟ هل غامرت بإحداث مثل هذا التغيير؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى نجحت؟ وهل تعتقد أن السمات الأخلاقية تملك القدرة على التحوّل أم  يجب أن نستسلم إلى طبيعتها الثابتة؟

“أنا غير قادر على التغيير، يجب أن تقبلوني كما أنا!” قد سمعتم هذه العبارة من قبل أشخاص لا يتطلعون لتحسين صفاتهم الأخلاقية. ولكن هل هذه الجملة صحيحة؟ الحقيقة أن شخصيتنا تخضع لتطور مستمر، ولا يستطيع أحد الزعم بأنه لم يتغير على مر السنين. هذه التحولات تكون غالبًا ما واضحة لدرجة أنه عندما نقارن شخصيتنا الحالية بشخصيتنا منذ عشر سنوات، يبدو الإختلاف كما لو أننا نتعامل مع شخصيتين مختلفتين تمامًا. إذاً، يحدث تغيير في الشخصية تلقائيًا وبدون وعي، لكن السؤال هو: هل يمكننا التحكم في هذه التغييرات؟ وهل يمكننا تحويل ذاتنا من الحالة الحالية إلى الحالة المبتغاة؟ تكمن إجابة هذه الأسئلة في فهم العلاقة بين العمل والأخلاق. ولكن كيف يمكن أن تكون هذه العلاقة؟ وكيف يمكننا الاستفادة منها لتحسين صفاتنا الأخلاقية غير المرغوبة بها؟

ما هي العلاقة بين العمل والأخلاق وكيف يمكن للعمل أن يتحول إلى خُلق؟

كما ذكرنا في المقالات السابقة، تتحوَّل أفعال الإنسان تباعًا للاستمرار والتكرار إلى المكتسبات، والتي تكوّن بدورها سماته الأخلاقية. بعبارة أخرى، يترك كل عمل سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا، بصمة في عمق الروح، وخاصةً عندما يتكرر بإرادة وشغف ويتحول إلى خُلق أو مَلَكَة اخلاقية راسخة. عندما يتحول عمل ما إلى ملكة أخلاقية نتيجة التكرار فإنه سوف يتجذر في عمق الروح، ومن هنا تبدأ الروح في إنتاج هذا السلوك بشكل دائم بلا وعي.

عندما يكذب شخص ما بشكل محدود تحت الاضطرار والإكراه، يظل هذا الكذب مجرد فعل عابر ولا يتحول إلى اكتساب أو خُلق، ولكن عندما يستمر ويطول الأمد لهذا السلوك فسوف يتحول الشخص إلى أسير للكذب، حيث يقوم بالكذب بلا إرادة في كل تفاصيل حياته، سواء كانت صغيرة أم كبيرة، وحتى في المواقف التي لا تعود إليه فوائد خاصة. وهكذا يتحوّل الكذب، نتيجةً لتراكمه إلى جزء لا يتجزأ من جوهره، حيث يجد الشخص راحته في هذا النمط الضار. و رغم أنه قد يشعر بالأسى بسبب هذا التصرف، ولكن مع تحوله إلى جزءٍ من وجوده، يصعب عليه التخلص من هذه العادة. في الحقيقة، لقد قام لسانه بالسيطرة عليه، بدلاً من أن يكون هو سيد لسانه.

تنطبق هذه العلاقة على الأعمال الصالحة أيضا. على سبيل المثال، عندما يمارس الفرد الكرم والسخاء مرارا و تكرارا فإنه سوف يصل إلى مرحلة تجعل هذه الخصلة النبيلة تتجذر في جوانب شخصيته. ومن ثم، تقوم نفسه بإنتاج هذه الفضيلة دون الحاجة إلى مجهود جبار في منح الهدايا، أو تقديم القروض، أو الإنفاق في سبيل الأعمال الخيرية، وما إلى ذلك. يوجد هناك فرق متميز آخر بين العمل والأخلاق من حيث الجزاء والعقوبة الأخروية، إذ أن جحيم الأخلاق أكثر صعوبة وألمًا من جحيم الأعمال. سنشرح هذا الأمر بالتفصيل في المقالات المقبلة.

بناءً على المبادئ التي ذُكرت، فإن العلاقة بين العمل والأخلاق يحمل في طياته طابعًا ثنائيًا، إذ أن العمل الصالح أو السيء يؤدّي تكراره والاستمرار عليه إلى تكوين مَلَكَة أخلاقية عند الإنسان، و من جهة أخرى  فإن هذه المَلَكة الأخلاقية تولِّد بدورها العمل ذاته. وبطبيعة الحال فإن مفهوم “العمل” يمتد ويشمل نطاقًا واسعاً ولا يقتصر على الأعمال التي نقوم بها بأعضائنا وأطرافنا وإنّما تشمل نياتنا وأفكارنا التي تشكّل جزءًا لا يتجزأ من أعمالنا، وتخلق تأثيرات مشابهة في النفس. بعبارة أخرى، إذا كانت هناك نية شريرة في قلوبنا لفترة طويلة دون أن نواجهها مواجهة جادة، فإنها سوف تتأصل في أنفسنا تدريجياً، حتى ولو لم تَظهر بشكل واضح. وبالمقابل إذا كانت لدينا نية طيبة ولم نجد الفرصة لتحقيقها، فإنها سوف تتحول إلى نور ينبعث من داخلنا، مستمرة في خلق الخير والبركة.

الآن وقد شرحنا العلاقة بين العمل والأخلاق، أدركنا أن بإمكاننا استثمار هذا الوعي لتصحيح الصفات الأخلاقية غير المرغوب فيها وتحويلها إلى صفات مرغوب فيها. ولكن كيف يمكننا ذلك؟

تصحيح السمات الأخلاقية غير المرغوب فيها

بالنظر إلى العلاقة بين العمل والأخلاق، ندرك أن مسار بناء الأخلاق يمر عبر الأعمال. لذا، إذا قررنا تصحيح أعمالنا، ستشهد أخلاقنا تحسّناً تلقائيًا. تماما كالانسان الرياضي الذي يودّ أن يحقق مهارة رياضية، إذ أنه يمارس الحركة نفسها آلاف المرات، بدلاً من أداء آلاف الحركات المختلفة مرة واحدة. إننا بحاجة للتركيز على العمل نفسه لتحقيق المهارة والتقدم، بدلاً من تشتت الجهود في أفعال متنوعة بدون تخطيط واضح. ولذلك فقد جاء في التعاليم الدينية والمعرفية أنه عندما يبدأ الإنسان بالقيام بأي عمل صالح يجب أن یستمر عليه بانتظام لمدة عام، لكي يتحول هذا العمل إلى اكتساب و ذخر في أعماق وجودنا.

بالطبع، فإن مثل هذا العمل قد لا يكون بسيطًا في البداية! لقد عشنا وعاشرنا وتعاملنا مع سماتنا الأخلاقية الراهنة لسنوات طويلة من عمرنا بحيث أنها أصبحت جزءًا من واقع وجودنا، ومن الطبيعي جدًا أن يكون فصلها عن نفوسنا كما لو أننا على وشك إستئصال غدة سرطانية نمت جذورها و تشابكت في خلايا وجودنا. لن يأتي هذا الاستئصال بدون ألم وتحمّل بالتأكيد، ولكن إذا علمنا التأثيرات الأليمة لبقاء هذه الرذائل الاخلاقية على حياتنا بعد الموت، فسوف ندرك أنه يتوجب علينا تشديد أحزمة الاستعداد وتجهيز أنفسنا لمواجهة جهاد كبير مع أنفسنا. طالما أننا وبفضل الله متواجدون في رحم الدنيا الآن، فإن لدينا الفرصة لتصحيح كل التلوّثات الروحية والرذائل الأخلاقية في حياتنا، إذ أن كل ساعة في الدنيا يمكنها أن تقوم بما يعادل آلاف السنين في النظام الأبدي بالنسبة لنا.

وفي الختام، ينبغي أن نشير إلى أن الخصائص الأخلاقية الوراثية هي جزء من مكتسباتنا أيضا، والاختلاف الوحيد بينها وبين الخصائص المكتسبة هو أنها وصلت إلينا عبر آبائنا وأجدادنا، دون أن نلعب دورًا فعّالًا في تشكيلها. ومع ذلك، فإن نفس الطريقة التي تم الحديث عنها  لتصحيح الصفات الأخلاقية المكتسبة تُطبّق على الخصائص الوراثية أيضًا، ولا يعني ذلك أن هذه الخصائص لا يمكن تصحيحها أو علاجها. سنناقش في المقالات القادمة أبعادًا أخرى لموضوع الاكتساب.

اكتب رأيك